اللواء أركان حرب الدكتور وائل ربيع: لـ«صوت الأمة»: الحرس الثوري يدير إيران وعملياتها العسكرية حالياً.. وسيناريو فنزويلا لن يتكرر في طهران

الأحد، 08 مارس 2026 05:00 م
اللواء أركان حرب الدكتور وائل ربيع: لـ«صوت الأمة»: الحرس الثوري يدير إيران وعملياتها العسكرية حالياً.. وسيناريو فنزويلا لن يتكرر في طهران
حوار: محمود علي

جيش الاحتلال يطبق "نظرية قطع الرأس" لإحداث فراغ في مراكز صنع القرار وإرباك منظومة القيادة 
الحرب ستستمر طويلاً ولن ينهيها الا خيار شمشون.. والنتيجة ستيعد رسم توازنات القوة الإقليمية
مضيق هرمز ورقة ضغط استراتيجية في يد القيادة الإيرانية لتهديد الملاحة والطاقة العالمية والسير في حرب استنزاف

 
 
لحظة إقليمية فارقة تشهدها المنطقة، بتنفيذ إسرائيل والولايات المتحدة تهديداتهما على مدار الأشهر الماضية بتوجيه ضربات عسكرية واسعة ضد إيران استهدفت رأس الحكم بالداخل، ما أدى إلى تقاطع كل الحسابات العسكرية وقلب طاولة المفاوضات رأسًا على عقب، مع رهانات محسوبة على تغيير في نظام الحكم، واختبار توازنات الردع على أكثر من جبهة، ليبرز سؤال جوهري: هل تمثل الضربات الإسرائيلية–الأمريكية على إيران، وما صاحبها من عملية اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين، نقطة كسر في بنية الدولة الإيرانية، أم أنها بداية مرحلة جديدة من الصراع طويل الأمد؟
 
اللواء أركان حرب الدكتور وائل ربيع، مستشار مركز الدراسات الاستراتيجية بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا، والخبير في الأمن الإقليمي، في حواره مع "صوت الأمة" يقدم قراءة تفصيلية لتداعيات ما تشهده إيران من تطورات متسارعة، بداية من استمرار الضربات المتبادلة والاغتيالات على الداخل الإيراني، ومستقبل الحرب، وتوازنات المنطقة. وإلى نص الحوار.

كيف تقرأ من منظور عسكري عملية اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين الإيرانيين؟ وما تداعيات ذلك على الداخل الإيراني ومستقبل الحرب؟
لا شكّ طبعًا أن عمليات اغتيال القيادات من المستوى الأول والثاني في الدول، كما حدث في إيران خلال عمليات يونيو الماضي، وما جرى في لبنان، وكذلك ما شهدناه مع قيادات في قطاع غزة، أصبحت تمثل استراتيجية واضحة لجيش الاحتلال الإسرائيلي تقوم على ما يُعرف بـ"نظرية قطع الرأس"، وهذه النظرية تقوم على تفريغ الدولة من قياداتها السياسية والعسكرية العليا، بهدف إحداث فراغ في مراكز صنع القرار وإرباك منظومة القيادة والسيطرة، وفي الحالة الإيرانية، لم يقتصر الأمر على استهداف المرشد الإيراني، بل شمل كذلك وزير الدفاع، وقائد الحرس الثوري الإيراني، ورئيس الأركان، ومدير الاستخبارات، ومستشار المرشد للأمن القومي، وجميع هذه الشخصيات ذات ثقل كبير، ومن شأن غيابها أن يؤثر بصورة مباشرة على هيكل القيادة داخل المؤسسة العسكرية وكذلك داخل بنية الدولة ككل.
 
غير أن التقديرات الإسرائيلية والأمريكية كانت تراهن على أن يؤدي هذا النوع من الضربات إلى تحريك الشارع الإيراني ودفعه نحو حالة تمرد أو ثورة داخلية، وهو ما عبر عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حين تحدث عن أن الشعب الإيراني قد "يسترد دولته"، لكن ما حدث كان على العكس تمامًا؛ إذ أظهرت التطورات أن الدولة والمجتمع في الداخل الإيراني اتجها إلى الالتفاف حول النظام، وتعزيز التماسك الداخلي بدلًا من الانقسام.

دور وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية كشف عمق اختراق غير مسبوق.. هل يعكس ذلك انهياراً أمنياً داخل البنية الإيرانية؟ 
مستوى التنسيق بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل كان على أعلى مستوى، خاصة في مجال الاستخبارات وتبادل المعلومات الاستخباراتية، لاسيما مع الدور البارز لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في هذا السياق، وخلال العملية العسكرية ضد إيران، كان واضحًا حجم التنسيق بين الجانبين، كما بدا جليًا توزيع الأدوار بشكل دقيق، فقد تولّت إسرائيل استهداف عدد من الأهداف داخل العمق الإيراني، بما في ذلك مواقع وقواعد صاروخية في الجانب الغربي، إلى جانب أهداف عسكرية داخلية، وفي المقابل، ركزت الولايات المتحدة الأمريكية على مناطق الساحل والمنتصف وصولًا إلى طهران، مع استهداف مراكز الحرس الثوري الإيراني، والقوات البحرية الإيرانية، والبنية المرتبطة بالساحل الإيراني، كما أن التركيز على الساحل الإيراني عكس توجهًا واضحًا نحو قطع الطريق أمام أي تحركات بحرية محتملة، ومنع إيران من تنفيذ عمليات بحرية أو التلويح بإغلاق مضيق هرمز.

فيما يتعلق بالرد الإيراني والذى شمل دول الخليج، هل كان الرد محسوباً لردع محدود، أم أنه تمهيد لتوسيع رقعة الاشتباك؟
رد إيران بضرب الداخل الإسرائيلي، بالإضافة إلى استهداف قواعد أمريكية في المنطقة، جاء محسوبًا من جانب القيادة الإيرانية وعلى أكثر من مستوى قيادي، وفي هذا السياق، أبلغت إيران الولايات المتحدة الأمريكية بموقفها بشكل واضح، كما صدر إعلان رسمي عن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أكد فيه أنه إذا تم تنفيذ أي عملية ضد إيران، حتى ولو كانت محدودة، فإن جميع المصالح الأمريكية في المنطقة ستكون هدفًا مشروعًا للصواريخ الإيرانية.
 
ومن هنا جاءت عمليات قصف إسرائيل، وكذلك سقوط صواريخ في عدد من الدول العربية، بما مثّل انتهاكًا لسيادة هذه الدول، وبالطبع، شجبت مصر هذا الموقف، وأكدت مع الدول العربية رفضها لانتهاك سيادتها من قبل إيران، وتمسّكها الكامل باحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها.

في ظل الرسائل التي مُنعت بموجبها السفن من عبور مضيق هرمز.. إلى أي مدى يمكن لطهران استخدام المضيق كسلاح استراتيجي؟ 
كان واضحًا منذ البداية أن هذه الأداة كانت ضمن الخيارات المطروحة لدى إيران في أي عملية عسكرية، وهي التلويح بإغلاق مضيق هرمز، باعتباره ورقة ضغط استراتيجية مؤثرة، فهذا المضيق يؤثر بشكل مباشر على سوق الطاقة العالمي، إذ يمر عبره نحو 20% من إمدادات الطاقة في العالم، ما يجعله شريانًا حيويًا للاقتصاد الدولي.
 
ومع بداية التهديدات الإيرانية بمنع السفن من عبور مضيق هرمز، أعلنت بريطانيا أن المضيق لا يزال مفتوحًا وأن السفن تعبر بصورة طبيعية، في إشارة إلى عدم الانصياع للتحذيرات الإيرانية، إلا أنه مع استمرار الموقف وعدم الاستجابة للرغبة الإيرانية، بدأت إيران في استهداف بعض الناقلات الموجودة في منطقة الخليج، وهو ما انعكس بشكل مباشر على حركة الملاحة، وأدى إلى تأثر الملاحة في مضيق هرمز وصولًا إلى تعطّلها بشكل كامل.

مع تصاعد المواجهة في لبنان ودخول حزب الله على خط الاشتباك، هل نحن أمام تفعيل شامل لأذرع إيران أم أن طهران تتعمد ضبط إيقاع الحلفاء لتجنب حرب إقليمية شاملة؟
لا شك أن هناك اعتقادًا بأن إيران مارست ضغوطًا على حزب الله للتحرك عقب عملية اغتيال المرشد علي خامنئي، وأن ذلك كان أحد العوامل الفاعلة في تصعيد الحزب لعملياته ضد إسرائيل، رغم وجود ما يشبه التفاهم أو الاتفاق بينه وبين الحكومة اللبنانية على عدم التصعيد.
 
وإذا لاحظنا المشهد الأوسع، نجد أن الحوثيين أعلنوا كذلك نيتهم الدخول في المواجهة، كما أن فصائل عراقية فتحت جبهة داخل العراق واستهدفت القواعد الأمريكية الموجودة في أربيل، وفي ضوء ذلك، إذا استمر التصعيد من جانب إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، فمن المرجح أن نشهد مزيدًا من التصعيد خلال الفترة المقبلة، سواء على الساحة العراقية أو اللبنانية، أو من جانب الحوثيين في اليمن جنوبًا.

الرئيس الأمريكي تحدث عن إمكانية استمرار العمليات لأسابيع..من منظور عسكري، هل تمتلك إيران القدرة على تحمّل حرب استنزاف طويلة أم ستلجأ إلى الحل السياسي؟
هذا التقدير يظل مسألة معقدة وصعبة الحسم، فوفقًا لما صرح به دونالد ترامب، فإن معدل الإنتاج الشهري لإيران من صواريخ أرض أرض يبلغ نحو خمسين صاروخًا شهريًا، وإذا افترضنا بغض النظر عن المخزون الاستراتيجي المتراكم أنه منذ يونيو 2025 وحتى مارس 2026، فمن المرجح أن إيران تمتلك حجمًا كبيرًا من الصواريخ، غير أن المسألة لا تتعلق بعدد الصواريخ فقط، فالأهمية لا تكمن في المخزون بقدر ما تكمن في منصات الإطلاق، إذ إن إيران اعتمدت على وضع عدد من القواذف داخل كهوف ومنشآت تحت الجبال، بحيث تخرج المنصة، تطلق الصاروخ، ثم تعود مجددًا إلى موقعها المحصن، ومن هذا المنطلق، يُعتقد أن إيران تمتلك قدرة على الاستمرار في نمط من الاستنزاف ضد إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.
 
إلا أن ما قد ينهي هذا المسار هو اللجوء إلى ما يُعرف بخيار "شمشون"، أو إقدام واشنطن على تنفيذ عمليات قصف شاملة تستهدف البرنامج النووي الإيراني بالكامل، وهذا السيناريو قد يؤدي إلى تلوث إشعاعي واسع النطاق في المنطقة، مع احتمالية امتداد آثاره إلى مدن عدة.
 
وفي هذا السياق، أعلنت روسيا مؤخرًا استعدادها لإخلاء جميع خبرائها الموجودين في مفاعل بوشهر فورًا، كما وجّهت الولايات المتحدة على لسان نائبة وزير الخارجية تحذيرًا لجميع الأمريكيين الموجودين في 14 دولة بالمنطقة بضرورة المغادرة الفورية، واستخدام أي وسيلة تجارية متاحة للخروج من دول الخليج بالكامل، إضافة إلى العراق وسوريا وحتى إسرائيل نفسها.
 
وهذه المؤشرات قد ترجّح أن المرحلة المقبلة قد تشهد تصعيدًا شديدًا، ومع ذلك، فإن خيار الاستنزاف يظل قائمًا، خاصة أن لإيران تجربة تاريخية في حروب الاستنزاف، إذ خاضت حربًا استمرت ثماني سنوات مع العراق، وشهدت تلك الفترة استنزافًا متبادلًا لكلا البلدين مع إصرار على مواصلة القتال طوال تلك المدة.

هل اعتبرت طهران أن إسرائيل تخطت الخط الأحمر النهائي باغتيال المرشد؟
طبعًا، فأغلب الأدوات التى لدى إيران تم استخدامها على الأرض، فقد جرى استهداف العمق الإسرائيلي بصورة مباشرة، مع ضربات طالت تل أبيب وبيت شيمش والقدس، وخلّفت آثارًا كبيرة داخل إسرائيل، كما تأثرت الملاحة الدولية بشكل واضح نتيجة إغلاق مضيق هرمز، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على حركة التجارة والطاقة عالميًا، أما فيما يتعلق بمنشآت الطاقة خارج إيران، فقد تم بالفعل استهداف منشآت طاقة موجودة في السعودية وقطر، وأدى ذلك إلى إغلاق عدد من هذه المنشآت، وهو ما وسّع من دائرة التأثير لتتجاوز ساحة المواجهة المباشرة، وتمتد إلى قطاع الطاقة الإقليمي والدولي.

مع إعلان مجلس قيادة مؤقت وعودة اسم علي لاريجاني إلى الواجهة، هل الحرس الثوري مرشح لتعزيز قبضته؟
الحرس الثوري الإيراني هو الذي يدير العمليات العسكرية في إيران في الوقت الراهن بصورة كاملة، فهو الجهة المسؤولة عن تنفيذ القصف الصاروخي، كما يتولى عمليات التأمين والإجراءات الأمنية الجارية داخل البلاد، ومن ثم، يُعد الحرس الثوري المرشح الأبرز للاستمرار في تعزيز قبضته على مفاصل القوات المسلحة في إيران، وترسيخ دوره المركزي في إدارة المشهد العسكري والأمني خلال هذه المرحلة.

في ضوء دعوة ترامب الإيرانيين للتحرك وحديثه عن سيناريو فنزويلا، ما مدى واقعية فرض تغيير النظام من الخارج في دولة بحجم وتعقيد إيران؟
اعتقاد ترامب ودعوته الإيرانيين للتحرك، مع الحديث عن سيناريو على غرار فنزويلا، يهدف إلى طرح فكرة فرض تغيير النظام من الخارج في دولة بحجم إيران وعقيدتها السياسية والدينية، لكن فى الواقع، هذا السيناريو مستبعد تمامًا في إيران، فلا يمكن أن يتكرر نموذج ما جرى في فنزويلا، ولا يمكن أن يتم وضع شخص مثل ابن رضا بهلوي على رأس الحكم كما حاولوا من قبل مع الخميني الكبير، الموقف الإيراني الراهن يوضح أن هذا الاحتمال غير وارد عمليًا، وأن الدولة والشعب الإيراني سيظلان متمسكين بنظامهم ومؤسساتهم.

استراتيجياً، ما السيناريوهات الأكثر ترجيحاً خلال الأسابيع المقبلة؟ حرب إقليمية واسعة؟ تسوية سريعة بوساطة دولية أم المنطقة؟
برأيي، إذا لم تلجأ الولايات المتحدة الأمريكية إلى توجيه ضربة نووية قوية أو ضربات شاملة تستهدف المنشآت النووية الإيرانية لإنهائها نهائيًا، فإننا أمام سيناريو صراع طويل من شأنه أن يعيد تشكيل التوازنات في المنطقة بشكل كامل.

وفي ظل اتساع رقعة الضربات المتبادلة واستهداف إيران لقواعد ومنشآت في الخليج، ما فرص تحرك قوى إقليمية لاحتواء الموقف؟
لا أعتقد أن أمريكا أو إسرائيل ستقبل بأي مفاوضات أو وقف لإطلاق النار قبل أن تحقق أهدافها المتمثلة في تدمير البرنامج النووي الإيراني، واستهداف برنامج الصواريخ الباليستية، وإنهاء النفوذ الإيراني في المنطقة عبر وكلائها.
ومع ذلك، أرى أن هذه الأهداف من الصعب جدًا أن تتحقق بالكامل، بل على العكس، نحن أمام صراع طويل، قد يكون متوسط أو شديد الحدة، من شأنه أن يعيد تشكيل التوازنات الإقليمية في المنطقة بشكل جذري.

وما هي خيارات موقف دول الجوار خاصة الأردن والعراق التي أصبحت ساحة لتبادل الضربات؟
العراق والأردن دولتان ذات سيادة، ومن حقهما الدفاع عن أنفسهما ووقاية أراضيهما من أي تهديدات خارجية، وقد اعتمدت هاتان الدولتان في هذا الإطار على الولايات المتحدة الأمريكية لتأمينهما، من خلال منظومات الدفاع الصاروخي مثل "ثاد" و"باتريوت"، إلا أن هذه المنظومات لم تكن كافية، إذ تمكنت الطائرات المسيرة الإيرانية وبعض الصواريخ من اختراق الدفاعات والوصول إلى أهداف داخل هذين البلدين.
أما بالنسبة للعراق، فالمشكلة الإضافية تكمن في وجود فصائل مسلحة موالية لإيران، بدأت فعليًا بالتحرك واستهداف المصالح الأمريكية المتواجدة في العراق، لا سيما في منطقة أربيل، ما زاد من تعقيد الوضع الأمني والسياسي هناك. 
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق