«مواجهة الردة.. أول دروس الردع»

الزكاة والشرعية.. كيف حسم أبو بكر معادلة السلطة في أول اختبار للدولة الإسلامية؟

الأحد، 22 فبراير 2026 01:34 م
الزكاة والشرعية.. كيف حسم أبو بكر معادلة السلطة في أول اختبار للدولة الإسلامية؟

من أرض الهجرة أحداث لا تنضب، بإمكانك أن تراها بعيون مختلفة، تتفق في روحها وتختلف في معناها، فها هي عين ترى فيها تمكين للدعوة، ونصرة للدين، وعين ناقدة، وأخرى تفسر الأمور والأبعاد بعيدًا عن السياق، وجميع هذه العيون تنظر من بعيد.. لكن كي تقترب، عليك أن تقترب على وهن، فأنت لا تعرف أي عين تراك.

قد يكون الابتلاء رحمة، فمن رحم الألم يولد الأمل، وتأسيس هذه الدولة لم يكن ليتم، لولا أحداث وأيام صاغت رؤيتها، حتى اكتملت، وهذه أيام فارقة في عمر الدعوة، كانت لها أبعاد سياسية واستراتيجية واجتماعية، ولا يمكن بأي حال حصرها في جانب واحد.

في صفحات التاريخ الإسلامي حكايات اخترنا أن نعرج عليها، نحكي عن فتنة كادت تفتك بالجميع، وعن أيام اختبرت بقاء هذا الدين، ورجال أعمال التزموا بدورهم الاجتماعي فازدادوا ثراءً وقامت الدولة، وعن ربات الفصاحة والأدب، فلا يمكن أن نمر مرور الكرام، دون أن نبرز لقطات وأحداث وشخصيات شاركت في بناء هذه "الدولة".

 
لم تكن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حدثًا عاديًا في تاريخ الأمة، بل كانت لحظة فاصلة اهتزت لها المدينة ومن حولها الجزيرة العربية، وارتسم الحزن على الوجوه، وبكت القلوب، لكن خلف ذلك بدأت ملامح الاختبار الأول للدولة الناشئة، فالمدينة التي كانت مركز الوحي والقيادة وجدت نفسها فجأة أمام تحدٍّ غير مسبوق.
 
لقد شهدت الجزيرة العربية بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، موجة من الردة، حيث امتنع بعض الناس عن أداء الزكاة، وادعى آخرون النبوة، ليبدأ الصحابي الجليل أبو بكر الصديق رحلة استعادة الدولة، واختبار حدود الردع، كأول خليفة بعد وفاة النبي، حيث تعتبر هذه المرحلة "نقطة فاصلة" بين تأسيس الدولة الإسلامية أو نهايتها قبل أن تبدأ.
 
لما توفي رسول الله، جعلت وفود العرب تأتى إلى المدينة وتقر بفرضية الصلاة ولا تعترف بالذكاة، ومنهم من امتنع عن دفعها إلى الصديق أبو بكر، وبالتالي هنا كان الاعتراف بشرعية حكم الخليفة الأول "منقوصة"، وذُكر أن منهم من احتج بقوله تعالى: (خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (التوبة ١٠٣ {.
 
وبحسب ما ورد في [البداية والنهاية، لابن كثير ٦/ ٣١٥]، تمسّك بعض مانعي الزكاة بحجة مفادها أنهم لا يدفعونها إلا لمن تكون صلاته سكنًا لهم، وهو ما عكس محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين المركز والأطراف، وفصل الالتزام الديني عن السلطة السياسية، وقد طُرح داخل المدينة رأي يدعو إلى تأجيل المواجهة واحتواء الموقف تدريجيًا حتى يترسخ الإيمان، إلا أن أبا بكر رفض هذا التوجه، إدراكًا منه أن التهاون في الزكاة يفتح باب تفكك السلطة المركزية.
 
ويؤكد صحيح الإمام مسلم بشرح النووي (١/ ٢٠٠) أن الجدل لم يكن عسكريًا فحسب، بل فقهياً وسياسياً في آنٍ واحد؛ إذ استند عمر بن الخطاب إلى ظاهر حديث «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله…»، بينما أعاد أبو بكر تأويل المسألة باعتبار الزكاة جزءًا من منظومة الطاعة السياسية لا مجرد عبادة فردية، قائلاً: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة…»، ويكشف هذا الحوار أن قرار القتال لم يكن اندفاعًا، بل حسمًا لنقاش حول حدود الشرعية واحتكار السلطة، وقد انتهى الأمر بإقرار عمر بصواب الموقف، كما في (الإمام مسلم بشرح النووي ١/ ٢٠٢، ٢٠٣).
 
أما من حيث طبيعة التمرد، فقد انقسم المرتدون – كما نقل النووي عن الخطابي – إلى من أنكر أصل الدين وانضم إلى مدّعي النبوة كأتباع مسيلمة والأسود العنسي، وهؤلاء واجههم أبو بكر عسكريًا حتى قُتل مسيلمة باليمامة والعنسي بصنعاء، وانتهت حركتهم.
 
كما شمل التمرد من أنكر بعض الشرائع أو فرّق بين الصلاة والزكاة، وهو ما خلق إشكالًا مركّبًا بين الردة الصريحة والبغي السياسي، وقد ظهر هذا التعقيد في قضية بني يربوع ومالك بن نويرة، حيث منع الزكاة عن المركز، مما أثار خلافًا داخليًا قبل أن يُحسم لصالح تثبيت مبدأ عدم الفصل بين الالتزام الديني والطاعة السياسية.
 
وبذلك مثّل قرار أبي بكر لحظة ترسيخ لمعادلة حاسمة: لا اعتراف بشرعية الدولة دون التزام كامل بمنظومة الواجبات، ولا تسامح مع أي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الدين والسلطة على نحو يهدد وحدة المجال السياسي.
 
واعتمد أبو بكر الصديق رضي الله عنه في مواجهة الردة على استراتيجية ردع مركّبة جمعت بين الاحتواء السياسي والحسم العسكري. فبحسب (البداية والنهاية ٦/ ٣٢٠)، بدأ بخيار الدعوة المنضبطة، إذ أرسل كتابًا موحدًا إلى القبائل المرتدة، وأعطى نسخة منه لكل قائد من قادته، يدعوهم فيه إلى العودة إلى الطاعة والالتزام بالإسلام، مع إقرار واضح بأن الرفض بعد البيان يترتب عليه القتال، وكان هذا الإجراء محاولة لإعادة دمج الأطراف ضمن السلطة المركزية قبل الانتقال إلى التصعيد.
 
وعند فشل الاحتواء، انتقل إلى المرحلة الثانية: الحسم العسكري المنظم. فعقد أحد عشر لواءً ووزعها على مسارح العمليات المختلفة في الجزيرة العربية. فكلّف خالد بن الوليد بمواجهة طليحة بن خويلد في بزاخه، ثم التحرك إلى البطاح إن استقرت الجبهة، وفق ما ورد في (البداية والنهاية ٦/ ٣٢٢).
 
وبعد ذلك اتجه خالد إلى اليمامة لمواجهة مسيلمة الكذاب، حيث انتهت المواجهة بمقتله، وكان أبو بكر قد سبق ذلك بإرسال عكرمة بن أبي جهل وشرحبيل بن حسنة دعمًا لتلك الجبهة (البداية والنهاية ٦/ ٣٣٢)، كما بعث إلى البحرين العلاء بن الحضرمي، حيث دارت المواجهة في "جواثي" وانتهت بانتصار المسلمين (تاريخ الخلفاء ص 61).
 
أما في عُمان، فقد مثّلت الأحداث هناك اختبارًا لقدرة المركز على إدارة الأطراف البعيدة. إذ خرج الجُلندى مدعيًا النبوة، وتمكن من إقصاء السلطة المحلية وإعادة تشكيل مركز نفوذ بديل. 
 
وتعامل أبو بكر مع هذا التطور باعتباره تهديدًا سياسيًا يتجاوز البعد الديني، فأعاد تنظيم الجبهة الجنوبية بقرار عسكري دقيق، فقد بعث حذيفة بن محصن إلى عُمان، وعرفجة البارقي إلى مهرة، مع تحديد واضح لتسلسل الإمرة بحسب مسرح العمليات، ثم ألحق بهما عكرمة بن أبي جهل، وحدد خط حركة يمتد من عُمان إلى مهرة ثم إلى اليمن وحضرموت للالتحاق بالمهاجر بن أبي أمية، مع توجيه مباشر بملاحقة بؤر الردة على امتداد هذا المسار (البداية والنهاية ٦/ ٣٣٤)، وهو ترتيب يعكس تصوراً عملياتيًا مترابطًا، قائمًا على تنسيق الجبهات ومنع تشكل فراغات أمنية في الجنوب.
 
واستمرت هذه العمليات في نمط حركي جوّال، استهدف إعادة فرض السيادة المركزية وتفكيك مراكز التمرد، بما أعاد ضبط المجال السياسي للجزيرة تحت قيادة واحدة، ولم تكن المواجهة مجرد صدام عسكري، بل عملية إعادة بناء للسلطة وترسيخ لاحتكار القوة، وهو ما أدى إلى استقرار الجزيرة سياسيًا وأمنيًا.
ومن منظور استراتيجي، لم يكن الانتصار نتيجة ظرف عابر، بل حصيلة تلازم بين قرار سياسي حاسم وتنفيذ عسكري منظم. فقد اقترنت صلابة القيادة المركزية بكفاءة إدارة مسارح العمليات، ما أدى إلى إعادة تثبيت وحدة الدولة الناشئة، وهو ما اعتبره القاضي أبو بكر بن العربي من أعظم أعمال الصديق بعد أن استنفد مسار الدعوة قبل القتال (العواصم من القواصم، ص ٤٧).
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق