"هاكابى" الأمريكي في زى "بلفور" البريطاني ومخطط "إسرائيل الكبرى"

الأحد، 01 مارس 2026 01:20 م
"هاكابى" الأمريكي في زى "بلفور" البريطاني ومخطط "إسرائيل الكبرى"
يوسف أيوب

 
"وعد من لا يملك لمن لا يستحق"، هو الوصف التاريخي الشهير لوعد بلفور الصادر في 2 نوفمبر 1917، والذى تمثل في رسالة من وزير خارجية بريطانيا أنذاك، آرثر بلفور، للورد الصهيوني روتشيلد، متعهداً بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وهي أرض لم تكن تملكها بريطانيا، مُنحت لجماعة لم تكن صاحبة الأرض، مما تسبب في نكبة الشعب الفلسطيني.
 
واليوم، يعود إلينا بلفور من جديد، لكن في شخص أخر، فقبل أسبوع ظهر مايك هاكابى، سفير الولايات المتحدة الامريكية لدى إسرائيل في مقابلة مع الإعلامي تاكر كارلسون، معيداً مرة أخرى الطرح الصهيوني الذى يتبناه رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتانياهو، وهو "إسرائيل الكبرى" التي لا تقتصر حدودها على الأراضى الفلسطينية المحتلة حالياً، لكنه يتحدث عن دولة تمتد حدودها إلى دول أخرى في المنطقة، معتمداً على نظرية "دولة من النيل إلى الفرات".
 
ولكى نفهم القصة، أنقل في البداية ما جاء في هذا اللقاء.
 
في البداية أشار كارلسون، وهو ناشط سياسى وناقد رأى أمريكى يمينى، ودائم الانتقاد للسياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، أشار إلى "آية توراتية يعد فيها الله النبي إبراهيم بأن نسله سيحصل على أرض من نهر مصر، نهر النيل، إلى النهر الكبير، نهر الفرات"، وقال كارلسون، إن تأييد هذه الآية قد يعني أنه بإمكان إسرائيل المطالبة بأرض تشمل "في الأساس كامل الشرق الأوسط"، بما في ذلك "دول مثل الأردن وسوريا ولبنان، إضافة إلى أجزاء من السعودية والعراق".
 
هنا رد هاكابي بقوله: "لست متأكداً أننا سنذهب إلى هذا الحد، ستكون قطعة كبيرة من الأرض". ثم ضغط عليه كارلسون بالسؤال: "هل لإسرائيل الحق في تلك الأرض؟"، فأجاب هاكابي: "سيكون الأمر لا بأس به إذا أخذوها كلّها".
 
ما قاله مايك هاكابى، المعروف بصهيونيته، وأنه مؤيد قوي لإسرائيل ويعارض قيام الدولة الفلسطينية ويرفض الهوية الفلسطينية، رغم أنه أثار موجة كبيرة من الانتقاد والرفض الدولى والإقليمى، لكنه في حقيقة الأمر لم ياتى بجديد من عنده، لأنه يعيد طرح ما يؤمن به نتانياهو وغالبية المتشددين في إسرائيل، لكن السبب في الغضب العربى هذه المرة أن هذه الرؤية جاءت على لسان سفير لدولة المفترض أنها ترتبط بعلاقات قوية واستراتيجية مع الدول التي أشار "هاكابى" إلى إمكانية أن تكون دزء من "إسرائيل الكبرى"، وان الولايات المتحدة الأمريكية ورئيسها دونالد ترامب، طرحوا مؤخراً حلولاً دبلوماسية وسياسية للوضع في قطاع غزة، كما أعلنوا بوضوح قبل عدة أسابيع أنهم "رافضين لأى تحرك إسرائيلى بضم الضفة الغربية"، ومن هنا نفهم الغضبة العربية الإسلامية على ما قاله "هاكابى".
 
فنحن اليوم أمام مجموعة من البيانات القوية الرافضة لما جاء على لسان السفير الأمريكي، والمحذرة من خطورتها على أمن واستقرار المنطقة، فقد أدانت مصر ما قاله هاكابي، وأعربت عن استغرابها إزاء صدور هذه التصريحات، التى تتناقض مع الرؤية التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والنقاط العشرين ذات الصلة بإنهاء الحرب في قطاع غزة، وكذلك مؤتمر مجلس السلام الذى عقد بواشنطن يوم 19 فبراير الجارى، وأكدت مصر - مجددًا - أنه لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة أو غيرها من الأراضي العربية، مشددة على رفضها القاطع لأي محاولات لضمّ الضفة الغربية أو فصلها عن قطاع غزة، وكذلك رفض توسيع الأنشطة الاستيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلة.
 
كما أصدرت وزارات خارجية مصر، السعودية، الأردن، البحرين، الإمارات، قطر، إندونيسيا، باكستان، تركيا، سوريا، فلسطين، الكويت، لبنان، سلطنة عُمان، وأمانات مجلس التعاون لدول الخليج العربي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، بيانا مشتركاً، أكدوا الرفض القاطع لمثل هذه التصريحات الخطيرة والاستفزازية، التي تمثل انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتشكل تهديدًا جسيمًا لأمن المنطقة واستقرارها، مجددة التأكيد على أنّ لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة أو على أيّ أراضٍ عربية محتلة أخرى. كما أعربت عن رفضها التام لأيّ محاولات لضمّ الضفة الغربية أو فصلها عن قطاع غزة، وعن معارضتها الشديدة لتوسيع الأنشطة الاستيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلة، ورفضهم القاطع لأي تهديد لسيادة الدول العربية.
 
ومن ضمن ردود الأفعال ما قاله أحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية، الذى قال إن تصريحات هاكابى "تؤدي إلى تأجيج المشاعر وإثارة العواطف الدينية والوطنية، في وقت تجتمع فيه الدول تحت مظلة مجلس السلام من أجل بحث سبل تطبيق اتفاق السلام في غزة، واغتنام هذه الفرصة لاطلاق مسار سلمي جدي". كما وصفت الخارجية السعودية التصريحات بأنها "سابقةً خطيرةً في صدورها من مسؤول أمريكي، وتعد استهتارًا بالعلاقات المتميزة لدول المنطقة بالولايات المتحدة الأمريكية"، كما وصفها المتحدث باسم الالخارجية الأردنية، السفير فؤاد المجالي، بـ"التصريحات العبثية والاستفزازية التي تمثل انتهاكا للأعراف الدبلوماسية، ومساسا بسيادة دول المنطقة، ومخالفة صريحة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة".
 
كما أدانت وزارة الخارجية الفلسطينية، تصريحات مايك هاكابي، وأكدت أنها تناقض الحقائق الدينية والتاريخية، والقانون الدولي، مشددة على أنها "استفزازية مرفوضة، تمثل دعوة صريحة للاعتداء على سيادة الدول، ودعما للاحتلال للاستمرار في حرب الإبادة والتهجير وتنفيذ مخططات الضم والتوسع العنصري بحق الشعب الفلسطيني، وهو ما رفضه المجتمع الدولي بأكمله، وأكد أن قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية هي أرض فلسطينية محتلة وفقاً للقانون الدولي"، ودعت الإدارة الأمريكية، إلى اتخاذ موقف واضح وصريح من تصريحات سفيرها لدى إسرائيل التي تتناقض كلياً مع موقف الرئيس الأمريكي.
 
وفي أغسطس 2025 كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في تصريحات تليفزيونية عن تلقيه خريطة لإسرائيل تضم أجزاء من الأراضي الفلسطينية المحتلة والأردن ولبنان وسوريا ومصر، حيث أكد موافقته على هذه الرؤية بشدة.
 
وقتها قيل الكثير رداً على ما قاله نتانياهو، فقد أعلن العرب والمسلمين رفضهم له، وهو ما يتكرر اليوم مع مايك هاكابى، لكن السؤال الأن.. ما هو مفهوم "إسرائيل الكبرى"..
 
الحقيقة أن هذا المفهوم أو المصطلح بدأ استخدامه منذ حرب 1967، في وصف إسرائيل والأراضي التي احتلتها، القدس، والضفة الغربية، وغزة، وشبه جزيرة سيناء، ومرتفعات الجولان السورية، ووهو يشير إلى فكرة توسيع أراضي وسيادة إسرائيل لتشمل ما يعتبره مؤيدو هذه العقيدة "أرضها التاريخية التوراتية"، باعتبارها تجسيداً لما يصفه الكتاب المقدس بأرض قبائل بني إسرائيل القديمة، أو المملكة الإسرائيلية، أو الأرض التي وعد الله بها إبراهيم وذريته. ويعتبر عدد من المؤرخين اليهود أن "الأرض التاريخية الموعودة" هي كامل الامتداد من النهر إلى النهر (الفرات إلى النيل)، ويتطابق ذلك مع الرؤية الصهيونية الحديثة كما حددها تيودور هرتزل، فقد كانت غير محددة جغرافياً، فقد تخيّل هرتزل وحدّد "الأرض القديمة-الجديدة كما وردت في روايته الصهيونية، بحيث تشمل معظم أراضي إسرائيل المعترف بها دولياً، بالإضافة إلى مدن لبنانية شمالية مثل صيدا وصور، وإلى بلدات في هضبة الجولان مثل القنيطرة. ورؤية هرتزل، شأنها شأن رؤية بعض الصهاينة الأوائل في أوائل القرن العشرين، كانت عادةً تشمل أيضاً الضفة الغربية المحتلة وصحراء سيناء.
 
وهذه الرؤية تحظى بدعم كبير داخل المجتمع الإسرائيلى، وهو ما يمكن فهمه في أن إسرائيل حتى الأن لدولة غير محددة الحدود، لأن المتشددين في إسرائيل، وهم كثر، يؤمنون بإسرائيل الكبرى، التي يتم استخدامها سياسياً اليوم انطلاقاً من رؤية دينية خاصة بهم.
 
ولا ننسى أن الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، سبق أن أثار هذا الامر في مايو 1990، خلال جلسة مجلس الأمن التي عقدت خصيصاً في جنيف، مسألة حدود ما يعرف بـ"إسرائيل الكبرى"، عندما رفع عملة إسرائيلية من فئة 10 أجورات، قال إنها تُظهر خريطة "إسرائيل الكبرى"، والتي تتجاوز حدود الدولة المعترف بها في عام 1948، وهو ما نفته إسرائيل آنذاك، وقال بنك إسرائيل إن تصميم الأجورات العشرة تم اختياره لقيمته التاريخية، مشيراً إلى أنه "نسخة طبق الأصل من عملة أصدرها ماتاثياس أنتيجونوس (40-37 قبل الميلاد) ذات الشمعدان ذي الفروع السبعة"، وظهر التصميم، لأول مرة على العملة المعدنية من فئة 100 شيكل والتي أصدرها "بنك إسرائيل" في 2 مايو 1984، وقد تم اعتماد هذا التصميم أيضاً كرمز لـ"بنك إسرائيل".
 
وربما لمبررات سياسية وأخرى غير معلومة، هدأ الحديث الإسرائيلي عن المصطلح، لكنه عاد بقوة من خلال خطاب سياسى جرئ يتزعمه في الوقت الراهن الشخصيات المتطرفة الذين استطاعوا تحقيق انتصارات انتخابية، وأبرزهم بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية الحالي، الذي يمتلك صلاحيات غير مسبوقة في وضع سياسة الاستيطان بالضفة الغربية، فموقفه واضح ومعلن، أنه يحلم بـ"إسرائيل الكبرى التي تمتد من النيل إلى الفرات"، مع حدود للقدس تصل حتى العاصمة السورية دمشق.
 
نحن أذن أمام حلم خبيث، لم يتخلى عنه الإسرائيليين، وهو ما يفرض علينا اليقظة الكاملة في كل تحرك، حتى لا نفاجأ بأن الحلم تحول إلى حقيقة.
 
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق