عاصفة التصعيد تضرب الاقتصاد.. إيرادات قناة السويس وأسعار النفط وسعر الصرف.. كيف تدير مصر تداعيات المواجهات العسكرية؟
الأحد، 08 مارس 2026 04:00 م
محمد فزاع
بينما كانت مصر تستعد لبدء عام مالي جديد مطلع يوليو، مع توقعات بتحسن تدريجي في مؤشرات النمو والاستثمار بعد سنوات من برنامج إصلاح اقتصادي واسع، جاءت التطورات العسكرية الأخيرة في المنطقة لتضيف متغيرًا جيوسياسيًا ثقيلًا على المشهد الاقتصادي.
فقد أدى التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى وأتساع المواجهة على طول الخليج العربى، أدى ذلك إلى موجة اضطراب في الأسواق العالمية، انعكست فورًا على أسعار النفط والذهب وحركة رؤوس الأموال، وهو ما يضع الاقتصادات الناشئة، ومن بينها مصر، أمام اختبار جديد في إدارة التوازنات المالية والنقدية.
ومع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط، أصبح المرور عبر مضيق هرمز قبالة إيران والذي أعلنت طهران إغلاقه مخاطرة كبيرة. وبات على شركات الشحن سلوك طرق بحرية أطول ما يؤثر على أسواق النفط والغاز التي تعتمد بشكل كبير على ذلك الطريق الملاحي، ويعتبر هرمز ممرا حيويا لأسواق الطاقة حيث يمر عبره 20% من النفط المنقول بحرا، ومع ذلك، يعتقد محللون أن إغلاق المضيق، الذي تهدد به إيران، لا يؤثر على الشحن من آسيا إلى أوروبا إذ ينتهي الخليج إلى طريق مسدود عند سواحل الكويت والعراق وإيران، لكن يظل المضيق حيويا للتجارة الإقليمية إذ يتصل بميناء جبل علي في دبي بالإمارات الذي يحل في المرتبة العاشرة بين أكبر موانئ الحاويات في العالم ويعتبر مركزا لإعادة التوزيع لأكثر من عشر دول في المنطقة.
كما ارتفع الدولار بشكل ملحوظ الأسبوع الماضى، مع إقبال المستثمرين على هذه العملة الآمنة إثر التصعيد العسكري، وقال المحلل في شركة تيكميل، باتريك مونلي، إن "الصراع المستمر أدى إلى زعزعة ثقة المستثمرين في جميع أنحاء العالم، وإلى سحب جماعي للاستثمارات عالية المخاطر، ما رفع قيمة الأصول الآمنة كالذهب والدولار".
كما ساهمت المواجهات فى ارتفاع أسعار النفط الذي تأثرت إمداداته بتعليق حركة الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي، وتعد إيران من القوى الكبرى في مجال الطاقة، اذ تمتلك بعضا من أكبر احتياطات الهيدروكربونات في العالم، وتملك نحو 10% من الاحتياطات النفطية المثبتة، ونحو 15% من احتياطات الغاز الطبيعي.
وتقول مصادر خليجية إن طهران، باستهدافها دول الخليج الغنية بالنفط، تحول المعركة إلى معركة عالمية وتهدد تدفقات النفط العالمية، وليس الأمن الإقليمي فحسب، بالنسبة للاقتصادات سريعة النمو مثل السعودية وقطر والإمارات – التي تعتمد على المجال الجوي المفتوح وممرات الشحن الآمنة واستقرار التجارة – فإن صراعا أوسع نطاقا سيكون له تداعيات مدمرة.
وفى مصر، قال الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس، الثلاثاء الماضى، إن حركة الملاحة بالقناة تعمل بصورة منتظمة من الاتجاهين، مؤكدا استمرار القناة في تقديم خدماتها الملاحية بصورة طبيعية على مدار الساعة، وأشار إلى أن قناة السويس شهدت "الثلاثاء"، عبور 56 سفينة من الاتجاهين، بإجمالي حمولات صافية قدرها 2.6 مليون طن، حيث تعبر 24 سفينة من قافلة الشمال بإجمالي حمولات صافية قدرها مليون طن، فيما تعبر 32 سفينة من قافلة الجنوب بإجمالي حمولات صافية قدرها 1.6 مليون طن.
كما أشار رئيس الهيئة إلى أن إعلان بعض الخطوط الملاحية الكبرى تعليق عبورها من قناة السويس يظل أمراً مؤقتاً مرهون بتطورات الأوضاع الأمنية في المنطقة، مؤكدا أن قناة السويس تواصل جهودها في التواصل مع كافة العملاء والخطوط الملاحية والتنسيق المشترك لخدمة حركة التجارة العالمية، وضمان استدامة سلاسل الإمداد، وأعرب عن أمله في أن تشهد الفترة المُقبلة انفراجة في الأوضاع الأمنية لما لها من تأثيرات جوهرية على حرية الملاحة في المنطقة.
وعادة ما تستجيب الأسواق الدولية سريعًا لمثل هذه الأزمات، إذ ارتفعت أسعار النفط عالميًا بنسب تراوحت بين 10% و20% في الأيام الأولى للتصعيد، مع تحذيرات من إمكانية وصول الزيادة إلى 30% حال تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز الذي يمر من خلاله نحو 20% من تجارة النفط العالمية، كما شهد الذهب موجة صعود جديدة باعتباره ملاذًا آمنًا، بينما اتجهت بعض التدفقات الاستثمارية نحو السندات الأمريكية، وهو ما أدى إلى ضغوط على عملات الأسواق الناشئة.
بالنسبة لمصر، التي تعتمد جزئيًا على استيراد الطاقة وبعض السلع الأساسية، فإن أي ارتفاع مستدام في أسعار النفط أو اضطراب في سلاسل الإمداد قد ينعكس على فاتورة الاستيراد والميزان التجاري، الذي يتجاوز عجزه 30 مليار دولار سنويًا، ومع ذلك، فإن إدارة الدولة للأزمة حتى الآن اتسمت بسرعة التحرك وتفعيل آليات المتابعة، في إطار سياسة استباقية تهدف إلى تقليل أثر الصدمات الخارجية وحماية الاستقرار الداخلي.
قناة السويس بين ضغوط الجغرافيا السياسية ومرونة الإدارة
تظل قناة السويس أحد أهم أعمدة الاقتصاد المصري، إذ حققت في عام 2023 إيرادات قياسية بلغت نحو 10.2 مليار دولار، قبل أن تتأثر خلال عامي 2024 و2025 بالتوترات الأمنية في البحر الأحمر، والتي أدت إلى تغيير مسارات عدد كبير من الخطوط الملاحية نحو رأس الرجاء الصالح، متسببة في خسائر قُدرت بنحو 12 مليار دولار على مدار عامين، وفق تصريحات رسمية سابقة، ومع عودة التوترات الإقليمية الحالية، تتجدد المخاوف من اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، خاصة بعد إعلان بعض شركات الشحن العالمية تعليق أو إعادة توجيه رحلاتها.
تقديرات بعض خبراء النقل البحري تشير إلى أنه في حال استمرار التصعيد لفترة ممتدة، قد تتراوح إيرادات القناة بين 3 و4 مليارات دولار سنويًا خلال 2026، مقارنة بمستهدفات كانت تقترب من 10 مليارات دولار، غير أن إدارة القناة تعتمد على حزمة من الإجراءات التحفيزية والتسعيرية المرنة للحفاظ على تنافسية الممر الملاحي، إلى جانب تطوير مستمر للبنية التحتية وزيادة الطاقة الاستيعابية.
ورغم إعلان بعض الشركات الكبرى إعادة توجيه سفنها مؤقتًا، فإن كثيرًا من الخطوط الملاحية لا تزال في حالة ترقب دون اتخاذ قرار دائم بتغيير المسار، إدراكًا منها أن العبور عبر القناة يختصر ما بين 10 إلى 15 يومًا من زمن الرحلة ويوفر ملايين الدولارات من تكاليف الوقود والتشغيل مقارنة بطريق رأس الرجاء الصالح، وعليه، فإن التأثير على إيرادات القناة يظل مرتبطًا بمدة التصعيد ومدى اتساع نطاقه، في ظل قناعة دولية بأن قناة السويس ستظل الخيار الملاحي الأكثر كفاءة متى استقرت الأوضاع الأمنية في المنطقة.
وتمثل قناة السويس أحد الأعمدة الرئيسية لتوفير النقد الأجنبي لمصر، إلى جانب تحويلات المصريين في الخارج والصادرات والسياحة والاستثمار الأجنبي، وعندما حققت القناة إيرادات بلغت 10.2 مليار دولار في عام 2023، شكّل ذلك رافدًا قويًا لدعم ميزان المدفوعات وتعزيز الاحتياطي النقدي، لكن مع تراجع الإيرادات خلال 2024 و2025 نتيجة اضطرابات البحر الأحمر، ظهر بوضوح مدى حساسية هذا المورد الحيوي تجاه التطورات الجيوسياسية، وفي حال استمرار التصعيد الحالي وتأثر حركة الملاحة، فإن أي انخفاض إضافي في إيرادات القناة يعني ضغطًا مباشرًا على المعروض الدولاري في السوق.
قناة السويس وسلاسل الإمداد
لا يتوقف تأثير أي اضطراب في حركة الملاحة بقناة السويس عند حدود الإيرادات الدولارية فقط، بل يمتد إلى عمق سلاسل الإمداد العالمية، ومنها إلى السوق المحلية المصرية، فالقناة ليست مجرد مصدر دخل، بل ممر رئيسي لمرور مدخلات الإنتاج والسلع الوسيطة التي تعتمد عليها قطاعات صناعية وزراعية وتجارية داخل مصر، ومع إعلان عدد من شركات الشحن العالمية إعادة توجيه سفنها عبر رأس الرجاء الصالح، ترتفع مدة الرحلة البحرية بين آسيا وأوروبا بما يتراوح بين 10 و15 يومًا إضافيًا، وهو ما يزيد تكلفة الوقود والشحن والتأمين.
وتشير تقديرات ملاحية إلى أن تكلفة نقل الحاوية الواحدة قد ترتفع بنسبة تتراوح بين 25% و40% في أوقات الأزمات الممتدة، وهو ما ينعكس في النهاية على أسعار السلع في الأسواق المستقبلة.
بالنسبة لمصر، فإن ارتفاع تكاليف الشحن يعني زيادة تكلفة استيراد القمح والذرة والزيوت ومدخلات الصناعة، وهي سلع تمثل جزءًا مهمًا من فاتورة الواردات التي تتجاوز مليارات الدولارات سنويًا.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
في ضوء المعطيات الحالية، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الأوضاع وتأثيرها على الاقتصاد المصري، يظل العامل الحاسم فيها هو استقرار الملاحة في البحر الأحمر وعودة الحركة الطبيعية عبر قناة السويس.
السيناريو الأول يتمثل في احتواء سريع للتصعيد العسكري خلال أسابيع قليلة، وهو ما سيؤدي إلى تراجع أسعار النفط تدريجيًا، وعودة شركات الشحن إلى المسار الطبيعي عبر القناة، وفي هذا السيناريو، قد تستعيد الإيرادات جزءًا كبيرًا من مستهدفاتها خلال عام 2026، خاصة مع تحسن مؤشرات التجارة العالمية، ما يعزز تدفقات النقد الأجنبي ويدعم استقرار سعر الصرف.
أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر ترجيحًا في المدى المتوسط، فيفترض استمرار التوترات دون اتساعها إلى مواجهة إقليمية شاملة، وهنا قد تظل إيرادات القناة في نطاق متوسط يتراوح بين 4 و6 مليارات دولار سنويًا، مع استمرار ارتفاع نسبي في تكاليف الشحن والتأمين.
وفي هذه الحالة، تعتمد المعادلة الاقتصادية على قدرة الدولة في تعويض جزء من الفجوة عبر الصادرات، والسياحة، وتحويلات المصريين بالخارج، إلى جانب إدارة مرنة للسياسة النقدية والمالية.
السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالًا لكنه الأعلى كلفة، يتمثل في اتساع نطاق الصراع وإغلاق فعلي أو شبه فعلي لمضيق هرمز أو باب المندب لفترة ممتدة.
وهذا السيناريو قد يدفع أسعار النفط إلى ما فوق 110 أو 120 دولارًا للبرميل، ويؤدي إلى تراجع حاد في حركة الملاحة الدولية، ما يضغط بشدة على إيرادات قناة السويس ويزيد فجوة النقد الأجنبي بعدة مليارات من الدولارات سنويًا، غير أن هذا السيناريو يحمل أيضًا ضغوطًا عالمية كبرى قد تدفع القوى الدولية سريعًا نحو احتواء الأزمة.