من أرض الهجرة| الفتن في الإسلام (3): مقتل عثمان بن عفان.. باب فتنة لم يغلق

الأحد، 08 مارس 2026 03:02 م
من أرض الهجرة| الفتن في الإسلام (3): مقتل عثمان بن عفان.. باب فتنة لم يغلق
محمد الشرقاوى

نقطة تحول تاريخية أدخلت العالم الإسلامي في مرحلة من الاضطراب السياسي العميق
 
شكّل مقتل الخليفة الثالث للمسلمين، الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنه، سنة 35 للهجرة واحدة من أكثر اللحظات مأساوية وتأثيرًا في التاريخ الإسلامي، فلم يكن مقتله مجرد اغتيال سياسي لخليفة قائم، بل مثّل لحظة مفصلية أعادت تشكيل بنية السلطة داخل الدولة الإسلامية، وأطلقت سلسلة من الصراعات التي عُرفت لاحقًا في كتب التاريخ بـ"الفتنة الكبرى". 
 
ويعتبر مقتل الخليفة عثمان، نقطة فاصلة في عمر الدولة الإسلامية، حيث انتقل المجتمع من مرحلة الإجماع النسبي الذي ساد عصر النبوة والخلفاء الراشدين الأوائل، إلى مرحلة صراع سياسي مفتوح حول الشرعية والسلطة.
 
تولى عثمان بن عفان، الخلافة سنة 23 هـ بعد وفاة عمر بن الخطاب، فهو أحد كبار الصحابة ومن أوائل المسلمين، ولقّب بـ«ذي النورين» لزواجه من ابنتي النبي محمد صلى الله عليه وسلم، عُرف بدوره في تجهيز جيش العسرة خلال غزوة تبوك، وبإسهاماته الكبيرة في توسع الدولة الإسلامية، ومع ذلك، فإن السنوات الأخيرة من حكمه شهدت تصاعدًا في التوترات السياسية والاجتماعية داخل الدولة، وهو ما مهّد تدريجيًا لاندلاع الأزمة التي انتهت باغتياله.
 
ظهرت بوادر الاضطراب بشكل واضح في عام 34 للهجرة، حين شهدت مدينة الكوفة أولى مؤشرات التمرد السياسي، فقد طالب أهلها بعزل واليهم سعيد بن العاص، ولم يكتفوا بالمطالبة بل منعوه من دخول المدينة، واختاروا مكانه أبا موسى الأشعري، وإزاء هذا الضغط الشعبي وافق عثمان على تعيين أبي موسى، في محاولة لاحتواء الأزمة ومنع تحولها إلى مواجهة مفتوحة، غير أن هذه الخطوة، التي قصد بها تهدئة الأوضاع، أرسلت في الوقت نفسه إشارة إلى إمكانية الضغط على السلطة المركزية لفرض تغييرات سياسية.
 
في تلك المرحلة، بدأت الانتقادات تتصاعد ضد سياسة تعيين الولاة، خصوصًا من بني أمية، وهو ما استغلته قوى مختلفة داخل الأمصار لتأجيج حالة الغضب، وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أن هذه الأجواء أسهمت في تشكل حركات معارضة منظمة في الكوفة والبصرة ومصر، وبحلول عام 35 للهجرة، تحركت ثلاث مجموعات رئيسية من هذه الأمصار باتجاه المدينة المنورة، معلنة رغبتها في محاسبة الخليفة ومطالبته بإصلاحات إدارية وسياسية.
 
وعند وصول هذه الوفود إلى المدينة، نزلت في أماكن متفرقة، وكان أبرزها موقع «ذو خشب» حيث تمركز وفد المصريين من عرب الفسطاط، وفي البداية، اتخذت الأزمة طابعًا تفاوضيًا، حيث جرت مناقشات بين المتمردين وعدد من كبار الصحابة الذين حاولوا احتواء الموقف، وكان في مقدمة هؤلاء كبار الصحابة، علي بن أبي طالب، إلى جانب سعد بن أبي وقاص والمغيرة بن شعبة وزيد بن ثابت والزبير بن العوام وغيرهم.
 
وقاد علي بن أبي طالب جهود الوساطة بين الطرفين، ونجح بالفعل في الوصول إلى تسوية مؤقتة تقضي باستجابة عثمان لبعض مطالب المحتجين، ومن بينها عزل والي مصر عبد الله بن أبي السرح وتعيين محمد بن أبي بكر بدلًا منه، وبناء على ذلك، وافق الثائرون على العودة إلى أمصارهم، الأمر الذي بدا في ظاهره نهاية للأزمة.
 
وكشفت التطورات اللاحقة عن عد حل الأزمة، فخلال عودة الوفد المصري إلى مصر، اعترضوا غلامًا يحمل رسالة مختومة بخاتم الخليفة إلى والي مصر عبد الله بن أبي السرح، تتضمن أمرًا بقتل قادة الوفد وإلغاء قرار عزله، وهي رسالة أنكر عثمان علمه بها، وأعادت إشعال الأزمة من جديد، واتجهت الشكوك نحو مروان بن الحكم، أحد أبرز المقربين من الخليفة، باعتباره صاحب التأثير الأكبر داخل دائرته السياسية.
 
عاد الوفد المصري إلى المدينة غاضبًا، وفي الوقت نفسه عاد وفدا الكوفة والبصرة أيضًا، لتدخل الأزمة مرحلة جديدة أكثر توترًا، وعرض المتمردون الرسالة على عثمان بحضور علي بن أبي طالب ومحمد بن مسلمة، لكن الخليفة نفى مسؤوليته عنها، ومع تصاعد الشكوك حول بطانته، طالب المتمردون الخليفة بالتنحي عن الحكم، معتبرين أن ضعف إدارته للأزمة سمح بانتشار الفساد وسوء الإدارة في الأمصار.
 
ورفض عثمان هذا الطلب، وأعلن موقفه الشهير بقوله: "لا أنزع قميصًا ألبسنيه الله"، في إشارة إلى اعتقاده بأن الخلافة تكليف إلهي لا يجوز التخلي عنه تحت ضغط التمرد، ومع فشل محاولات التوصل إلى تسوية، فرض المتمردون حصارًا على داره في المدينة، ومنعوه من الخروج للصلاة، وإن كانوا لم يمنعوا الناس من الدخول عليه في البداية.
 
ومع تطور الأحداث، بدأ كبار الصحابة يبتعدون تدريجيًا عن المواجهة المباشرة، فقد اعتزل بعضهم الأزمة بعدما رأوا أن عثمان لم يفِ ببعض الوعود التي قطعها للمحتجين، في حين أرسل آخرون أبناءهم للدفاع عنه، ومع ذلك، ظل علي بن أبي طالب يحاول الوساطة مرة أخرى، وأقنع المتمردين بمنح الخليفة مهلة ثلاثة أيام لتنفيذ مطالبهم.
 
لكن هذه المهلة انتهت دون تحقيق تقدم ملموس، وهو ما دفع المتمردين إلى تشديد الحصار، ومع مرور الأيام، تدهورت الأوضاع أكثر، حتى وصل الأمر إلى منع الماء والطعام عن الخليفة داخل داره، في مشهد صادم هز المدينة المنورة وأثار استياء عدد من الصحابة.
 
في تلك اللحظات الحرجة، رفض عثمان أن يسمح لأحد بالقتال دفاعًا عنه، وأمر من حوله بالكف عن استخدام السلاح، مؤكدًا أنه لا يريد أن يكون سببًا في سفك دماء المسلمين، ويذكر المؤرخون أنه قال لمن حوله: "أعزم على كل من رأى أن لي عليه سمعًا وطاعة أن يكف يده وسلاحه".
 
استمر الحصار أربعين يومًا تقريبًا، وهي مدة طويلة أثارت تساؤلات المؤرخين حول أسباب تأخر وصول الدعم من الأمصار رغم استغاثة الخليفة، وتشير بعض التفسيرات إلى أن ولاة الأقاليم لم يتوقعوا أن يصل الأمر إلى حد قتل الخليفة، فظنوا أن الأزمة ستُحل سياسيًا قبل تفاقمها.
 
لكن الأحداث تسارعت بشكل دراماتيكي في اليوم الأربعين للحصار، حين قرر المتمردون اقتحام الدار قبل وصول الإمدادات العسكرية، ورغم محاولة عدد من الصحابة وأبنائهم منعهم، تمكنوا من الدخول إلى البيت من الدور المجاورة، وكان عثمان في تلك اللحظة يقرأ القرآن، وقد امتنع عن القتال تنفيذًا لموقفه الرافض لإراقة الدماء.
 
وفي يوم الجمعة 18 من ذي الحجة سنة 35 للهجرة، قُتل عثمان بن عفان وهو صائم، عن عمر ناهز 82 عامًا، وخلال الهجوم، أصيبت زوجته نائلة بنت الفرافصة حين حاولت الدفاع عنه، كما جُرح الحسن بن علي بسهم أثناء الاشتباكات.
 
لكن مأساة الحدث لم تتوقف عند اغتيال الخليفة، بل امتدت إلى ما بعد ذلك، فقد تُرك جسده ثلاثة أيام دون دفن بسبب رفض المتمردين السماح بدفنه، قبل أن يتم نقله ليلًا ودفنه في منطقة «حش كوكب» المجاورة للبقيع، والتي كانت تُستخدم آنذاك كمقبرة لليهود، ولم يحضر جنازته سوى عدد قليل من الصحابة وأقاربه.
 
كان هذا الحدث بداية مرحلة جديدة من الصراع داخل الدولة الإسلامية، فبمقتل عثمان، انفتح باب واسع للخلافات السياسية والعسكرية بين المسلمين، وهو ما تجسد لاحقًا في معارك كبرى مثل الجمل وصفين، وقد أدرك بعض معاصري الحدث خطورته منذ اللحظة الأولى؛ إذ نقل عن ثمامة بن عدي القرشي، عامل عثمان على صنعاء، قوله حين بلغه الخبر: «اليوم انتُزعت خلافة النبوة من أمة محمد وصارت ملكًا وجبرية».
 
وهكذا، لم يكن مقتل عثمان مجرد حادثة اغتيال سياسي، بل كان نقطة تحول تاريخية أدخلت العالم الإسلامي في مرحلة من الاضطراب السياسي العميق، فقد أدى الحدث إلى تفكك حالة الإجماع التي كانت تحيط بمؤسسة الخلافة، وفتح الباب أمام صراعات طويلة حول السلطة والشرعية، ما جعل من تلك اللحظة بداية لما عُرف في كتب التاريخ الإسلامي بـ«الفتنة الكبرى».
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق