دينا الحسيني تكتب: أفريقيا تدفع فواتير "الجنون الجيوسياسي".. مَن يسدد فاتورة خنق القارة بصراعات الآخرين؟
الثلاثاء، 10 مارس 2026 09:52 م
لم يكن عام 1960، الذي عُرف تاريخيًا بعام الاستقلال الأفريقي، نهاية حقيقية لعقود الاستغلال التي تعرضت لها القارة السمراء، بل كان بداية مرحلة جديدة من الهيمنة غير المباشرة، فالقوى الاستعمارية التي انسحبت رسميًا من الدول الأفريقية تركت وراءها إرثًا ثقيلًا من الحدود المصطنعة، والصراعات الأهلية والانفصالية، وقواعد عسكرية تخنق السيادة الوطنية، وهياكل اقتصادية هشة تعتمد على تصدير المواد الخام واستيراد السلع الأساسية، لتصبح بمرور الزمن في مواجهة مشكلات اقتصادية وضغوط سياسية بلا حلول.
وفي وقت تحاول فيه القارة السمراء لملمة جراحها من تداعيات جائحة كورونا التي عصفت بالإنتاجية، ثم صدمة الحرب الروسية - الأوكرانية التي ضربت أمنها الغذائي، جاء التصعيد الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران ليضع أفريقيا في فوهة مدفع - لا ناقة لها فيه ولا جمل - وسط أحلام توسعية إسرائيلية وتجاهل غربي متعمد لحق الشعوب الإفريقية في التنمية والتعويض التاريخي عن جرائم الاستعمار، ها هي القارة تواجه موجة جديدة من الضغوط الاقتصادية نتيجة "التهور الأمريكي الإسرائيلي" وما ترتب عليه من اضطرابات عميقة في أسواق الطاقة والتجارة العالمية، لتجد القارة السمراء نفسها مجدداً في مواجهة أزمة تفرضها قوى الخارج وتتحمل شعوبها وحدها النتائج.
إن التساؤل الجوهري الذي يطرح نفسه فوق أنقاض سلاسل الإمداد المنهارة، هو: مَن سيعوض القارة الإفريقية عن هذه الخسائر الفادحة؟ ومن يضمن إلزام المجتمع الدولي بوضع حد لتهور القوى الكبرى الذي تسبب في هروب الاستثمارات الأجنبية وسحق العملات الإفريقية المحلية؟.. وبالتالي صار لزاماً وجود ضمانة دولية تعيد الحق لأصحابه، بدلاً من سياسة «تصدير الأزمات» التي تمارسها واشنطن وحلفاؤها، حيث تدفع الشعوب الإفريقية ثمن أطماع إمبريالية في الشرق الأوسط من قوت يومها ومستقبل أطفالها.
لقد تسببت الهجمات الأمريكية الإسرائيلية المتتالية على إيران في تفاقم حالة الفوضى واشتعال فتيل المواجهة في منطقة الخليج العربي، وبالتالي تصدع هيكلي بالاقتصاد القاري، ومع إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، وتهديد الملاحة في باب المندب، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين لمستويات قياسية، ومن ثم تأثر سلاسل الإمداد والتوريد، وهو ما لوحظ في التغيير القسري لمسارات التجارة نحو طريق "رأس الرجاء الصالح"، ما أدى إلى استنزاف مباشر لميزانيات الدول الإفريقية، حيث زادت مدة الشحن وارتفعت التكاليف بنسب تتجاوز 40%، مما أدى إلى قفزات جنونية في أسعار السلع الأساسية.
وتجلت المأساة بوضوح في دول مثل كينيا وإثيوبيا ورواندا، بالإضافة إلى نيجيريا وغانا اللتين واجهتا ضغوطاً غير مسبوقة على عملاتهما الوطنية (النايرا والسيدي)، ففي غانا، أدى ارتفاع تكاليف استيراد الغذاء والوقود إلى وصول معدلات التضخم لمستويات قياسية، مما سحق القوة الشرائية للمواطن البسيط×لقد دفع الارتفاع الحاد في أسعار نفط «برنت» ليتجاوز حاجز الـ 100 دولار للبرميل ميزانيات هذه الدول نحو الحافة، مما أدى إلى تضخم جامح وانهيار في قيمة العملات المحلية.
وفي جنوب إفريقيا، شهد «الراند» تراجعاً حاداً مع هروب الاستثمارات الأجنبية إلى «الملاذات الآمنة» كالذهب، تاركةً الأسواق الناشئة في مهب الريح، أما في مصر، فقد تضاعفت الضغوط على العملة المحلية والأسعار نتيجة تعطل سلاسل التوريد وارتفاع كلفة التأمين على الشحن في البحر الأحمر، مما اضطر الحكومة، كغيرها من الحكومات الإفريقية لفرض إجراءات اقتصادية قاسية وتقشفية لمواجهة تداعيات أزمة عالمية لا دخل لها بها.
إن الأرقام هنا تعكس واقعاً مريراً، فبينما تحقق شركات الطاقة العالمية مكاسب مؤقتة من دماء الشعوب، تخسر القارة الإفريقية مليارات الدولارات سنوياً من فرص الاستثمار الضائعة، وتعطل قطاع السياحة والطيران في دول مثل تنزانيا وجزر الموريس، وإلغاء الرحلات الجوية في المناطق القريبة من الصراع، زاد من عزلة القارة اقتصادياً، فضلاً عن الصناعات الإفريقية التي تعتمد على المواد الوسيطة المستوردة، التي وجدت نفسها «مقيدة»، مما يهدد بتقويض «أجندة الاتحاد الإفريقي 2063» وأهداف التنمية المستدامة لعام 2030.
وتقتضي العدالة الاقتصادية الدولية إعادة النظر في آليات الدعم والتمويل الموجهة للدول النامية، خصوصًا في أفريقيا، فالمطلوب اليوم، لم يعد مجرد مساعدات مالية محدودة، بل إطار دولي مُلزم يضمن تعويض الاقتصادات الأكثر تضررًا في إفريقيا من الصدمات العالمية، ويعزز قدرتها على الصمود في مواجهة الأزمات، كما أن المجتمع الدولي مطالب بتحمل مسؤولياته تجاه القارة الأفريقية، سواء عبر تخفيف أعباء الدين، أو توفير آليات تمويل عادلة لمواجهة الأزمات، أو دعم التحول نحو اقتصادات إنتاجية أكثر استقلالًا.
فإفريقيا، التي تضم أكثر من 1.4 مليار نسمة، ليست مجرد هامش في الاقتصاد العالمي، بل قارة تملك إمكانات بشرية وطبيعية هائلة، غير أن استمرار تجاهل آثار الصراعات الدولية على اقتصاداتها يهدد بتقويض فرص التنمية والاستقرار في واحدة من أهم مناطق العالم.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام المجتمع الدولي: إلى متى ستظل أفريقيا تدفع ثمن حروب الآخرين؟ ومن سيعوض القارة عن الخسائر الاقتصادية التي تتكبدها نتيجة صراعات لم تكن يومًا طرفًا فيها؟.. ربما آن الأوان أن تتحول المطالب الأفريقية بالتعويض والعدالة الاقتصادية من مجرد شعارات سياسية إلى التزام دولي حقيقي يضع حدًا لعقود طويلة من الظلم الاقتصادي.