من أرض الهجرة| رجال المال (3): سعد بن أبي وقاص.. صاحب ثروة استخدم الأموال وسيلة للعمران وخدمة المجتمع
الإثنين، 09 مارس 2026 09:00 ص
محمد الشرقاوى
في سجلّ الصحابة الكبار يبرز اسم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه باعتباره واحدًا من أعلام الجيل الأول في الإسلام؛ رجل جمع بين السبق في الإيمان، والشجاعة في القتال، والحكمة في إدارة المال والمجتمع. فهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن السابقين الأولين إلى الإسلام، وأحد الذين شهدوا بدرًا والحديبية، كما كان من الستة الذين جعلهم الخليفة عمر بن الخطاب أهلًا للشورى في أمر الخلافة.
حاز منزلة خاصة عند النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حتى قال له يوم أحد: «ارمِ سعد، فداك أبي وأمي»، وهي عبارة لم تجمع الأبوين لأحد من الصحابة غيره، في إشارة إلى ثقته بشجاعته ومكانته بين أصحابه.
ولد سعد في مكة من بني زهرة، وهم أخوال النبي صلى الله عليه وسلم، وكان إسلامه مبكرًا للغاية؛ إذ أسلم وهو في نحو السابعة عشرة من عمره، وقد عبّر عن هذا السبق بقوله: «ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبع ليالٍ وإني لثلث الإسلام»، وفي تلك السنوات الأولى من الدعوة عاش سعد مع المسلمين مرحلة شديدة القسوة، حين كانوا قلة يواجهون الاضطهاد وشظف العيش، حتى إنه يروي أنهم كانوا أحيانًا يقتاتون على ورق الشجر من شدة الفقر.
غير أن التحولات الكبرى التي شهدها العالم الإسلامي لاحقًا غيّرت ملامح الواقع الاقتصادي والاجتماعي للدولة الناشئة، فمع اتساع الفتوحات وتدفق الموارد، تشكلت طبقة من الصحابة الذين جمعوا بين المسؤولية السياسية والنشاط الاقتصادي المشروع، وهنا برز سعد بن أبي وقاص بوصفه واحدًا من رجال المال البارزين في المجتمع الإسلامي المبكر، إذ استطاع أن يجمع ثروة معتبرة دون أن ينفصل عن القيم التي نشأ عليها الجيل الأول من المسلمين.
وتذكر المصادر التاريخية أن سعد كان من أكثر أهل المدينة مالًا، وهو ما يعكس حجم النشاط الاقتصادي الذي ارتبط باسمه في تلك المرحلة، فقد امتلك أموالًا وعقارات، حتى عُرف أن له قصرًا في منطقة العقيق على بعد نحو سبعة أميال من المدينة المنورة، وهو المكان الذي توفي فيه سنة 55 للهجرة قبل أن يُنقل إلى المدينة ليدفن فيها، كما تشير الروايات إلى أنه حين أرسل زكاة ماله بلغت خمسة آلاف درهم، وهو رقم يعكس حجم ثروته في ذلك الوقت.
ورغم هذا اليسر المالي، لم يكن المال في حياة سعد وسيلة للتفاخر أو الترف، بل كان جزءًا من رؤية أخلاقية أوسع تقوم على المسؤولية الاجتماعية، فقد عُرف عنه الكرم والسخاء، وكان يحرص على الإنفاق في وجوه الخير ومساعدة المحتاجين، في تقليد شائع بين كبار الصحابة الذين رأوا في المال أداة لبناء المجتمع وتثبيت دعائمه.
ومن أكثر المواقف دلالة على رؤية سعد للمال ما حدث حين مرض في مكة أثناء حجة الوداع، حتى ظن أنه قد يموت هناك، وفي تلك اللحظة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ماله، إذ كان من أصحاب الثروة، فقال: «يا رسول الله، إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بمالي كله؟» فقال له النبي: «لا»، قال: «فالشطر؟» قال: «لا». قال: «فالثلث؟» فقال النبي: «الثلث، والثلث كثير».
لم تكن هذه الحادثة مجرد مسألة فقهية تتعلق بالميراث، بل كشفت عن عقلية اقتصادية أخلاقية كانت تتشكل في المجتمع الإسلامي المبكر، فقد أراد سعد أن يجعل ماله كله صدقة قبل موته، لكن النبي وجّهه إلى مبدأ التوازن بين الصدقة والمسؤولية الأسرية، مؤكدًا أن ترك الورثة في حالة غنى خير من تركهم عالة على الناس. ومنذ ذلك الوقت أصبح حديث سعد هذا أحد الأحاديث المؤسسة لأحكام الوصية في الفقه الإسلامي.
إلى جانب نشاطه الاقتصادي، لعب سعد دورًا سياسيًا مهمًا في الدولة الإسلامية، فقد ولاه الخليفة عمر بن الخطاب ولاية الكوفة، وهي مدينة ناشئة كانت تمثل مركزًا عسكريًا واقتصاديًا مهمًا في العراق، ورغم الشكاوى التي رفعها بعض أهلها ضده، حتى قيل إنهم شكوه «في كل شيء حتى في الصلاة»، فإن عمر بعد التحقق قال له: «ذاك الظن بك»، في إشارة إلى ثقته في نزاهته وعدالته.
لقد جسّد سعد بن أبي وقاص نموذجًا مبكرًا لرجل المال المسؤول في التاريخ الإسلامي؛ قائدًا شارك في صناعة التحولات الكبرى للدولة، وصاحب ثروة أدرك أن المال ليس غاية في ذاته، بل وسيلة للعمران وخدمة المجتمع. وهكذا بقي اسمه حاضرًا في الذاكرة الإسلامية مثالًا للتوازن بين الإيمان والعمل، وبين الثروة والمسؤولية.