عميد الدراسات الإسلامية والعربية: الأزهر يتعامل مع قضايا الفكر بعلم راسخ دون تفريط في الأصول
الخميس، 26 فبراير 2026 05:20 م
منال القاضي
اختتم مجمع البحوث الإسلامية فعاليات الأسبوع الدعوي الثامن عشر، الذي نظمته اللجنة العليا للدعوة بالتعاون مع كليات جامعة الأزهر، تحت عنوان: «القراءات الحداثية وخطرها على الأمن المجتمعي»، وذلك برعاية كريمة من فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وإشراف فضيلة وكيل الأزهر، أ.د. محمد الضويني، والأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية أ.د. محمد الجندي.
جاءت الندوة الختامية بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بالقاهرة، تحت عنوان: «ملامح التجديد في التراث الإسلامي»، بحضور فضيلة أ.د. نادي عبد الله، عميد كلية الدراسات الإسلامية، وفضيلة أ.د. محمود عبد الرحمن، أستاذ أصول الفقه، وفضيلة الدكتور حسن يحيى، أمين مساعد اللجنة العليا للدعوة، إلى جانب عدد من أعضاء هيئة التدريس والطلاب.
في مستهل الندوة أكد فضيلة الأستاذ الدكتور نادي عبد الله، أن استضافة الكلية لفعاليات ختام الأسبوع الدعوي تعكس مكانتها العلمية ودورها في ترسيخ المنهج الأزهري الوسطي، مشيرًا إلى أن جهود علماء الأزهر في دحض الشبهات والرد على الدعوات المنحرفة ليست جهودا طارئة، بل هي امتداد لتاريخ طويل من حماية الثوابت وصيانة الهوية، كما أن رؤية الأزهر اليوم تقوم على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، بحيث يتم التعامل مع قضايا الفكر الحديث بعلم راسخ وفهم عميق للواقع، دون تفريط في الأصول أو جمود عن مواكبة المستجدات، لأن معركة الوعي هي معركة علم ومنهج، وأن بناء طالب العلم القادر على الفهم الصحيح هو الضمانة الحقيقية لمواجهة أي أفكار تسعى إلى زعزعة استقرار المجتمع أو التشكيك في ثوابته.
وفي كلمته قال فضيلة الدكتور محمود عبد الرحمن، إن هناك فرقًا كبيرًا بين التجديد والتبديد، فالتجديد يعني إصلاح الشيء وإحياءه ورده إلى مقصده الصحيح، أما التبديد فهو إضاعته وتفريغه من مضمونه، كما أن التجديد في الدين ليس شعارًا يرفعه الناس، ولا دعوة شخصية يتصدر لها من يشاء، وإنما هو اصطفاء وتوفيق من الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يبعث على رأس كل مئة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها" وهذا يدل على أن التجديد تحوطه عناية إلهية، خاصة مع تغير الأزمنة وتبدل الأحوال وظهور قضايا جديدة تحتاج إلى فهم صحيح وتنزيل سليم لأحكام الشرع، مبينًا أن التجديد منهج قرآني أصيل، فالقرآن نزل لبيان الحق للناس، قال تعالى: "لتبين للناس ما نُزِّل إليهم"، وكانت أول كلمة في الوحي قوله تعال: "اقرأ" في إشارة واضحة إلى أن هذا الدين يقوم على العلم والمعرفة، وأن رسالته رسالة وعي، كما أن كثيرًا من آياته توجه إلى طلب العلم وضبط أدوات الفهم، ولذلك فإن تعطيل أدوات المعرفة أو إهمال العقل ذنب عظيم، كما قال تعالى: "وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير" لذلك فإن كل عائق يحول بين الإنسان وبين المعرفة يعد ذنبا، كما أن طمس فطرة الإذعان للحق والتلاعب بالعقول يؤدي إلى ضياع الحقائق وانحراف الفهم.
وأشار فصيلة الدكتور محمود عبد الرحمن، إلى أن الناس في العصر الحديث تجاه قضية التجديد على نوعين؛ فريق يريد تجديد كل شيء بلا ضوابط ولا مرجعية، فيسعى إلى تغيير الثوابت قبل المتغيرات، وفريق آخر يتحدث عن التجديد بغير علم ولا أدوات، فيقع في أخطاء منهجية جسيمة، فمنهم من يتمسك بظاهر نص يحتاج إلى تأويل وفهم عميق، ومنهم من يوسع ما حقه التضييق أو يضيق ما وسعه الشرع، أو يستعمل التيسير في موضع الاحتياط والعكس، كما أن آفة العصر أن يتحدث في الدين من لا يحسن فهمه، لأن التعامل مع النصوص دون علم أو منهج قد يؤدي إلى هدم الشريعة من حيث لا يشعر صاحبه، فالفهم السليم هو الأساس في حفظ الدين وصيانته من الغلو أو التفريط، ولا يقل خطرًا عن ذلك من يغلق الباب علي التجديد، لأن التجديد هو من مقومات صيرورة هذا الدين ولكن بضوابط وأن يقوم به أهله.
وأكد أن الإنسان لا يوصف بالعلم إلا إذا توفرت فيه أربعة شروط؛ أولها أن يكون ملما بقواعد العلم الذي يتخصص فيه إلماما تاما، مدركا أصوله ومسائله على وجه صحيح، وثانيها أن يحسن عرض علمه والتعبير عنه بوضوح ودقة، وثالثها أن يكون عالمًا بما ينشأ عن هذا العلم، سواء في جذوره أو فروعه، لأن العلم الحق ما كان مرتبطًا بالعمل والفهم السليم، أما الشرط الرابع فهو أن يكون قادرًا على الرد على الاعتراضات ودفع الشبهات بالحجة والمنهج المنضبط عم هذا العلم، لذلك فإن غير المتخصص لا يستطيع النفاذ إلى دقائق المعاني، كما أن النصوص المقدسة لا يجب التعامل معها على أنها مجرد نصوص عادية، بل يجب فهمها في إطار قدسيتها وضوابطها العلمية، موضحًا أن علماء المسلمين تميزوا بعبقرية فذة في خدمة العلوم، فكانوا قادرين على جمع المسائل الكبرى في عبارات موجزة يسهل حفظها، كألفية ابن مالك في النحو والشاطبية في القراءات، حيث صاغ العلماء القواعد والأصول في أبيات تحمل رموزًا تختصر أبوابا كاملة من العلم، وبمجرد مراجعته لهذه المنظومات يستحضر فرعا كاملا من فروع العلم بأصوله ومسائله، وهو ما يعكس وعيًا بأهمية التيسير وضبط المعرفة وحسن تنظيمها.
من جهته قال الدكتور حسن يحيى، إن التفرقة بين التجديد الحقيقي ودعوى الحداثة مسألة جوهرية في التعامل مع التراث الإسلامي، لأن التجديد المنضبط يقوم على أسس علمية واضحة وأدوات راسخة ومنهج معتبر، بينما ما يطرحه بعض دعاة الحداثة اليوم يتجاوز حدود المراجعة العلمية إلى محاولة هدم الأصول والطعن في الثوابت، لأن التجديد لا يعني إلغاء التراث أو القطيعة معه، بل فهمه فهما صحيحًا وإعادة عرضه بلغة العصر دون المساس بثوابته، أما الدعوات التي تسعى إلى تفريغ الدين من مضمونه بدعوى التطوير فهي تخلط بين الثابت والمتغير وتتعامل مع النصوص بمعزل عن سياقها ومنهجها، مؤكدًا أن هذا الدين محفوظ بحفظ الله، ولن يستطيع أحد أن ينال من جوهره، لأن الذي تكفل بحفظه هو الله سبحانه وتعالى، غير أن المسؤولية تبقى على عاتق العلماء في بيان الحق وتصحيح المفاهيم وصون وعي الناس من أي طرح يوقعهم في اللبس أو الانحراف.
واستمر الأسبوع الدعوي على مدار خمسة أيام، من الأحد 22 فبراير حتى الخميس 26 فبراير، بمشاركة نخبة من علماء الأزهر الشريف، في إطار خطة متكاملة تستهدف تعزيز الوعي بقضايا الفكر المعاصر من خلال مجموعة من المحاور: «مفهوم القراءات الحداثية ونشأتها»، «مفاهيم الحداثيين في قراءة النصوص»، «خطر القراءات الحداثية على الأمن المجتمعي»، «ركائز المنهج الأزهري في مجابهة القراءات الحداثية»، «ملامح التجديد في التراث الإسلامي».