حفلات رجال الأعمال.. وجبات سحور بملايين الجنيهات للوجاهة لا لـ "رمضان"
الأربعاء، 11 مارس 2026 12:00 م
هبة جعفر
وجاهة اجتماعية أم دعاية تسويقية أم تفاخر بمن يتفوق علي الاخر، في الماضي القريب كانت موائد الرحمن لرجال الأعمال والفنانين تشهد منافسة قوية بمن ينظم أكبر "مائدة رحمن" ويتفوق في تقديم ما لذ وطاب بها، لكن هذه الظاهرة قاربت على الاندثار لتظهر حفلات السحور والإفطار لرجال الأعمال وشركات العقارات والأدوية والتسويق، وبدأوا في اتخاذها بورصة لاستعراض النفوذ والقوة ليس فقط في مظاهر الأكل وتنوعه.
لكن في قائمة المدعوين من الوزراء ورجال السلطة والمال لتتحول بركة السحور إلى وسيلة لعقد الاتفاقات والصفقات المإلىة والاقتصادية، وكرنفال صاخب يرصد صور وفيديوهات لكبار الفنانين والفنانات وسيدات المجتمع بكبري الفنادق والخيمات الرمضانية، التي كلما زادت فخامتها زادت قدرة رجل الأعمال مإلىاً وطبقيا.
ويتسابق رجال الأعمال في حفلات السحور على دعوة نجوم المجتمع وتجهيز قائمة من المطربين وفرق الإنشاد والغناء لإحياء حفلات السحور التي تحولت من طقس ديني يجمع أفراد الأسرة في ود إلى استعراض اجتماعي وحفلات صاخبة في الفنادق، تنظمه شركات متخصصة في تقديم الطعام "الكاترينج"، بحثاً عن لقب أفخم سحور في رمضان، لينفق رجال الأعمال في سبيل ذلك مئات الملايين من الجنيهات، والتي لو وجهت لخدمات اجتماعية واقتصادية لكان العائد منها أكبر بكثير وساهم في مساعدة المئات من المحتاجين.. لقد كان من الممكن أن تُنفق هذه الأموال في دعم الأسر الأكثر احتياجاً؛ لكن الرغبة في الظهور الإعلامي والدعاية والتفاخر غلبتهم، وجعلتهم يتغاضون عن ذلك، وفي هذا التقرير، نرصد كيف تحول "السحور" من جلسة عائلية بسيطة إلى أداة للعلاقات العامة وفرصة للفخر الطبقي.
الدكتور عز حسانين الخبير الاقتصادي، قال لـ"صوت الأمة" إن ظاهرة "سحور رجال الأعمال" في مصر تحولت من مجرد مناسبة اجتماعية إلى أداة "بريستيج" مؤسسي وتسويقي، وهو أمر يثير الجدل عند مقارنة تكإلىفها بالوضع الاقتصادي الراهن، لافتاً إلى أن الامر غير محصور على رجال الأعمال فقط، وإنما يمتد لشركات ومؤسسات وبنوك تقوم بعمل سحور أو إفطار جماعي للعاملين بهذه المؤسسات.
وأشار حسانين إلى أن التكلفة تختلف بناءً على الفندق، وعدد المدعوين، ومستوى الترفيه (الفقرات الفنية)، ولكن يمكن وضع تقدير تقريبي بناءً على أسعار السوق الحإلىة في الفنادق الكبرى بـالقاهرة، فتكلفة الفرد الواحد في حفل السحور قد تصل إلى ما تتراوح غالباً بين 1500 إلى 3,500 جنيه مصري (شاملة الخدمة والضريبة)، وقد تزيد في الخيم الرمضانية الشهيرة التي تقدم بوفيهات مفتوحة فاخرة، بالإضافة إلى أنه إذا كان السحور خاصاً بشركة ما في "خيمة رمضانية فاخرة" أو قاعة فندق كبير، تضاف تكاليف الديكور، والإضاءة، وأنظمة الصوت، والتي تبدأ من 200 ألف وتصل إلى مليون جنيه في المناسبات الضخمة، وبالتالي يصل إجمالي المدعويين لمناسبة متوسطة (200 - 300 شخص)، بتكلفة تتراوح بين 800 ألف و1.5 مليون جنيه وفي بعض الأحيان قد تصل إلى 2 مليون جنيه.
وأوضح الخبير الاقتصادي، أنه من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، هناك عدة زوايا لرؤية هذا البذخ، ففي ظل التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية، تظهر هذه المبالغات كنوع من "الانفصال عن الواقع"، مما قد يؤثر سلباً على الصورة الذهنية للشركات أمام الجمهور، ويندرج نحو الاستفزاز المجتمعي، واقتصادياً، وبالنظر إلى "التكلفة البديلة" لهذه الملايين من الجنيهات مرتفعة جداً، فالمبلغ الذي يُنفق في ليلة واحدة يمكنه سد احتياجات مئات الأسر لعدة أشهر.
وحول التساؤل هل الأفضل توجيه هذه الأموال لدعم الأسر؟.. يجيب حسانين أن الإجابة القصيرة هي "نعم"، وبشكل قاطع، ولكن من منظور المسؤولية الاجتماعية للشركات يمكن دمج الأمرين بذكاء، التحول من "المظاهر" إلى "الأثر فبدلاً من إقامة سحور باذخ، يمكن للشركات تنظيم "سحور خيري" بسيط وتوجيه الميزانية المرصودة (التي قد تصل لمليون جنيه على أقل تقدير) لشراء كراتين مواد غذائية يتم توزيعها للفقراء في محافظات مصر المختلفة، وفي ظل ظروف الحرب، يساهم الدعم النقدي أو العيني للأسر الأكثر احتياجاً في الحفاظ على "السلم الاجتماعي" وهو مصلحة مباشرة لرجال الأعمال أنفسهم لاستقرار السوق.
هناك بعض رجال الأعمال يبررون مثل هذه المناسبات بأنها "بيزنس" لتقريب وجهات النظر وإتمام صفقات، لكن في ظل الأزمات، تصبح "الشهامة المؤسسية" هي العملة الأغلى والأكثر تأثيراً في الاقتصاد الحقيقي، وهو ما يتفق مع الخبير الاقتصادي مدحت نافع، مضيفاً أن الأمر تطور الى ما يشبه متطلبات الدعاية وعشاء العمل وما يرتبط بهما من تعزيز شبكات التعارف، الاقتصاد فيها مطلوب خاصة مع روح الشهر الفضيل وضرورات التقشف التي أصبحت وشيكة على خلفية الحرب.