الدكتور نظير محمد عياد مفتي الجمهورية في حواره مع «صوت الأمة»: التجديد في الخطاب الإفتائي ليس «ترفاً فكريًا» بل ضرورة تفرضها تحولات المجتمع
الأحد، 22 فبراير 2026 07:00 م
مفتي الجمهورية والزميلة منال القاضي
حوار منال القاضي
حكم استخدام الحقن العلاجية وبخاخات الربو وجلسات الغسيل الكلوي أثناء الصيام أكثر الفتاوى شيوعاً في رمضان
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لا يبطل الصيام الا اذا تحولت إلى باب للغفلة أو نشر الشائعات أو الوقوع في الغيبة والسخرية
أدعو الشباب إلى ترشيد استخدام التكنولوجيا ودعلها وسيلة للخير والمعرفة وصلة الرحم وليس أداة لإهدار الوقت
تعيين مفتيات سيدات داخل دار الإفتاء.. و"المرصد" يراقب ما ينشر في الفضاء الرقمي ووسائل الإعلام من فتاوى أو أطروحات دينية متطرفة أو شاذة
كثيرة هي الأسئلة والفتاوى التي يذهب بها المصريون إلى دار الأفتاء المصرية مع حلول شهر رمضان، أغلبها مرتبط بأمور طبية، وأيضاً ظروف العمل، خاصة في المهن الشاقة.
للتعرف على هذه الأسئلة وردود دار الإفتاء عليها، وقضايا أخرى، كان لنا هذا الحوار مع الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، الذى تحدث معنا عن الفتاوى الأكثر شيوعاً في شهر رمضان، وكذلك نصائحه للصائمين، فضلاً عن أمور أخرى مرتبطة بالفتوى، وتجديد الخطاب الدينى.
وإلى نص الحوار..
بداية، ما هي أبرز القضايا المستحدثة التي يتزايد السؤال عنها في شهر رمضان؟
نلحظ في كل عام أن شهر رمضان تتزايد التساؤلات المستحدثة التي ترتبط بتغير أنماط الحياة وتطور الوسائل التقنية والطبية. ومن أبرز القضايا التي يتزايد السؤال عنها في السنوات الأخيرة المسائل الطبية المرتبطة بالصيام، كحكم استخدام الحقن العلاجية، وبخاخات الربو، وجلسات الغسيل الكلوي، والعمليات الجراحية الطارئة، وغيرها.
كما تتكرر الأسئلة المتعلقة بطبيعة الأعمال والمهن، مثل حكم الصيام لمن يعملون في المهن الشاقة أو في نوبات ليلية طويلة، وحكم الإفطار بسبب الإرهاق أو الامتحانات، إضافة إلى تساؤلات العاملين خارج البلاد بشأن اختلاف التوقيت وطول ساعات الصيام.
ما الرؤية الشرعية للتسوق الإلكتروني والإسراف الرقمي خلال شهر رمضان؟
التسوق الإلكتروني في ذاته معاملة مباحة من حيث الأصل، شأنه شأن سائر صور البيع والشراء التي تستوفي شروطها الشرعية من التراضي، ووضوح الثمن، وخلو المعاملة من الغرر أو الغش، والإشكال كما نؤكد مرارًا ليس في الوسيلة ولكن في السلوك المصاحب لها، خاصة في شهر رمضان الذي نسعى فيه إلى أن يكون موسمًا للترشيد وضبط النفس. فالإسراف منهي عنه شرعًا، لقوله تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا}، والمبالغة في الاستهلاك تتنافى مع مقاصد الصيام التي تقوم على تهذيب الشهوة لا إطلاقها، وعلى الشعور بالآخرين لا التوسع في الترف.
أما ما يمكن أن نسميه بـ"الإسراف الرقمي"، كالإفراط في الشراء بدافع العروض والإعلانات أو التفاخر بالمقتنيات عبر المنصات الرقمية، فهو يدخل في باب التبذير إذا تجاوز حد الحاجة والاعتدال. كما أن الانشغال المفرط بالتسوق قد يحول الشهر الكريم من موسم عبادة إلى موسم استهلاك، وهو ما يفقده روحه ويضعف أثره التربوي.
وما الحكم الشرعي لصيام من يقضي وقتًا طويلًا على وسائل التواصل الاجتماعي دون ضبط للسلوك؟
الصيام كما قررته الشريعة هو عبادة تقوم في أصلها على الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فإذا التزم الصائم بذلك فإن صومه صحيح من الناحية الفقهية، حتى وإن انشغل في يومه بأمور مباحة، ومنها استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. فمجرد قضاء وقت طويل على هذه الوسائل لا يبطل الصيام في ذاته ما لم تشتمل على شيء من المبطلات.
لكن ينبغي أن نفرق بين صحة الصوم وكمال الصوم. فالهدف الأسمى من الصوم ليس الامتناع الظاهري عن المفطرات فحسب، بل هو تربية للنفس وضبط للسلوك، وقد جاء في الحديث الشريف: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". وهذا يدل على أن المقصود من الصيام تهذيب الأخلاق وحفظ الجوارح، وليس مجرد الجوع والعطش. فإذا تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى باب للغفلة، أو نشر الشائعات، أو الوقوع في الغيبة والسخرية أو النظر المحرم، فإن ذلك لا يُفطر من الناحية الظاهرية، لكنه قد ينقص أجر الصائم ويفرِغ العبادة من روحها.
وأنا أدعو كل مسلم وخاصة الشباب في رمضان إلى ترشيد استخدام التكنولوجيا، وأن يجعلها وسيلة للخير والمعرفة وصلة الرحم، وليس أداة لإهدار الوقت أو الوقوع في المخالفات الشرعية والمحرمات. فالمعيار ليس في الوسيلة ذاتها، وإنما في طريقة استخدامها وأثرها في القلب والسلوك.

وهل يؤثر الانشغال بالألعاب الإلكترونية أو المحتوى الرقمي على ثواب الصيام؟
كما قلت فإن الأصل أن الألعاب الإلكترونية أو متابعة المحتوى الرقمي في حد ذاتهما لا يفسدان الصيام من الناحية الفقهية، ما دام الصائم ممسكًا عن المفطرات المعروفة من طعام وشراب ونحو ذلك، لكن المسألة لا تقاس فقط بصحة الصوم، بل بمدى تحقق مقصده وثوابه. فالصيام عبادة غايتها تحقيق التقوى، وضبط النفس، وتحرير الإنسان من سلطان الشهوات والعادات. فإذا تحولت الألعاب الإلكترونية أو المحتوى الرقمي إلى انشغال مفرط يضيع الوقت، أو يفوت الصلوات، أو يوقع في محرم كالنظر أو سماع ما لا يليق، فإن ذلك لا يبطل الصوم، لكنه بلا شك يؤثر في كمال الأجر وينقص من ثمرته الروحية.
لذلك أنصح بأن يكون استخدام هذه الوسائل في رمضان منضبطًا وموزونًا. أما إذا استحوذت على وقت الصائم وأبعدته عن القرآن والذكر وصلاة الجماعة وبر الوالدين، فإنها قد تحرمه من عظيم الثواب الذي جاء به هذا الشهر المبارك.
وما حكم بث المحتوى الديني عبر المنصات الرقمية دون تأهيل شرعي كافٍ؟
لا شك أن الكلمة مسؤولية والدعوة إلى الله يجب أن تكون على بصيرة، لذا، فإن بث المحتوى الديني عبر المنصات الرقمية مسؤولية عظيمة، لأنه يتصل بكلام الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ويتعلق بتوجيه الناس في عباداتهم ومعاملاتهم. والأصل في الشريعة أن القول على الله بغير علم من المحرمات، بل قرنه القرآن الكريم بأشد المحظورات، فقال تعالى في سياق ذكر جملة من المحرمات: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}.
وهو ما يجعل من اللازم لمن يتصدر للفتوى والحديث عن الأحكام الشرعية أن يكون على علم ومؤهل لهذه المهم تأهيل علمي متين، وبالتأكيد الفرق واضح بين نقل معلومة دينية موثوقة عن جهة معتمدة مع بيان مصدرها، وبين الاجتهاد الشخصي في بيان الحلال والحرام دون أدوات علمية راسخة. فالمحتوى الديني ليس مجالًا للتجربة أو الشهرة أو تحصيل المتابعين، بل هو أمانة، والفتوى على وجه الخصوص مسؤولية تخصصية تحتاج إلى دراسة عميقة في الفقه وأصوله، وإدراك للواقع ومآلات الأقوال.
كيف تضبط الفتوى المعاصرة استخدام الذكاء الاصطناعي في الفتوى أو التوعية الدينية خلال رمضان؟
كما هو معلوم فإن الفتوى ليست عملية حسابية أو تجميع معلومات فحسب، بل هي تنزيل للنص على واقع معين، وفهم للسياق، ومراعاة للمآلات، وهو ما يتطلب عقلًا فقهيًا مدربًا وخبرة بشرية واعية. ولهذا فإن الرؤية الشرعية المنضبطة تقوم على أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يستخدم كأداة مساعدة للمتخصص في جمع المعلومات، أو تصنيف الأسئلة، أو تسهيل الوصول إلى الفتاوى السابقة، أو دعم الحملات التوعوية الرقمية خلال رمضان، لكنه لا يستقل بإصدار الحكم الشرعي دون إشراف علمي مباشر من أهل الاختصاص.
وقد أكدت دار الإفتاء في مؤتمرها الأخير حول "صناعة المفتي الرشيد في عصر الذكاء الاصطناعي" أن التقنية ينبغي أن تسخر لخدمة المنهج العلمي، لا أن تحل محل العالم. فالمحتوى الديني الذي ينتج عبر أدوات الذكاء الاصطناعي يجب أن يمر بمراجعة علمية دقيقة، وأن يكون تحت إشراف مؤسسي يضمن دقته وسلامته، خاصة في موسم كرمضان حيث تكثر الأسئلة وتتنوع الأحوال.
كيف ترون مكانة شهر رمضان في ظل التحديات الأخلاقية والاجتماعية التي يواجهها المجتمع اليوم؟
شهر رمضان يظل في وجدان الأمة محطة إيمانية كبرى، تتجدد فيها معاني الصلة بالله سبحانه وتعالى، وتستعاد فيها القيم التي قد ترهقها ضغوط الحياة اليومية. وفي ظل ما يشهده العالم من تحديات أخلاقية واجتماعية متسارعة، تزداد الحاجة إلى هذا الموسم الروحي الذي يعيد ترتيب الأولويات، ويمنح الإنسان فرصة للمراجعة والمحاسبة وتصحيح المسار.
وشهر رمضان والعبادات التي نتعبد إلى الله بها هي مدرسة عظيمة وعملية لتزكية النفس، وضبط السلوك، وتعزيز روح المسؤولية الفردية والجماعية، ويتعلم الإنسان معنى الصبر، ويذكره بحال المحتاجين، ويعيد إحياء قيمة التكافل الاجتماعي في المجتمع.
هذا فضلًا عن أنه فرصة عظيمة لمعالجة كثير من مظاهر الخلل الأخلاقي فهو شهر القرآن، وشهر ضبط اللسان، وكفّ الأذى، وتعزيز الروابط الأسرية.
.jpeg)
وما حكم استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة الصور الرمزية التي تُستخدم في تطبيقات رمضانية مثل المصاحف الإلكترونية أو الأذكار؟
استخدام الذكاء الاصطناعي في هذا السياق بهدف تسهيل قراءة القرآن، أو تيسير الوصول إلى الأذكار، أو تحسين تجربة المستخدم بطريقة تحافظ على قدسية النصوص واحترامها، فلا حرج فيه من حيث الأصل. بل قد يكون ذلك من قبيل تسخير الوسائل المعاصرة لخدمة القرآن والسنة ونشر الخير، وهو أمر محمود إذا روعيت الضوابط الشرعية.
ومن هذه الضوابط ألا تتضمن هذه الصور ما يمس حرمة النص القرآني أو يخرجه عن قداسته، وألا تستخدم في سياقات غير لائقة أو تجارية مبتذلة، وألا تشتمل على عناصر مخالفة شرعًا. كما ينبغي التأكد من دقة المحتوى المصاحب، خاصة إذا تعلق بآيات من القرآن الكريم أو أحاديث نبوية مشرفة، لأن الخطأ في النصوص الشرعية أمر جسيم.
ما الرسالة التي يوجّهها فضيلتكم للمصريين مع قرب حلول شهر رمضان المبارك؟
رسالتي إلى أبناء مصر جميعًا، ونحن على أعتاب هذا الشهر المبارك، أن نستقبل هذا الشهر الكريم بالتوبة إلى الله سبحانه وتعالى عما مضى من أفعال، ونقبل عليه بقلوب واعية ونفوس صادقة مجددين النية لله، وأن نجعل شهر رمضنا فرصة حقيقية للتجديد والتغيير الإيجابي. فشهر رمضان هبة من الله، وموسم للتوبة والمراجعة، وباب واسع لإصلاح ما فسد من أخلاقنا وعلاقاتنا، فالسعيد من أحسن استثماره، وجعل منه نقطة انطلاق نحو حياة أكثر قربًا من الله وأكثر نفعًا للناس.
كيف يمكن استعادة روح رمضان الحقيقية بعيدًا عن المظاهر الاستهلاكية؟
استعادة روح رمضان الحقيقية تبدأ من التوبة وتصحيح النية وفهم المقصد من هذا الشهر الكريم. فالصيام لم يشرع ليكون موسمًا للاستهلاك أو التفاخر بالمظاهر وسفر الطعام الفارهة، وإنما ليكون مدرسة للتقوى، وضبط النفس، وتعميق الصلة بالله سبحانه وتعالى. وحين يدرك الإنسان أن رمضان فرصة لمراجعة ذاته، ومحاسبة سلوكه، وإعادة ترتيب أولوياته، يتحول الشهر من طقوس شكلية إلى تجربة روحية عميقة.
ومن المهم أن نعيد الاعتبار لقيمة البساطة وعدم التكلف في هذا الشهر؛ فالإفراط في الإنفاق والتوسع في المأكل والمشرب يتنافى مع جوهر الصيام الذي يعلمنا الإحساس بالمحتاجين وترشيد الرغبات وكبح الشهوات. والاعتدال في الاستهلاك، وتوجيه جزء من الإنفاق إلى الصدقات وأعمال البر، هو أحد المفاتيح العملية لاستعادة المعنى الحقيقي لرمضان.
ما دور الصيام في ترسيخ قيم الصبر والانضباط والتكافل الاجتماعي؟
الصيام عبادة تحمل في جوهرها أبعادًا تربوية عميقة، تتجاوز الامتناع عن الطعام والشراب إلى بناء الإنسان أخلاقيًّا وسلوكيًّا. فهو يرسخ قيمة الصبر حيث يدرب المسلم على احتمال الجوع والعطش، وضبط الشهوات، وكبح الانفعالات. وهذا الصبر ليس سلبًا أو ضعفًا، بل قوة داخلية تمكن الإنسان من التحكم في رغباته، وتجعله أكثر اتزانًا في مواقفه وقراراته.
كما أن الصيام مدرسة للانضباط؛ فهو يعلم احترام الوقت، والالتزام بحدود واضحة، والقدرة على تأجيل الرغبة امتثالًا لأمر الله تعالى. وحين يتعود الإنسان على هذا الانضباط في أمر مباح كالأكل والشرب، يكون أقدر على ضبط نفسه في سائر شؤون حياته، سواء في العمل أو العلاقات أو تحمل المسؤوليات.
أما في جانب التكافل الاجتماعي، فإن الصيام يحيي في النفس الشعور بالآخرين، خاصة الفقراء والمحتاجين. ولذلك ارتبط رمضان بالصدقات وزكاة الفطر وموائد الإطعام، لأن العبادة لا تنفصل عن البعد الاجتماعي، بل تترجم إلى رحمة عملية وتضامن حقيقي.
من ناحية أخرى، كيف تتعامل دار الإفتاء مع الفتاوى المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي دون سند علمي؟
نحن في دار الإفتاء المصرية نتعامل مع الفتاوى المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي دون سند علمي من خلال منهج مؤسسي منظم، يقوم على الرصد العلمي والتحليل الموضوعي ثم البيان الرشيد.
وفي هذا السياق يقوم المرصد الإعلامي لدار الإفتاء برصد ما ينشر في الفضاء الرقمي ووسائل الإعلام من فتاوى أو أطروحات دينية، خاصة تلك التي تحمل طابعًا متطرفًا أو شاذًا أو تحدث بلبلة في الرأي العام. ويعمل المرصد على متابعة الاتجاهات العامة، وتحديد القضايا الأكثر تداولًا، وتحليل الخطاب المستخدم ومدى اتساقه مع المنهج العلمي الوسطي.
كما يضطلع المؤشر العالمي للفتوى بدور مهم في تحليل الفتاوى المنتشرة على المستوى المحلي والدولي، سواء من حيث مضمونها أو سياقاتها أو آثارها المجتمعية، وهو ما يتيح رؤية أشمل، وتساعد على فهم أنماط الخطاب الديني وتحولاته. ومن خلال هذا التحليل يتم إعداد دراسات وتقارير وبيانات إعلامية تسهم في بناء خطاب تصحيحي قائم على الأدلة والقواعد الفقهية الرصينة.
ما الضوابط الشرعية التي تحكم إصدار الفتوى في القضايا العامة التي تمس المجتمع؟
إصدار الفتوى في القضايا العامة التي تمس المجتمع يختلف في طبيعته وخطورته عن الفتوى في المسائل الفردية، لأنه لا يقتصر أثره على شخص بعينه، بل يمتد إلى شريحة واسعة من الناس، وقد يترتب عليه آثار اجتماعية أو اقتصادية أو أمنية. ومن هنا كانت له ضوابط شرعية ومنهجية دقيقة.
وأول هذه الضوابط ألا يتصدر للفتوى لا من توفرت فيه أدوات الاجتهاد أو كان ضمن مؤسسة علمية تضم لجانًا متخصصة، لأن المسائل العامة غالبًا ما تكون مركبة ومتداخلة، وتحتاج إلى نظر جماعي وتقدير دقيق. ولهذا تصدر دار الإفتاء المصرية الفتاوى العامة عبر لجان علمية، وبعد دراسة مستفيضة للنصوص الشرعية وأقوال الفقهاء.

أما الضابط الثاني فهو فهم الواقع فهمًا صحيحًا؛ فالفتوى في الشأن العام لا تقوم على النص المجرد فقط، بل على إدراك ملابساته وسياقاته وأبعاده المختلفة. وقد قرر علماؤنا أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ومن ثم لا بد من استحضار المعطيات الواقعية والرجوع إلى أهل الخبرة في المجالات المتخصصة عند الحاجة.
وثالث هذه الضوابط هو مراعاة المقاصد والمآلات، أي النظر فيما قد يترتب على الفتوى من آثار. فالشرع جاء بجلب المصالح ودرء المفاسد، ولا يجوز أن تؤدي الفتوى إلى اضطراب أو فتنة أو إضرار بالمجتمع. وهذا لا يعني مجاملة الواقع، وإنما يعني تنزيل الحكم على وجه يحقق مقاصد الشريعة في الاستقرار والعدل وحفظ الحقوق.
ما هي الآلية التي يتم اعتماداها لإختيار المفتية وهل هناك شروط تختلف عن اختيار المفتى؟
لايوجد اختلاف فى إختيار مفتية وبالفعل لدينا قسم فى دار الإفتاء المصرية للمرأة وتم تعين مفتيات من السيدات ولا مانع من ذلك، وقد لقوا استجابة من جمهور المرأة ولا خلاف على ذلك.
أما بالنسبة للشروط، فهى نفسها الشروط التى تنطبق على الرجال، إهمها أن تكون مدركة لأهمية الفتوى والزمان والمكان التى تطلق فيه.
وهل هناك تعاون بين المؤسسات الدينيه فى تدريب الوعاظ والأئمه على علم الفتوى أم تقتصر على دار الافتأء فقط؟
نحن على علم جيدا بأن الوعاظ والائمه لابد أن يتعرضوا لبعض الأسئله من الجمهور، لذلك تم عقد دورات لعدد من الأئمه الوعاظ على الفتوى، لكن هناك اسئله تحتاج طرحها ويتناقش فيها وتعرض على دار الإفتاء للبت فيها.
كيف توازنون بين ثوابت الشريعة ومتغيرات الواقع في الفتوى المعاصرة؟
كما هو معروف فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والأشخاص، الموازنة بين ثوابت الشريعة ومتغيرات الواقع ليست مسألة توفيق ظاهري، بل هي جوهر العمل الإفتائي نفسه. فالشريعة الإسلامية قامت على أصول ثابتة لا تقبل التبديل، كالعقائد والعبادات القطعية والقيم الأخلاقية الكبرى، وفي الوقت ذاته جاءت بأحكام مرنة في دائرة المعاملات والاجتهاد، تراعي تغير الأعراف والأحوال وتنوع البيئات. ومن هنا فإن الفتوى المعاصرة تتحرك داخل هذا الإطار المنضبط.
ونحن نميز دائمًا بين ما هو ثابت بالنص القطعي والدلالة الواضحة، فهذا لا مجال لتغييره أو التلاعب به، وبين ما كان ظنيًّا أو اجتهاديًّا أو مرتبطًا بعرف أو مصلحة، فهنا يتسع له مجال النظر والاجتهاد.
وفي دار الإفتاء المصرية نعتمد في ذلك على منهج يجمع بين فقه النص وفقه الواقع، فندرس المسألة من جهة أدلتها الشرعية، ثم نحيط بظروفها المعاصرة وأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، وننظر في مآلاتها وآثارها على الفرد والمجتمع. كما نستحضر مقاصد الشريعة الكبرى في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، حتى لا يكون الحكم منقطعًا عن غايته.
هل ترون أن هناك حاجة لتجديد الخطاب الإفتائي بما يناسب الأجيال الجديدة؟
التجديد في الخطاب الإفتائي لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة تفرضها العصر وتغيراته وتحولات المجتمع، خاصة مع الأجيال الجديدة التي تنشأ في بيئة رقمية مفتوحة، تتعدد فيها مصادر المعرفة وتتسارع فيها الأحداث. إلا أن هذا التجديد الذي ننشده لا يمس أصول الشريعة ولا ثوابتها، وإنما يتعلق بأسلوب العرض، ولغة الخطاب، وآليات التواصل.
وقد حرصت دار الإفتاء المصرية على تطوير أدواتها في هذا الاتجاه، من خلال التوسع في المنصات الرقمية، وتقديم محتوى مرئي مبسط، وإتاحة مساحات تفاعلية للأسئلة المباشرة من خلال البث المباشر، إلى جانب الاستفادة من العلوم الاجتماعية والإنسانية في فهم قضايا الشباب. فالتجديد الحقيقي ليس تغيير الأحكام، بل تجديد طريقة الوصول بها إلى الناس بما يحقق مقاصد الحق ويراعي مصالح الخلق.
وكيف تقيّمون دور المؤسسات الدينية في تعزيز الوعي الديني الصحيح؟
دور المؤسسات الدينية خلال شهر رمضان دور محوري وأساسي، لأن هذا الشهر يشهد إقبالًا واسعًا من الناس على الأسئلة الشرعية والتعلم والعودة إلى الله تعالى. ومن ثم فإن مسؤولية هذه المؤسسات لا تقتصر على بيان الأحكام، بل تمتد إلى توجيه الوعي، وتصحيح المفاهيم، وترسيخ الفهم الوسطي للدين في نفوس الناس.
كما أن على المؤسسات الدينية دور كبير في تقديم الفتوى المنضبطة، ومواجهة الفتاوى الشاذة، وتوضيح مقاصد العبادات، حتى لا يتحول الشهر إلى طقوس شكلية أو ساحة لاضطراب المفاهيم.