خبراء عرب: التصعيد العسكري في الشرق الأوسط يهدد بانزلاق المنطقة إلى"فوضى شاملة"
السبت، 28 فبراير 2026 09:28 م
أ ش أ
حذر خبراء ومحللون عرب من تصاعد وتيرة التوتر في منطقة الشرق الأوسط على إثر التصعيد المتسارع جراء العمليات العسكرية بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى؛ بما يكشف عن ارتفاع مستوى الاحتقان الإقليمي وتراجع مساحات التهدئة.
وقال الخبراء والمحللون - في تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط اليوم /السبت/ - إن التطورات الأخيرة، التي تخللها استهداف طال نطاقه محيطًا عربيًا، جاءت لتضيف بعدًا جديدًا إلى مسار الأزمة، في ظل تحذيرات متزايدة من مخاطر اتساع دائرة المواجهة وانزلاق المنطقة إلى صراع أوسع قد تتعدد ساحاته وتتباين أطرافه.
وفي هذا الإطار، حذّرت الدكتورة شيماء المرسي الخبيرة في الشؤون الإيرانية من اتساع رقعة التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران، معتبرة أن الضربات المتبادلة تنذر بمرحلة شديدة الخطورة على المستويين الإقليمي والدولي، في ظل تداخل الحسابات العسكرية بالرهانات الاقتصادية.
وقالت المرسي إن الضربات الصاروخية التي استهدفت مواقع في إيران تمثل، وفق القراءة الإيرانية، تفجيرًا كاملًا للمسار الدبلوماسي، مشيرة إلى أن الأخطر من الضربات ذاتها هو ما وصفته بـ"السيناريو الموازي" الذي بدأته طهران عبر عزل تدريجي للداخل الإيراني رقميًا، بما يحد من تدفق المعلومات ويعقّد عملية تقدير الموقف لدى الخصوم.
وأوضحت أن هذا الإجراء يفتح الباب أمام حالة من الغموض الاستراتيجي، حيث يصبح من الصعب تتبع طبيعة الردود الإيرانية أو توقيتها، بما يزيد من احتمالات سوء الحسابات العسكرية في منطقة شديدة الحساسية.
وفي السياق، أشارت المرسي إلى أن استهداف إيران لعدد من القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج، يمثل تحولًا نوعيًا في قواعد الاشتباك، ويعكس سعي طهران لتوسيع نطاق الرد بما يتجاوز الساحة الثنائية مع إسرائيل.
وأكدت أن هذا التطور يضع دول الخليج أمام تحديات أمنية واقتصادية متشابكة، خاصة في ظل المخاوف من استهداف منشآت الطاقة أو الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب، ما قد يؤدي إلى قفزات حادة في أسعار النفط، لا سيما خام برنت، نتيجة ارتفاع منسوب المخاطر وليس فقط بسبب اضطراب الإمدادات.
كما نبهت إلى أن أي تصعيد في البحر الأحمر، في ضوء تهديدات جماعة الحوثي باستهداف ناقلات النفط، قد يدفع شركات التأمين البحري العالمية، إلى إعادة تصنيف المنطقة كمسرح عمليات عالي الخطورة، وهو ما سينعكس مباشرة على تكاليف الشحن وسلاسل الإمداد العالمية.
وأوضحت أن التداعيات الاقتصادية المحتملة لن تقتصر على المنطقة، بل ستمتد إلى الأسواق الأمريكية والأوروبية، في حال استمرار تعطّل الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، ما يضع الإدارة الأمريكية أمام معادلة معقدة بين متطلبات الردع العسكري وضغوط الاستقرار الاقتصادي الداخلي.
وشددت الدكتورة شيماء المرسي على أن أخطر ما في المشهد الراهن هو غياب أفق سياسي واضح لاحتواء التصعيد، محذّرة من أن استمرار الضربات المتبادلة قد يدفع الأطراف الدولية، بما فيها روسيا، إلى التحرك داخل مجلس الأمن لفرض تهدئة عاجلة، تجنبًا لانزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة ذات كلفة اقتصادية عالمية يصعب احتواؤها.
بدورها.. قالت الدكتورة تمارا حداد أستاذة العلوم السياسية الفلسطينية إن الشرق الأوسط يشهد لحظة شديدة الحساسية في ظل تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، ما يفتح الباب أمام خطر حقيقي بانزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية واسعة.. فالمواجهة بين الطرفين لم تعد مجرد تبادل للرسائل السياسية أو ضربات محدودة بالوكالة، بل باتت حالة اشتباك مباشر قد تتدحرج تداعياته بسرعة تتجاوز حدود السيطرة.
وأضافت أن تاريخ العلاقة بين طهران وواشنطن حافل بالتوتر، إلا أن المرحلة الحالية تختلف من حيث حجم التحشيد العسكري، وطبيعة الخطاب السياسي، وتشابك ساحات الصراع، فإيران تمتلك شبكة تحالفات ونفوذًا في عدة دول، مثل العراق ولبنان واليمن، فيما تحتفظ الولايات المتحدة بوجود عسكري وقواعد منتشرة في الخليج والمنطقة، لافتة إلى أن أي ضربة مباشرة بين الطرفين لن تبقى محصورة جغرافيًا، بل قد تتحول إلى سلسلة ردود متبادلة.
من ناحيته.. حذر محسن الشوبكي، الخبير الأمني والاستراتيجي الأردني، من أن المنطقة تقف أمام مشهد عسكري بالغ التعقيد، يتسم بكسر قواعد الاشتباك التقليدية، لكنه لا يزال محكوماً بما وصفه بـ"كوابح استراتيجية" تمنع حتى الآن الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.
وقال إن العمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل تتحرك تحت عنوان معلن هو"إزالة الخطر الوشيك"، عبر استهداف المنظومات النووية والصاروخية، إلا أن القراءة المتعمقة تكشف عن هدف غير مباشر يتجاوز تدمير القدرات العسكرية.
وأوضح أن الضربات طالت مقار قيادية عسكرية وسياسية رفيعة المستوى بشمولية غير مسبوقة، بما يعكس توجهاً واضحاً نحو خلخلة بنية القيادة والسيطرة، وإضعاف القبضة المركزية للنظام.
وأشار إلى أن هذا المسار تزامن مع خطاب سياسي مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعا فيه الشعب الإيراني إلى التحرك لاستعادة مقدراته، ما يعكس – بحسب تقديره – محاولة لتحويل القصف الجوي إلى محفز ميداني لتغيير داخلي دون إعلان ذلك كهدف عسكري رسمي.
وفيما يتعلق بالرد الإيراني، لفت الشوبكي إلى أن طهران لم تلجأ حتى الآن إلى تفعيل خيار"وحدة الساحات" عبر أذرعها الإقليمية بالشكل الشامل المتوقع، بل اختارت الرد الفوري والمباشر من أراضيها وبقواتها النظامية عقب تعرضها للهجوم.
واعتبر أن هذا المسلك يعكس رغبة إيرانية في إثبات قدرة الردع الذاتي وحماية السيادة، مؤكداً أن ما جرى يمثل "رد فعل مدروس" يهدف إلى استعادة التوازن الدفاعي أكثر من كونه سعياً لتوسيع دائرة الصراع وفتح جبهات متعددة قد تفضي إلى تصعيد خارج السيطرة.
وأكد أن فرضية عدم الانزلاق إلى حرب شاملة تظل الورقة الأقوى في حسابات جميع الأطراف، في ظل ضغوط دولية هائلة لضمان استمرار تدفقات الطاقة وحماية الملاحة الدولية، خاصة في الممرات الحيوية بالمنطقة.
وأشار إلى أن قوى عربية محورية، وفي مقدمتها مصر ودول الخليج، تلعب دور "صمام الأمان" عبر تبني موقف يمكن وصفه بـ"الحياد النشط"، والدفع نحو تهدئة تحول دون تحويل الإقليم إلى ساحة صراع دولي مفتوح، مع التأكيد أن استقرار المنطقة يظل أولوية تتقدم على أي صراع نفوذ.
ونوه الشوبكي إلى أن الشرق الأوسط يمر بمرحلة "عض أصابع" تقنية وسياسية، يسعى خلالها كل طرف لتحسين شروطه التفاوضية تحت النار، مشدداً على أن القنوات الدبلوماسية الخلفية والمصالح الاقتصادية المشتركة تبقى الضامن الأكبر لبقاء المواجهة تحت سقف السيطرة خلال المرحلة الراهنة.
من ناحيته، اعتبر الدكتور سعيد أبو رحمة، المحلل السياسي الفلسطيني، أن التصعيد الأخير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يمثل نقطة تحول حرجة في الأمن الإقليمي بالشرق الأوسط.
وأوضح أن الصراع الطويل بين الأطراف الثلاثة اتسم بالردع غير المباشر والعمليات الاستخباراتية، لكن الانتقال إلى ضربات علنية يرفع مستوى المخاطرة ويعقّد ضبط الإيقاع.
وأشار إلى أن إيران تعتمد على شبكة نفوذ في لبنان والعراق واليمن، بينما تعتمد إسرائيل على التفوق الجوي والاستخباراتي، وتلعب الولايات المتحدة دور الحامي لقواتها وحلفائها.
وحذر من أن أي ردود غير محسوبة قد تؤدي إلى دورة تصعيد يصعب احتواؤها، خاصة مع احتمالية تورط فصائل مسلحة ما قد يوسع جبهات الصراع ويؤثر على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
وأكد أن جميع الأطراف تدرك مخاطر المواجهة الشاملة، وأن مفتاح تفادي حرب إقليمية يكمن في ضبط حجم الردود والسيطرة على الرسائل السياسية والعسكرية خلال الأيام الأولى من التصعيد.
فيما قالت إنجي بدوي الباحثة في الشأن الإسرائيلي إن الوضع في الشرق الأوسط دخل مرحلة من الردع المتبادل والفوضى العارمة، تهدد استقرار المنطقة وسلامتها.
وأكدت أن الحلول العسكرية لن تحل أي نزاع، بل ستؤدي إلى إراقة دماء الكثير من الأبرياء، مشددة على أن التعدي على سيادة الدول يعد أمراً مرفوضاً في القانون الدولي.
وأوضحت أن الخيار الأضمن لكلا الطرفين هو العودة إلى طاولة التفاوض واستكمال الحوار للوصول إلى حل يرضى الجميع، مشيرة إلى أن إيران لن تتنازل بسهولة عن تخصيب اليورانيوم، فيما لن يسمح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بامتلاك طهران لسلاح نووي.
وأضافت أن الضربات المتبادلة لن تخدم مصالح إيران أو ترامب، وأن المستفيد من اندلاع هذه الحرب هو الاحتلال الإسرائيلي لتنفيذ مخططاته التوسعية.
وأكدت أن البرنامج النووي الإيراني جزء من عقيدة طهران الاستراتيجية، في حين تؤكد الولايات المتحدة وإسرائيل رفضهما القاطع لوصول طهران إلى سلاح نووي، ما يجعل الضربات المتبادلة أداة ضغط سياسي وإثبات قدرة كل طرف على الردع.
وحذرت "بدوي" من أن استمرار المواجهة سيؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار الإقليمي، مؤكدة أن التفاوض الجاد هو الضمانة الحقيقية للأمن.
وأضافت أن هذه الحرب ستجر المنطقة بأكملها إلى صراع شامل، مشيرة إلى أن ما حدث للدول العربية الشقيقة يمثل تصعيداً خطيراً، وقد يؤدي إلى إدخال دول عربية في مسرح المواجهة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.