من أرض الهجرة| أيام في الإسلام (2): الإسراء والمعراج.. من ذروة الاستضعاف إلى لحظة التحول في مسار الدعوة
الخميس، 05 مارس 2026 02:00 ص
محمد الشرقاوي
لم تأتِ حادثة الإسراء والمعراج في لحظة رخاء، بل في ذروة الاستضعاف، حين كانت الدعوة الإسلامية في مكة تعيش واحدة من أصعب مراحلها؛ وسط حصار اجتماعي، وأذى جسدي، وسخرية مستمرة.
كان المسلمون – آنذاك - قلة بلا دولة تحميهم، ولا سند سياسي يوازن قوة قريش، ثم جاءت الضربة الأشد، بوفاة السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، الزوجة والسند والملاذ، تلاها موت أبي طالب، الحامي القبلي الذي حال سنواتٍ دون بطش قريش المباشر، ليكون سقوط هذين الجدارين بمثابة انكشاف للنبي ﷺ أمام خصومه، فاشتد الأذى، وضاق المجال.
ثم جاءت رحلة الطائف لتكشف حجم العزلة، حين خرج النبي ﷺ يلتمس النصرة خارج مكة، فعاد منها مجروح الجسد والنفس، بعد أن رُمي بالحجارة وأُغري به الصبية والسفهاء، وكانت تلك لحظة انكسار بشري صادق؛ دعوة بلا ظهير أرضي، ورسالة تواجه مجتمعًا يرفضها بقسوة.
وفي هذا المناخ الملبّد جاءت رحلة الإسراء والمعراج، لا بوصفها معجزة خارقة فحسب، بل حدثًا أعاد صياغة المرحلة كلها، حين أُسري بالنبي ﷺ ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عُرج به إلى السماوات العلى، في انتقال رمزي من ضيق الأرض إلى سعة السماء، وكأن الرسالة تقول: إن انسدت طرق البشر، فباب الله مفتوح.
في بيت المقدس صلى النبي ﷺ بالأنبياء إمامًا، فلم يكن المشهد مجرد تكريم، بل إعلان قيادة روحية جامعة، الرسالات كلها تصطف خلف خاتمها، في وقت كانت فيه قريش تشكك في نبوته، ثم بدأ المعراج، فالتقى بالأنبياء في السماوات السبع، حتى بلغ سدرة المنتهى، حيث رأى من آيات ربه الكبرى، وهناك فُرضت الصلاة.
فرض الصلاة في هذا الموطن العالي ليس تفصيلًا عابرًا، فهي لم تُفرض في الأرض، بل في السماء، لتكون الرابط الدائم بين الأمة وربها، ومصدر الثبات في وجه العواصف، كانت خمسين صلاة، ثم خُففت إلى خمس بأجر خمسين، في حوار متكرر بين النبي ﷺ وموسى عليه السلام، حتى استقر التشريع، وكأن الرحلة تقول إن القوة الحقيقية لا تُستمد من السلاح وحده، بل من الصلة بالله.
لكن الإسراء لم يكن لحظة عزلة روحية فقط، بل كان اختبارًا علنيًا، حين أخبر النبي ﷺ قريشًا بما حدث، رأوا في القصة فرصةً للتشكيك والسخرية، فبعض ضعاف الإيمان تراجعوا، بينما ثبت المؤمنون الصادقون، وهنا برز موقف أبو بكر الصديق حين قال: "إن كان قال فقد صدق"، فاستحق لقب "الصديق"، كان هذا الموقف تتويجًا لمعنى الإيمان بالغيب، وتمحيصًا للصف في لحظة حرجة.
وبهذا المعنى، كان الإسراء والمعراج نقطة فرز، ومن بقي بعد هذه المحنة لم يكن إيمانه هشًا، فالدعوة التي ستغادر مكة بعد سنوات قليلة لتؤسس دولة في المدينة احتاجت إلى قاعدة صلبة، والإسراء كان جزءً من إعداد تلك القاعدة.
ويمكن قراءة الحدث سياسيًا بوصفه انتقالًا من مرحلة الدفاع الصرف إلى مرحلة الإعداد للتمكين، فبعد الإسراء بدأت ملامح التحول تظهر، وأخذ النبي ﷺ يعرض نفسه على القبائل في مواسم الحج، باحثًا عن أرض جديدة للدعوة، ثم جاءت بيعة العقبة، ومنها انطلقت الهجرة، فقيام الدولة، ولم يكن الإسراء سببًا مباشرًا للهجرة، لكنه كان شحنة روحية ومعنوية أعادت الثقة، وأكدت أن المشروع أكبر من حدود مكة.
ولا يمكن فهم الإسراء والمعراج بمعزل عن السياق الاستراتيجي للدعوة في مكة، فالدعوة آنذاك كانت تواجه مأزقًا مزدوجًا: رفضًا عقائديًا من قريش، وانغلاقًا جغرافيًا داخل مجتمع يملك أدوات الضغط كافة، ولم يكن أمام المسلمين أفق سياسي واضح، ولا مؤشرات على انفراج قريب، وبالتالي في مثل هذه اللحظات، تذبل كثير من الدعوات وتنكفئ، لذا جاء الإسراء ليكسر هذا المنطق؛ إذ نقل مركز الثقل من حسابات الأرض إلى وعد السماء.
كما أن اختيار المسجد الأقصى محطةً أولى في الرحلة يحمل دلالة عميقة؛ فهو ربط مبكر بين مكة وبيت المقدس، وبين الرسالة الخاتمة وموطن الرسالات السابقة، وكأن الحدث يؤسس لامتداد حضاري يتجاوز حدود الجزيرة العربية، وبالتالي كان ذلك إيذانًا بأن الرسالة المقبلة ليست محصورة في قبيلة أو إقليم، بل مشروع أمة ذات رسالة عالمية.
ثم إن فرض الصلاة في تلك الليلة لم يكن مجرد تكليف تعبدي، بل كان تأسيسًا لبنية روحية جماعية تحفظ تماسك المجتمع الناشئ، فالأمة التي ستهاجر، وتخوض المعارك، وتبني دولة، تحتاج إلى مركز ثبات يومي يضبط إيقاعها ويعيد توجيهها خمس مرات كل يوم.
وإذا كان عام الحزن قد كشف حدود الدعم البشري، فإن الإسراء كشف حدود العناية الإلهية التي لا تنقطع، فقد أعاد ترتيب سلم الأولويات: من البحث عن حماية قبلية إلى تأسيس رابطة إيمانية عابرة للقبائل، ومن انتظار اعتراف قريش إلى التطلع نحو أفق أوسع، وهنا يمكن القول إن الإسراء والمعراج لم يكن خاتمة مرحلة ألم فحسب، بل كان إعلانًا صامتًا بأن زمنًا جديدًا يقترب.
بهذا المعنى، يمكن القول إن الإسراء والمعراج كانا إعلانًا بأن مرحلة الاستضعاف شارفت على نهايتها، وأن ما يبدو انسدادًا في الأفق ليس إلا تمهيدًا لتحول أكبر، فبعد سنوات قليلة، ستتحقق ملامح هذا التحول بالهجرة، ثم بقيام الدولة في المدينة، لتتأكد أن ليلة الإسراء لم تكن عزلة روحية، بل كانت نقطة انعطاف في تاريخ أمة بأكملها.
وهكذا ظل هذا اليوم علامة فاصلة في التاريخ الإسلامي؛ لأنه نقل الدعوة من ضيق اللحظة إلى سعة الأفق، ومن الاستضعاف الخانق إلى بداية طريق التمكين.