نائب رئيس جامعة الأزهر: التكالب على المال في عصرنا يخالف فلسفة الدنيا التي فهمها السلف

الخميس، 26 فبراير 2026 05:09 م
نائب رئيس جامعة الأزهر: التكالب على المال في عصرنا يخالف فلسفة الدنيا التي فهمها السلف
منال القاضي

 
أكد الدكتور محمود صديق، نائب رئيس جامعة الأزهر الشريف، أن البدايات الأولى للوحي الإلهي جاءت مؤكدة على قيمة العلم والوعي، مستشهداً بقوله تعالى: «اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم»، وقوله سبحانه: «نون والقلم وما يسطرون»، موضحاً أن هذه المعاني تضع القلم والفكر في مكانة عظيمة في بناء الوعي الإنساني.
 
وأوضح نائب رئيس جامعة الأزهر الشريف، خلال حلقة برنامج "قرأت"، المذاع على قناة الناس، اليوم الخميس، أننا ما زلنا مع كتاب "وحي القلم" نتناول بعض صفحاته ومقالاته التي كتبها الأديب الراحل مصطفى صادق الرافعي، والتي كانت نتاجاً فكرياً لسلسلة من المقالات التي نشرها في الصحف في زمانه، وانتهى من هذا الكتاب عام 1937، داعياً بالرحمة للرافعي وجزاه الله خير الجزاء، مشيراً إلى ما تضمنه الكتاب من مقالات عميقة منها مقال بعنوان "زي القصة وفلسفة المال".
 
وأشار إلى أن الرافعي تناول في هذا المقال خبر الإمام سعيد بن المسيب وتزويجه ابنته لطالب علم فقير، رغم ما ظنه البعض من إمكانية أن تكون زوجة لولي عهد عبد الملك بن مروان، لافتاً إلى أن هذه القصة تكشف أن الطبيعة الإنسانية لا عصر لها، وأن الفضيلة تاريخها ممتد منذ الجنة، لا تتبدل ولا تتحدد بزمن، بينما الرذيلة تاريخها من الطبيعة نفسها، تظهر وتستتر لكنها لا تتغير.
 
وبيّن أن المؤرخين رووا أن المحدث التابعي الجليل سعيد بن المسيب، رحمه الله، كانت له ابنة، فأراد ولي عهد أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان الزواج بها، وكان عبد الملك من الخلفاء المعدودين في بني أمية وترك إرثاً عظيماً وكان من أعمدة الدولة الأموية، إلا أن سعيد بن المسيب زوّجها لطالب علم فقير، انطلاقاً من فهم عميق لفلسفة المال ومكانته في حياة الإنسان.
 
وأكد أن المال في المنظور الإسلامي عنصر قوام للحياة لكنه لا يتجاوز حدّه، مستشهداً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت»، موضحاً أن الأمة الإسلامية فهمت المال على أنه وسيلة لا غاية، فجعلت الدنيا في أيديها لا في قلوبها، فكانت طاقة بشرية فتحت القلوب قبل أن تُفتح البلاد.
 
وأضاف أن المسلمين الأوائل لم يكونوا طلاب دنيا ولا مال ولا شهوة، بل كانوا رسلاً لله في أخلاقهم وسلوكهم، حتى استوطن الإسلام قلوب العباد قبل أن تستوطنها جيوش المسلمين، لأن الإسلام لم يكن إلا طريقاً موصلاً إلى الآخرة، وكان فهمهم للدنيا مختلفاً عن واقع التكالب المعاصر على المال والشهوات.
 
وأشار إلى أن من شواهد هذا الفهم ما رُوي عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه عندما خرج من محنته وأُتي إليه بأكثر من خمسة آلاف دينار من الذهب، مع حاجته إلى دراهم قليلة، فردها جميعاً قائلاً: لو طلبناها ما أتتنا، لكنه لم يطلبها ففاتته، في إشارة إلى زهد حقيقي وفهم راسخ لقيمة الدنيا.
 
وشدد على أن الحياة قصيرة مهما طالت، والإنسان يمر بمراحل من ضعف إلى فتوة إلى شباب ثم كهولة ثم كِبر فالنهاية، وأن هذا الإدراك جعل الصالحين يفهمون أن الدنيا ساعة يجب أن تُعاش في مرضاة الله، في جمع المال وصرفه وإنفاقه وفق أوامر الله، بحيث يكون الإنفاق في الخير أبقى من الادخار، لأن المال لا يبقى ولا يبقى من الدنيا إلا الصالح والطيب، مبيناً أن هذه هي فلسفة المال كما فهمها المسلمون الأوائل فوضعوه عند حدّه، داعياً الله أن يوفق الجميع لكل خير وبركة.
 
https://youtu.be/p5YImvJuBgA?si=E86_TFD7AxnRvSFG
 
 
 
 
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق