الأسواق العالمية على صفيح ساخن.. الذهب يقفز والنفط تحت تهديد هرمز
السبت، 28 فبراير 2026 01:56 م
مع تصاعد التوتر العسكري في الشرق الأوسط، تدخل الأسواق العالمية مرحلة حساسة يتداخل فيها السياسي بالاقتصادي، وتتحرك الأصول المالية بوتيرة سريعة تعكس حجم القلق من اتساع رقعة المواجهة، فكل تطور ميداني جديد ينعكس فوراً في تسعير المخاطر، سواء في أسواق المعادن أو العملات أو الطاقة.
في مقدمة المستفيدين من هذا المناخ المضطرب يأتي الذهب، يليه الدولار، ثم أسواق النفط، بينما تجد اقتصادات الدول الناشئة نفسها في مرمى التأثر المباشر، خصوصاً مع احتمالات تسارع خروج الاستثمارات قصيرة الأجل.
الذهب يتقدم المشهد
المعدن الأصفر كان الأسرع استجابة لإشارات التصعيد، إذ أغلق تعاملاته الأخيرة قرب مستوى 5278 دولاراً للأوقية، مسجلاً أحد أعلى مستوياته منذ بداية الشهر، في دلالة واضحة على انتقال المستثمرين نحو الملاذات الآمنة.
مستقبل الأسعار يظل رهناً بطبيعة المواجهة ومدتها؛ فإذا جاءت سريعة ومحدودة زمنياً، قد تستقر الأسعار ضمن نطاق مرتفع دون قفزات حادة. أما إذا طال أمد العمليات، فقد يصبح مستوى 5600 دولار للأوقية سيناريو مطروحاً بوتيرة سريعة، خاصة في ظل هشاشة التوازنات الجيوسياسية الراهنة.
مضيق هرمز… نقطة الاختبار الأخطر
المخاوف الكبرى لا تتعلق فقط بسير العمليات العسكرية، بل بإمكانية تعطل الملاحة في مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة معتبرة من تجارة النفط العالمية. أي إغلاق أو تعطيل لحركة الإمدادات هناك سيشكل صدمة قوية لأسواق الطاقة.
الذاكرة تستحضر أزمة 2008 حين بلغ سعر برميل النفط 147 دولاراً. تكرار سيناريو مشابه سيكون شديد السلبية على الدول المستوردة للطاقة، وفي مقدمتها مصر، بما يعنيه ذلك من ارتفاع فاتورة الاستيراد، وزيادة تكلفة الإنتاج، وتصاعد الضغوط التضخمية.
الدولار والأموال الساخنة
الأسواق الناشئة عادة ما تكون الأكثر حساسية للتوترات الجيوسياسية، في مصر، ظهرت مؤشرات أولية على ذلك حتى قبل اندلاع المواجهة بشكل رسمي؛ إذ أسهمت الشائعات المرتبطة بضربات عسكرية في خروج نحو 1.2 مليار دولار من استثمارات الأجانب في أدوات الدين خلال أسبوع واحد، ما ضغط على الجنيه وأدى إلى تراجعه بأكثر من 2%.
هذه التدفقات، المعروفة بـ"الأموال الساخنة"، تتسم بسرعة التحرك وفق حسابات المخاطر. ومع استمرار التوتر، قد تتجدد موجات التخارج، بما يفرض مزيداً من الضغوط على سعر الصرف، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار الذهب محلياً.
رسائل سياسية تزيد القلق
التصريحات السياسية لم تسهم في تهدئة المخاوف؛ إذ تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن رغبته في أن تكون المواجهة مع إيران حاسمة ونهائية، لا مجرد ضربات محدودة. مثل هذه الرسائل تعزز توقعات استمرار العمليات لفترة أطول، وهو ما ينعكس مباشرة في تسعير الأصول عالمياً.
كما أن تزامن التطورات مع عطلة الأسواق العالمية يفسر حالة الترقب الحالية، إذ يؤجل كثيراً من ردود الفعل إلى أول جلسة تداول رسمية، حيث يُتوقع أن تشهد البورصات موجة تقلبات حادة مع إعادة تقييم المخاطر.
البورصة المصرية تحت الضغط
من المرجح أن تواجه البورصة المصرية ضغوطاً بيعية خلال الفترة المقبلة، في ظل تراجع شهية المخاطرة وخروج جزء من السيولة الأجنبية. تاريخياً، تدفع التوترات الإقليمية المستثمرين إلى تقليص مراكزهم في الأسهم والتوجه نحو السيولة أو الذهب.
قفزة الذهب محلياً
على الصعيد المحلي، انعكس الارتفاع العالمي سريعاً على السوق المصرية؛ إذ سجل عيار 21 نحو 7300 جنيه، بزيادة تقارب 200 جنيه خلال فترة قصيرة، ويرى متعاملون في السوق أن وتيرة الصعود قد تتسارع كإجراء تحوطي، مع تذبذب سعر الصرف وارتفاع تكلفة الاستيراد.
وهنا يتشكل تفاعل ثلاثي بين سعر الأوقية عالمياً، وسعر الدولار، ومستوى القلق في السوق المحلية؛ كل عامل يعزز الآخر، ما يجعل حركة الذهب أكثر حدة في أوقات الأزمات.
بين الحذر والاندفاع
رغم الصورة القاتمة، تبقى قاعدة الأسواق ثابتة: القرارات المدفوعة بالخوف غالباً ما تكون الأعلى تكلفة. فالأسواق تتحرك في دورات، والارتفاعات الحادة قد يعقبها تصحيح قوي عند تراجع التوترات.
المشهد لا يزال مفتوحاً على احتمالين؛ إما احتواء سريع يعيد الاستقرار تدريجياً، أو تصعيد ممتد يعيد رسم خريطة المخاطر في المنطقة، وفي الحالتين، ستظل الأنظار موجهة إلى تطورات الميدان، وحركة الملاحة في مضيق هرمز، وتصريحات القوى الكبرى، باعتبارها المؤشرات الأكثر حساسية لتحديد اتجاه الأسواق في المرحلة المقبلة.