الدكتور يسري جبر: طلب العلم على أيدي الكبار هو الطريق لضبط الفهم الديني
الخميس، 26 فبراير 2026 02:30 م
منال القاضي
أكد الدكتور يسري جبر، من علماء الأزهر الشريف، أن رحلة طلب العلم الحقيقي بدأت معه من إدراك أهمية التلقي عن الكبار وأهل الخبرة، موضحًا أنه كان يتساءل في بداياته: لماذا نتعلم الطب من كبار الأطباء، بينما نتعلم الدين أحيانًا من بعضنا البعض، فكان هذا السؤال دافعًا له للبحث عن العلماء المتخصصين والارتباط بهم علميًا وتربويًا، حتى تعرّف على عدد من الشيوخ الذين أسهموا في تشكيل وعيه العلمي والمنهجي.
وأضاف خلال حلقة بودكاست "ذكريات"، المذاع على قناة الناس، اليوم ، أن بداياته مع القرآن الكريم كانت بالاجتهاد الفردي، حيث كان قد حفظ ما يقارب ثمانية أجزاء، وكان يصلي لنفسه ويقرأ دون أن يسمعه أحد أو يصحح له، إلى أن بدأ يبحث عن من يسمعه القرآن ويقوم قراءته، فتعرّف على زميله الدكتور محمد الهادي، وكان حافظًا للقرآن، فكان يجلس إليه في أوقات الاستراحة ليسمع له ويصحح له، ثم تطور لديه الإحساس بضرورة التلقي المنهجي عن أهل العلم المتخصصين.
وأوضح أنه سأل عن أحد الشيوخ الكبار الذين يمكن أن يتعلم على أيديهم علوم السنة والحديث، فتم التعريف له بالشيخ محمد الحافظ التجاني، فذهب إليه مع مجموعة من طلاب كلية الطب، وطلبوا منه أن يقرؤوا عليه من كتب السنة ليتعلموا الحديث، فاستقبلهم بلطف وحدد لهم القراءة في موطأ الإمام مالك بعد صلاة العشاء يوم الجمعة، وكانت تلك بداية حقيقية لطلب العلم على أيدي الكبار منذ عام 1976، مشيرًا إلى أن هذه التجربة رتبت أفكارهم وضبطت منهجهم العلمي بهدوء وتدرج.
وبيّن أن رحلته مع إتقان تلاوة القرآن تطورت بعد سؤاله عن شيخ متخصص في القراءات، فدُلَّ على الشيخ عبد الحكيم عبد السلام خاطر، الذي كان يقرأ بالقراءات العشر ويعمل معيدًا بكلية الشريعة ويدرّس في معهد القراءات، فوطّد علاقته به، وكان يسمع عليه بانتظام، ولم يكن يرده، بل أعجب بقراءته وسأله عمّن قرأ عليه من قبل، فذكر أنه كان يستمع إلى الشيخ الحصري سماعًا، فبدأ الشيخ يعلّمه قواعد التلاوة وأصول الأداء حتى ختم عليه القرآن الكريم كاملًا بعد سنوات من الملازمة.
وأشار إلى أن رحلة الحفظ استغرقت معه نحو ست سنوات، بدأت من السنة الثالثة بكلية الطب وانتهت في نهاية الامتياز، وكانت من أجمل الرحلات في حياته، لأنها نقلته من الصلاة الروتينية إلى الصلاة الحاضرة بخشوع، حيث كان يقرأ في كل ركعتين مقاطع جديدة من القرآن، مما أزال الملل وجعله يعيش معاني الصلاة بوعي وتدبر.
ولفت إلى أن ملازمة المشايخ لم تقتصر على تحصيل المعلومات فقط، بل شملت التربية والسلوك، حيث تعلم منهم أن الإخلاص في طلب العلم يكون لله لا لمجرد الجدل أو الانتصار للنفس، وأن الرحمة تسبق العلم وتورث التواضع، مؤكدًا أن المرجعية العلمية المنضبطة تقي الشباب من الاندفاع والعاطفة غير المؤطرة بالعلم، وتبني شخصية متوازنة قادرة على الحوار واستيعاب المخالف بلطف دون تعصب أو غلظة.
وأضاف أن هذه التربية العلمية انعكست على سلوكه في التعامل مع الآخرين حتى مع من كانوا يختلفون معه فكريًا، حيث كان يناقش بهدوء ويلتمس الأعذار ولا يتعالى على أحد، فصار كثير منهم يرجعون إليه في المسائل الفقهية رغم اختلاف التوجهات، مؤكدًا أن حلاوة طلب العلم على أيدي الشيوخ لا يدركها إلا من عاشها، وأنها الطريق الأثبت لضبط الفهم وتصحيح المسار وبناء وعي ديني قائم على العلم والرحمة والتواضع.
https://youtu.be/AGEMyz6FI0k?si=0FtS4fPkbdQz-Z9W