100 مليار جنية أطلقت العنان للتكنولوجيا بأيادى مصرية

الأحد، 01 مارس 2026 01:02 م
100 مليار جنية أطلقت العنان للتكنولوجيا بأيادى مصرية
تحقيق محمد فزاع

الاستثمارات المدروسة في تطوير البنية التحتية الرقمية حولت قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات إلى الأسرع نموًا 
مركز البيانات والحوسبة السحابية الحكومية في العاصمة الجديدة نقطة انطلاق تشغيل الحكومة الرقمية.. والمنصة الوطنية الموحدة للتحقق البيومتري أحدث المعاملات
البنية السحابية المتقدمة منحت الدولة قدرة أكبر على إدارة ملايين المعاملات الرقمية يوميًا بكفاءة واستقرار تشغيلي
"مصر الرقمية" تقدم 210 خدمة حكومية مميكنة.. وارتفاع عدد المستخدمين المسجلين على المنصة إلى 10.7 مليون مستخدم بنهاية 2025
 
 
قبل أسبوعين، أعلنت وزارة الداخلية، عن استحداث منصة وطنية موحدة للتحقق البايومتري والمصادقة اللحظية باستخدام خوارزميات التعرف على الوجوه، وهو الإعلان الذى لا يمكن وضعه فقط ضمن خانة تحديث تقني لخدمة إلكترونية، بل أنه يمثل انعكاسًا لمسار ممتد من الاستثمار في البنية الرقمية خلال السنوات الأخيرة.
 
المشروع، الذي أُطلق عبر تطبيق MOIEG-PASS، يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في التعرف على الهوية البيومترية للمواطنين، ويستهدف تأمين بياناتهم أثناء التعامل مع الخدمات الإلكترونية للوزارة، واللافت أن المنصة طُورت كسلسلة حلول وطنية وفق معايير عالمية، ما يعكس انتقال الدولة من مرحلة استيراد التكنولوجيا إلى مرحلة إنتاجها وتوطينها، وأكدت الوزارة أن المنصة الوطنية تعتمد على خوارزميات التعرف على الوجوه، وهي منتج وطني متكامل تم تطويره بسواعد مصرية وفقًا لأحدث المعايير والتقنيات العالمية. 
 
وهذه الخطوة تأتي في سياق أوسع يتمثل في استراتيجية التحول الرقمي للدولة، التي بدأت تتبلور بوضوح منذ عام 2018، عندما وضعت الحكومة ملف الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في قلب خطط الإصلاح الاقتصادي، ومنذ ذلك الحين، شهدت مصر طفرة متسارعة في البنية التحتية الرقمية، سواء على مستوى الشبكات، أو مراكز البيانات، أو الخدمات الحكومية الإلكترونية، وهو ما أتاح إطلاق تطبيقات متقدمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتحقق البيومتري بثقة وأمان تشغيلي مرتفعين.
 
استثمارات ضخمة في البنية التحتية
 
بالتأكيد فإن التحول التقني لم يكن ممكنًا دون استثمارات ضخمة في البنية التحتية، ووفق بيانات وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، تجاوزت استثمارات تطوير البنية التحتية الرقمية خلال السنوات الأخيرة 100 مليار جنيه، شملت مد شبكات الألياف الضوئية، وتوسيع قدرات الإنترنت الثابت، وانعكس ذلك في قفزة كبيرة بمتوسط سرعة الإنترنت الثابت في مصر، حيث ارتفعت من نحو 5 ميجابت/ثانية عام 2017 إلى أكثر من 40 ميجابت/ثانية في 2023 بحسب تقارير Speedtest Global Index، لتتصدر مصر ترتيب دول أفريقيا في سرعة الإنترنت الثابت.
 
كما توسعت الدولة في مشروع ربط المباني الحكومية بشبكة ألياف ضوئية مؤمنة، ضمن خطة لرقمنة الخدمات الحكومية بالكامل، خاصة بعد إطلاق منصة "مصر الرقمية" التي تقدم اليوم مئات الخدمات إلكترونيًا في مجالات المرور، التموين، الأحوال المدنية، والتأمينات.
 
هذا التوسع في البنية التحتية لم يكن هدفه تحسين السرعة فقط، بل خلق بيئة آمنة تدعم تطبيقات حساسة مثل التحقق البيومتري، والتوقيع الإلكتروني، والتراسل الحكومي المشفر، وتشير تقارير رسمية إلى أن قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات أصبح أحد أسرع القطاعات نموًا في الاقتصاد المصري، بمعدلات نمو سنوية تجاوزت 15% في بعض السنوات، ليساهم بنسبة متزايدة في الناتج المحلي الإجمالي، ويصبح أحد مصادر العملة الصعبة عبر صادرات الخدمات الرقمية والتعهيد.

مراكز البيانات والسحابة.. العمود الفقري الخفي
 
وإذا كانت شبكات الألياف الضوئية تمثل الشرايين التي تنقل البيانات، فإن مراكز البيانات تمثل القلب الذي يضخها ويخزنها ويؤمّنها، وخلال السنوات الأخيرة، توسعت مصر في إنشاء وتطوير مراكز بيانات حكومية وتجارية على نطاق غير مسبوق، كان أبرزها إطلاق مركز البيانات والحوسبة السحابية الحكومية في العاصمة الإدارية الجديدة، الذي يُعد من أكبر المراكز في المنطقة من حيث السعة والتأمين.
 
ويمثل هذا المركز حجر الزاوية في استراتيجية نقل مؤسسات الدولة إلى بيئة تشغيل رقمية مترابطة، ويستهدف استضافة قواعد بيانات الوزارات والهيئات السيادية، وتقديم خدمات سحابية مؤمنة.
 
وتشير بيانات وزارة الاتصالات إلى أن الدولة تعمل على إنشاء شبكة مراكز بيانات مترابطة جغرافيًا لضمان استمرارية الأعمال وتقليل مخاطر الانقطاع، إلى جانب تحفيز القطاع الخاص على الاستثمار في مراكز بيانات تجارية لخدمة الشركات المحلية والإقليمية، وساهم هذا التوسع في جذب شركات تكنولوجيا عالمية للاستثمار في خدمات الحوسبة السحابية داخل السوق المصري، في ظل الطلب المتزايد على حلول التخزين السحابي، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات الضخمة.
 
ووجود هذه البنية السحابية المتقدمة هو ما يجعل تطبيقات مثل التحقق البايومتري، والخدمات الحكومية الرقمية، والتوقيع الإلكتروني قابلة للتوسع الآمن، ويمنح الدولة قدرة أكبر على إدارة ملايين المعاملات الرقمية يوميًا بكفاءة واستقرار تشغيلي.
 
العاصمة الإدارية.. معمل الدولة الرقمية
 
لم تكن العاصمة الإدارية الجديدة مجرد مشروع عمراني، بل تم تصميمها لتكون نموذجًا تطبيقيًا للدولة الرقمية، فمع انتقال الوزارات إلى الحي الحكومي، تم ربط أكثر من 30 وزارة وهيئة عبر شبكة معلومات مؤمنة تعتمد على بنية تحتية رقمية موحدة، بما يسمح بتبادل البيانات لحظيًا، وتقليل الاعتماد على المراسلات الورقية، وتسريع اتخاذ القرار.
 
ويعتمد الحي الحكومي على أنظمة إدارة رقمية تشمل الأرشفة الإلكترونية، إدارة الموارد، أنظمة التوقيع الإلكتروني، وأنظمة الاجتماعات المرئية المؤمنة، كما تم تجهيز المدينة بأنظمة مراقبة ذكية، وإدارة مرور تعتمد على تقنيات تحليل البيانات، إضافة إلى شبكات اتصالات حديثة تدعم تطبيقات إنترنت الأشياء.
 
هذا التكامل بين البنية العمرانية والبنية الرقمية خلق بيئة تشغيل مؤسسية تعتمد على البيانات، وهو ما ينعكس تدريجيًا على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، فالتحول الرقمي لم يعد مجرد رقمنة إجراء تقليدي، بل إعادة هندسة كاملة لآليات العمل الحكومي، وهو ما مهد الطريق لإطلاق خدمات تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتحقق الفوري من الهوية.

"مصر الرقمية" وانتقال الخدمات إلى الهاتف
 
إطلاق منصة "مصر الرقمية" مثّل نقطة تحول رئيسية في علاقة المواطن بالدولة، فمن خلال المنصة، أصبح بالإمكان استخراج مستندات رسمية، سداد رسوم، تجديد تراخيص، والاستعلام عن خدمات مختلفة دون الحاجة للذهاب إلى المصالح الحكومية، وتشير بيانات رسمية إلى أن المنصة تقدم مئات الخدمات الرقمية عبر قطاعات متعددة، مع توسع مستمر في عدد المستخدمين.
 
هذا التحول خفّض الضغط على المكاتب الحكومية، وقلل زمن إنجاز المعاملات، وساهم في تعزيز الشفافية وتقليل التعامل النقدي، كما ساعد على دمج شرائح أوسع من المواطنين في المنظومة الرقمية، خاصة مع انتشار الهواتف الذكية وتوسيع خدمات الدفع الإلكتروني.
 
ويأتي تطبيق التحقق البايومتري الجديد لوزارة الداخلية ليعزز هذه المنظومة، إذ يضيف طبقة أمان متقدمة تعتمد على التعرف على الوجه، ما يسمح بتقديم خدمات أكثر حساسية إلكترونيًا دون الإخلال بمعايير الحماية. وبهذا، تتحول الخدمات الرقمية من مجرد وسيلة لتسهيل الإجراءات إلى منظومة متكاملة تعتمد على الهوية الرقمية المؤمنة.
 
وعلى مدار السنوات القليلة الماضية، شهدت مصر تحولًا جذريًا في علاقة المواطن بالدولة من خلال رقمنة الخدمات الحكومية، واتخذ هذا التحول أبعادًا عملية تتجاوز التصريحات إلى واقع ملموس، فقد أصبحت منصة "مصر الرقمية" الواجهة الرسمية التي ترتبط بها قطاعات حيوية متعددة تُقدَّم إلكترونيًا للمواطنين، وذلك في إطار جهود الدولة لتقليل الوقت والتكلفة وتحسين جودة الخدمات، وتشير أرقام رسمية إلى أن المنصة تقدم أكثر من 210 خدمة حكومية مميكنة بنهاية عام 2025، مقارنة بنحو 170 خدمة في عام 2024، مع توسع مستمر في عدد الخدمات المُضافة بانتظام، كما ارتفع عدد المستخدمين المسجلين على المنصة إلى أكثر من 10.7 مليون مستخدم بنهاية 2025، مقابل 8.1 مليون مستخدم في 2024، ما يعكس زيادة الطلب على الخدمات الرقمية وتنامي الثقة في المنظومة الحكومية الإلكترونية.
 
وارتفعت المعاملات الرقمية المنفذة عبر "مصر الرقمية" إلى أكثر من 25 مليون معاملة واستعلام خلال عام 2025، مقابل 7.8 مليون معاملة في الفترة المقابلة من العام السابق، بزيادة تقارب 300%، ما يؤشر إلى تحول حقيقي في سلوك المواطنين من التعامل التقليدي الورقي إلى التعامل الذكي الرقمي.
 
هذه الأرقام تعكس بداية تحول في علاقة الدولة بالمواطن، وتحولًا في ثقافة تلقي الخدمات العامة، فالتوسع في الخدمات الرقمية لم يقتصر على الإجراءات البسيطة مثل الاستعلام أو سداد الرسوم، بل امتد ليشمل خدمات حكومية ذات حساسية عالية مثل تجديد التراخيص، استخراج المستندات، والخدمات العدلية والإدارية.
 
كما بدأت "مصر الرقمية" تقديم خدمات مرتبطة بالسجل التجاري بشكل حصري، مثل تحديث البيانات والاستعلام الفوري، ما يسهم في تسريع الإجراءات أمام المستثمرين ورواد الأعمال.
 
وفي عالم يتجه بشكل متسارع نحو الحكومات الرقمية، تثبت مصر من خلال هذه الأرقام أن التوسع في الخدمات الحكومية الرقمية لم يعد رفاهية تقنية، بل ضرورة استراتيجية لتحسين جودة الحياة، تقليل البيروقراطية، وتعزيز القدرات الوطنية في تقديم خدمات موثوقة وسريعة.

مصر بوابة حركة البيانات العالمية
 
لا يمكن فهم الطفرة التقنية في مصر بمعزل عن موقعها الجغرافي الفريد، الذي جعلها إحدى أهم عقد نقل البيانات في العالم، فبحسب بيانات وزارة الاتصالات وتقارير دولية متخصصة، يمر عبر الأراضي والمياه الإقليمية المصرية ما يقرب من 90% من حركة البيانات بين آسيا وأوروبا عبر شبكة كثيفة من الكابلات البحرية، وتستضيف مصر أكثر من 15 كابلًا بحريًا دوليًا تمر عبر البحرين الأحمر والمتوسط، ما يمنحها موقعًا استراتيجيًا في بنية الإنترنت العالمية.
 
هذا الموقع لم يعد مجرد ميزة جغرافية، بل تحول إلى عنصر اقتصادي واستثماري، فقد استثمرت الدولة في تحديث محطات الإنزال، وتوسيع المسارات الأرضية البديلة، وتعزيز نظم الحماية والتأمين، بما يقلل مخاطر الانقطاع ويرفع كفاءة التشغيل.
 
كما تعمل الشركة المصرية للاتصالات على تطوير ممرات رقمية جديدة تربط بين القارات، وهو ما يعزز قدرة مصر على أن تكون مركزًا إقليميًا لتبادل البيانات.
 
الأهمية هنا لا تتعلق فقط بالعوائد المالية من مرور البيانات، بل بخلق بيئة جاذبة لمراكز البيانات الإقليمية، وشركات الحوسبة السحابية، ومقدمي خدمات المحتوى العالمي، فالدولة التي تتحكم في مسارات البيانات تتحكم في جزء معتبر من الاقتصاد الرقمي العالمي، وهو ما يمنح مصر وزنًا إضافيًا في معادلة التحول الرقمي الإقليمي.
 
مساهمة قطاع الاتصالات.. أرقام النمو تتحدث
 
انعكست الاستثمارات المكثفة في البنية التحتية الرقمية على الأداء الاقتصادي لقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الذي أصبح من أسرع القطاعات نموًا في الاقتصاد المصري، فبحسب بيانات رسمية صادرة عن وزارة الاتصالات والبنك المركزي، حقق القطاع معدل نمو يتجاوز 14% خلال العام المالي 2023/2024، مقارنة بمتوسط نمو أقل بكثير في قطاعات تقليدية أخرى، كما ارتفعت مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي لتتجاوز 5%، مع مستهدف رسمي للوصول إلى نحو 8% بحلول عام 2030 ضمن استراتيجية "مصر الرقمية".
 
ويُعد قطاع الاتصالات أحد أكبر القطاعات المولدة لفرص العمل عالية المهارة، خاصة في مجالات البرمجيات، تحليل البيانات، الأمن السيبراني، وخدمات التعهيد.
 
هذا النمو لم يكن معزولًا عن توسع قاعدة مستخدمي الإنترنت، التي تجاوزت 70 مليون مستخدم، إضافة إلى استثمارات كبيرة في شبكات الألياف الضوئية والجيل الخامس، وهو ما انعكس على متوسط سرعات الإنترنت الثابت التي شهدت تحسنًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة وفق تقارير دولية متخصصة.
 
الذكاء الاصطناعي… من البنية إلى التطبيق
 
ومع اكتمال البنية الأساسية من شبكات وألياف ومراكز بيانات، بدأت الدولة في الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدمًا، تتمثل في دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية.
 
ويأتي إطلاق منصة التحقق البايومتري باستخدام التعرف على الوجوه، كأحد أبرز الأمثلة على هذا التحول، فالتعرف البيومتري لا يمثل مجرد أداة تحقق أمني، بل هو جزء من بناء هوية رقمية موثوقة تمكّن المواطن من إجراء معاملات حساسة إلكترونيًا دون الحاجة للحضور الشخصي.
 
ويعتمد هذا النوع من التطبيقات على توافر بنية تحتية قوية من قواعد البيانات المؤمنة، ومراكز الحوسبة عالية القدرة، وشبكات اتصال مستقرة، وهو ما عملت الدولة على بنائه تدريجيًا خلال العقد الأخير.
 
كما أطلقت مصر استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي، تستهدف توطين التكنولوجيا، وتدريب الكوادر، ودعم الشركات الناشئة في هذا المجال، بما يعزز من قدرة الدولة على إنتاج حلول محلية بدل الاكتفاء بالاستهلاك التكنولوجي.
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق