دينا الحسيني تكتب: كرة النار في الشرق الأوسط.. تداعيات "الضربة الأمريكية لإيران" على اقتصاد مصر والمنطقة
السبت، 28 فبراير 2026 10:03 م
بينما تتصاعد وتيرة المواجهة العسكرية بين التحالف الأمريكي الإسرائيلي وإيران، وتتحول سماء المنطقة إلى ساحة لتبادل الضربات الصاروخية، لم تعد التداعيات حبيسة غرف العمليات العسكرية، بل امتدت لترسم ملامح أزمة اقتصادية خانقة تلقي بظلالها الثقيلة على الدولة المصرية والمنطقة بأسرها.
إن المشهد الراهن لا يعكس مجرد صراع سياسي عابر، بل يمثل زلزالاً يضرب "شرايين الحياة" الاقتصادية في القاهرة، بدءاً من الممر الملاحي الذي هددته الضربة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، وحوّل معه أمن البحر الأحمر من ممر تجاري آمن إلى منطقة "عسكرية" بامتياز، تضطر فيها القوى الدولية لنشر قطعها البحرية لحماية ناقلاتها، وهو ما يزيد من احتمالات الاحتكاك العسكري غير المحسوب ويشل حركة الملاحة الطبيعية.
ولا تقف حدود الضرر عند الدولة المصرية فحسب، بل تمتد لتطال الهيكل الاقتصادي للمنطقة ككل؛ إذ إن حالة الاضطراب الملاحي في مضايق هرمز وباب المندب تضع سلاسل الإمداد الإقليمية في مهب الريح، ما يهدد مشاريع الربط التجاري والطاقة التي طالما عولت عليها دول الشرق الأوسط لتحقيق تكامل اقتصادي. وتتصدر قناة السويس قائمة المتضررين المباشرين من هذا التحول، فمع كل سفينة تقرر الهروب الجماعي نحو طريق "رأس الرجاء الصالح" لتجنب مخاطر البحر الأحمر، تفقد الخزانة المصرية رسوماً حيوية بالعملة الصعبة.
وهذا التحول القسري لا يعني فقط ضياع عشرة إلى أربعة عشر يوماً إضافية في عرض البحر، بل يمثل نزيفاً حاداً لإيرادات القناة التي تعتمد عليها مصر كمورد رئيسي للدولار، مما يشكل ضغطاً مزدوجاً على الجنيه المصري ويضعف قدرة الدولة على تمويل احتياجاتها الأساسية في وقت حرج من عام 2026. إن "الرئة" التي يتنفس منها الاقتصاد المصري باتت تختنق بفعل هذه العسكرة، مما يفرض واقعاً اقتصادياً مأزوماً يتجاوز حدود الممر الملاحي ليصل إلى عمق الأسواق المحلية عبر موجات من "التضخم المستورد".
إلى جانب ذلك، يشكل ملف الطاقة بُعداً بالغ الخطورة في المعادلة الإقليمية؛ فأي تهديد لمضيق هرمز أو للمنشآت النفطية في الخليج كفيل بدفع أسعار النفط العالمية إلى مستويات قياسية بفعل المخاوف الجيوسياسية، ومصر، باعتبارها مستورداً صافياً لجزء من احتياجاتها البترولية، ستتحمل فاتورة إضافية سواء عبر زيادة تكلفة استيراد الخام أو من خلال الضغوط على مخصصات دعم الوقود.
إن ارتفاع أسعار الطاقة لا ينعكس فقط على الموازنة العامة، بل يمتد إلى تكاليف النقل والصناعة والزراعة، ما يوسع دائرة التضخم ويضغط على القدرة الشرائية للأسر في مصر ومختلف دول المنطقة التي تعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية.
فضلاً عن القفزة الكبيرة في تكاليف الشحن والتأمين "الحربي" على السلع الاستراتيجية كالقمح والزيوت والأجهزة التي تأتي عبر البحر، وهو ما ينعكس فوراً على سعر البيع النهائي للمستهلك.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد النزيف ليشمل قطاع السياحة الذي يمثل ركيزة للدخل القومي، إذ إن حالة عدم الاستقرار العسكري تجعل الشرق الأوسط برمتها وجهة غير آمنة في نظر السائح العالمي، ولا يمكن إغفال أثر هذه الضبابية على حركة الاستثمارات الأجنبية التي باتت تترقب بحذر مآلات هذا الصدام المباشر.
إن ما تشهده المنطقة اليوم يتجاوز كونه مواجهة عسكرية محدودة، ليقترب من حصار اقتصادي غير مباشر تفرضه نيران الصراع المسلح على دول الجوار؛ فبين عسكرة البحر الأحمر، وهروب السفن من قناة السويس، وقفزات النفط، واضطراب سلاسل الإمداد، تجد مصر والمنطقة نفسها في سباق مع الزمن لتأمين احتياجاتها الأساسية والحفاظ على استقرارها النقدي والمالي.
لم يعد استقرار الملاحة في البحر الأحمر أو تهدئة التوتر في الخليج مجرد هدف دبلوماسي، بل أصبح ضرورة قصوى للأمن القومي المصري والإقليمي؛ فاستمرار كرة النار مشتعلة يعني تعاظم الفاتورة الاقتصادية، أما احتواؤها سريعاً فقد يمنح القاهرة وشعوب المنطقة فرصة لالتقاط الأنفاس وتجنب سيناريوهات أشد قسوة في المرحلة المقبلة.