الدكتور محمد الضويني وكيل الأزهر الشريف في حوار مع «صوت الأمة»: مواجهة الفكر المتطرف مسؤولية شرعية ووطنية وإنسانية

السبت، 14 مارس 2026 04:30 م
الدكتور محمد الضويني وكيل الأزهر الشريف في حوار مع «صوت الأمة»: مواجهة الفكر المتطرف مسؤولية شرعية ووطنية وإنسانية
حوار- منال القاضي

حملة «وعي» هدفها تحصين الشباب والمجتمع من الأفكار المغلوطة وترسيخ الوسطية والاعتدال 
الأزهر حصنًا فكريًا للمجتمع يحافظ على الهوية ويفكك الخطاب المتطرف علميًا ودوره وقائى فى بناء الوعي 
التراث ليس مجرد نصوص جامدة.. والتجديد الذي ننشده لا يعني التفريط في الثوابت بل تحديث أساليب الفهم والعرض والتطبيق
الفوضى المعرفية حولت المنصات الإلكترونية إلى ساحة مفتوحة لخطابات غير منضبطة يختلط فيها الرأي بالفتوى
الواعظات الأزهريات دورهن "مكمل" ومؤثر في الفتاوى النسائية بالتواصل المباشر مع السيدات داخل المساجد في صلاة التراويح
 
 
تحديات كثيرة تواجه الأزهر الشريف في الوقت الراهن، أبرزها نشر التعاليم الدينية الوسطية في اتساع الفضاء الرقمي وما يحمله من فوضى معرفية؛ وكذلك ما يتعرض له الأزهر من انتقادات كثيرة بشأن التراث وتجديد الخطاب الدينى، ودوره في مواجهة الخطاب المتطرف.
 
الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر الشريف، أكد في حواره مع "صوت الأمة" أن هناك الكثير من التحديات التي تعمل المؤسسة الأزهرية على التعامل معها حالياً، لكنه شدد على أن التحدي الأكبر هو بناء وعي نقدي لدى الأجيال الجديدة، يمكّنهم من التمييز بين الخطاب الديني الرصين والدعوات المنحرفة، ويحصّنهم من الوقوع في براثن الغلو أو المتفلت.  
 
الضوينى، تناول في الحوار ما يقوم به "الأزهر الشريف" من برامج ومبادرات خلال شهر رمضان، وكذلك دور الواعظات الأزهريات، وغيرها من القضايا التي تناولناها معه.. 
 
وإلى نص الحوار.. 

بداية، ما حجم الظواهر التي رصدها مرصد الأزهر الشريف في هذا الشهر وما نوعية هذه الظواهر؟ 
 
يشهد شهر رمضان المبارك عادةً كثافةً ملحوظة في الخطاب الديني والإعلامي على المستويين المحلي والدولي، ما ينعكس على طبيعة الرصد والتحليل الذي يقوم به مرصد الأزهر؛ إذ تتزايد المواد المنشورة عبر المنصات الرقمية، وتتضاعف الرسائل الموجَّهة إلى الجمهور، ما بين محتوى دعوي منضبط يواكب الأجواء الروحية للشهر الكريم، وشبهات أو أطروحات مشوشة يسعى البعض من خلالها لاستغلال الأجواء الرمضانية لتحقيق أهداف أيديولوجية أو تمرير رؤى مؤدلجة، مما يستدعي يقظةً علمية وإعلامية متواصلة.
 
ويركز المرصد على رصد الظواهر التي قد تهدد الفهم السليم للنصوص الدينية، مثل التفسيرات المبتورة للآيات القرآنية، وإعادة إنتاج شبهات قديمة، وحملات تشويه تستهدف الإسلام والسنة النبوية ومصادر التشريع الإسلامي. ويواجه المرصد هذه الظواهر من خلال حملة «وعي» التي أطلقها الأزهر الشريف بالتزامن مع بداية شهر رمضان  لهذا العام، تحت إشراف نخبة من العلماء والباحثين، بهدف تحصين الشباب والمجتمع من الأفكار المغلوطة، وترسيخ منهج الوسطية والاعتدال القائم على الحجة والدليل.
 
وتتضمن الحملة سلسلة من الفيديوهات القصيرة التي تُنشر عبر المنصات الرقمية الرسمية للأزهر، للرد على الشبهات، وحماية المجتمع من محاولات التشكيك في الثوابت الدينية، مع اعتماد المرصد على منهج علمي تحليلي يشمل دراسة السياقات، وتحليل بنية الخطاب وأهدافه، والرد عليه بلغات متعددة من خلال فرق متخصصة. ويُعد شهر رمضان، بما يحمله من رمزية دينية عالية وحضور جماهيري واسع، ساحة اختبار مهمة للخطاب الديني في الفضاء الرقمي، مما يضاعف دور المرصد في الحفاظ على وعي الناس وصون قيم الاعتدال والوسطية التي يقوم عليها منهج الأزهر الشريف.

ما دور الوعاظ الدعوى؟
وعاظ الأزهر الشريف يضطلعون بدور محوري خلال شهر رمضان في نشر ثقافة الوسطية والتراحم، انطلاقًا من رسالة الأزهر في ترسيخ الفهم الصحيح للدين وربط العبادة بالقيم والسلوك، فهم يتواجدون في المساجد والساحات العامة والملتقيات الدعوية، ويقدمون دروسًا وخطبًا تركز على معاني الاعتدال ونبذ الغلو وتصحيح المفاهيم الخاطئة التي قد تنتشر بين الناس، لا سيما فيما يتعلق بالصيام وأحكامه ومقاصده. كما يحرص الوعاظ على إبراز البعد الإنساني للصوم بوصفه مدرسة لتزكية النفس، وتعزيز روح التكافل والشعور بمعاناة المحتاجين، ليصبح رمضان فرصة عملية لغرس القيم الأخلاقية والروحية في المجتمع.

هل هذا الأمر ينطبق أيضاً على الواعظات في الازهر الشريف؟
تؤدي واعظات الأزهر أيضاً دورًا مكمّلًا ومؤثرًا فيما يتعلق بالفتاوى النسائية، من خلال التواصل المباشر مع السيدات داخل المساجد في صلاة التراويح، والملتقيات والبرامج التوعوية المختلفة، حيث يقدمن خطابًا دعويًا رصينًا يراعي خصوصية قضايا المرأة ويعالج ما يتعلق برمضان من أحكام الطهارة والصيام والتربية الإيمانية للأبناء، ويحرصن على استخدام لغة قريبة من الواقع تجمع بين الدقة العلمية والبعد التربوي، مع توجيه النصائح العملية التي تعزز الانضباط الديني والسلوك القويم في البيت والمجتمع.      

وهل تشارك الواعظات في القوافل الدعوية بالمحافظات؟
بالتأكيد يشاركن في هذه القوافل التي تتكثف في مختلف المحافظات، لفتح حوار مباشر مع المواطنين والاستماع إلى تساؤلاتهم والإجابة عنها بلغة واضحة تجمع بين الدقة العلمية والبعد التربوي. 

هل يمكن أن تحدثنا عن أهم الحملات التي يقوم بها الازهر لتوعيه المواطنين مواجهة الفكر المتطرف؟
الأزهر الشريف يرى أن مواجهة الفكر المتطرف وتعزيز منهج الوسطية مسؤولية شرعية ووطنية وإنسانية، وهذا ينطلق من رسالته التاريخية بوصفه منارة للعلم والفكر المعتدل في العالم الإسلامي، فالأزهر يقوم على منهج وسطي راسخ يميز بين صحيح الدين وسوء توظيفه، ويؤكد أن الغلو والتشدد انحراف عن مقاصد الشريعة التي جاءت لحفظ النفس والعقل والدين والوطن، ومن هذا المنطلق، يعمل الأزهر على تفكيك الخطاب المتطرف علميًا، وكشف أخطائه المنهجية في فهم النصوص، وبيان أن العنف والإقصاء لا يمتّان إلى جوهر الإسلام بصلة.
 
والأزهر يضطلع بدور وقائي يقوم على بناء الوعي قبل معالجة الانحراف، من خلال التعليم الأزهري، وتأهيل الأئمة والدعاة، وتكثيف حضوره في الإعلام والفضاء الرقمي، وتفعيل جهود مراكزه المتخصصة في الرصد والفتوى والحوار. ويستهدف هذا النهج تكوين إنسان واعٍ يمتلك أدوات الفهم الرشيد، ويستطيع التمييز بين النص والاجتهاد، وبين الدين وما يُنسب إليه زوراً، وبذلك يظل الأزهر حصنًا فكريًا للمجتمع، يعزز الاستقرار، ويحافظ على الهوية، ويقدّم نموذجًا دينيًا متوازنًا يجمع بين الثبات على الثوابت والانفتاح الواعي على واقع العصر، بما يضمن مواجهة التطرف من جهة، وتعزيز الوسطية والحوار البناء من جهة أخرى.

وكيف ترد على المشككين فى التعليم الأزهري؟
 
الأزهر يولي عناية خاصة بتقديم محتوى دعوي مبسّط عبر الوسائط الإعلامية والرقمية، يراعي تنوع الفئات العمرية والخلفيات الثقافية، ويعالج القضايا الأكثر تداولًا خلال رمضان، كأحكام الصيام، وزكاة الفطر، والاعتكاف، وصلاة التراويح والتهجد، وذلك في صياغة تجمع بين الدقة العلمية واللغة القريبة من الناس، وبهذا التكامل بين الحضور المباشر، والدروس العلمية، والفتوى الإلكترونية، والخطاب الإعلامي الرشيد، يؤدي الأزهر رسالته في ترسيخ الفهم الصحيح للصيام والعبادات، وتعميق الوعي بأن العبادة ليست طقسًا موسميًّا عابرًا، بل سلوكًا وقيمًا ومنهج حياة.

هناك أحاديث كثيرة عن التراث الإسلامي، وكتب التراث، كيف يعمل الأزهر للحفاظ على التراث، وفى نفس الوقت التعامل مع الانتقادات الموجهه لبعض القضايا التراثية؟
الأزهر الشريف ينطلق في تعامله مع التراث الإسلامي من رؤية علمية راسخة، تؤكد أن التراث ليس مجرد نصوص جامدة، بل هو خبرة حضارية تراكمت عبر قرون، تحمل في طياتها مقومات التجديد والاستجابة لمتغيرات الزمان والمكان. ومن هذا المنطلق، يحرص الأزهر على صون أصالة هذا التراث وتحقيق أقصى استفادة منه، مع إعادة قراءته قراءة واعية تستوعب تحديات العصر ومتطلبات الواقع المعاصر.
 
وخلال السنوات الأخيرة عمل الأزهر على تحديث مناهجه التعليمية لتحقيق هذا التوازن، إذ دمج العلوم الإنسانية والاجتماعية والتكنولوجية الحديثة إلى جانب العلوم العربية والشرعية، بما يعزز قدرة الطلاب على فهم الواقع والتفاعل معه بوعي، كما يولّي الأزهر اهتمامًا خاصًا بالقضايا المعاصرة مثل تعزيز قيم المواطنة، والتعايش السلمي، واحترام الآخر، ومواجهة الفكر المتطرف، من خلال مؤسساته التعليمية والدعوية، وفي مقدمتها مجمع البحوث الإسلامية وقطاع المعاهد الأزهرية ومرصد الأزهر لمكافحة التطرف.
 
كما أن التجديد الذي ينشده الأزهر لا يعني القطيعة مع التراث أو التفريط في الثوابت، بل يشمل تحديث أساليب الفهم والعرض والتطبيق، بما يبرز سماحة الإسلام ومرونته، ويؤكد قدرته على مواكبة التطورات الحضارية، مع الحفاظ على الثوابت القطعية التي تشكل هوية الأمة ومرجعتيها الدينية.
 
والمؤكد هنا أن مؤسسة الأزهر الشريف تحظى باحترام كبير على المستويين المحلي والدولي، لما تمثله من مرجعية علمية ودينية رصينة، ودور الأزهر في المجتمع المصري يتجاوز كونه مجرد مؤسسة تعليمية أو مرجعية دينية، ليصبح شريكًا فاعلًا في تعزيز القيم والوعي المجتمعي، ومواجهة التحديات المعاصرة. فهو يسعى لتقديم الدين بأسلوب يربط بين الثوابت الدينية ومتطلبات الواقع، بما يضمن حماية الهوية الدينية والثقافية للمجتمع، ويعزز الاستقرار الاجتماعي، ويقوي الروابط بين الأفراد داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع. كما يولي الأزهر اهتمامًا كبيرًا بتثقيف الشباب وتنمية وعيهم الفكري والديني، من خلال المناهج التعليمية، والبرامج الدعوية، والمبادرات المجتمعية التي تصقل القيم الأخلاقية وتدعم الانتماء الوطني والاجتماعي.

ماهي أهم وأخطر التحديات التي تواجه الأزهر مع انتشار التقدم في وسائل الاتصال الحديثة واستخدام الذكاء الاصطناعي؟
أبرز التحديات تتمثل في نشر التعاليم الدينية الوسطية في اتساع الفضاء الرقمي وما يحمله من فوضى معرفية؛ إذ أصبحت المنصات الإلكترونية ساحة مفتوحة لخطابات غير منضبطة، يختلط فيها الرأي بالفتوى، والعلم بالادعاء، مما يربك المتلقي، وهو ما يؤكد الحاجة الملحة للمرجعيات العلمية الموثوقة كالأزهر الشريف، فانتشار المحتوى المتطرف يشكل تحديًا حقيقيا خاصة حين يقدّم في قوالب إعلامية جذابة تستهدف فئة الشباب وتستغل حماسهم أو قلة خبرتهم.
 
ومن التحديات كذلك سرعة التحولات الفكرية والاجتماعية التي يفرضها الواقع المعاصر، وما تطرحه من قضايا جديدة في مجالات الطب الحديث والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والعلاقات الإنسانية، وهي قضايا تتطلب اجتهادًا مؤسسيًا منضبطًا يجمع بين التأصيل الشرعي وفهم الواقع. إلى جانب ذلك، يظل التحدي الأكبر هو بناء وعي نقدي لدى الأجيال الجديدة، يمكّنهم من التمييز بين الخطاب الديني الرصين والدعوات المنحرفة، ويحصّنهم من الوقوع في براثن الغلو أو المتفلت. ومع ذلك، فإن الأزهر يتعامل مع هذه التحديات باعتبارها فرصًا لتجديد أدواته وتطوير آلياته في التعليم والدعوة والتواصل، مستندًا إلى تراث علمي راسخ ومنهج وسطي متوازن.

وما رؤية الأزهر لاستخدام الذكاء الاصطناعي والوسائط الرقمية في مجالات الدعوة؟ 
استخدام الذكاء الاصطناعي والوسائط الرقمية يجب أن يكون وفق ضوابط شرعية وأخلاقية، مع التركيز على تقديم الخطاب الديني بأسلوب سلس وجذاب وفتح قنوات تفاعلية تمكن الجمهور من الاستفسار وفهم الدين بشكل صحيح. وفي هذا الإطار، استحدث الأزهر هذا العام كليتين بجامعة الأزهر للذكاء الاصطناعي، واحدة للبنين وأخرى للبنات، كما يعمل قطاع المعاهد الأزهرية على تنمية مهارات الطلاب في هذا المجال، من خلال مشروع المنصة اليابانية لتعليم البرمجة والذكاء الاصطناعي لطلاب المرحلة الثانوية، في خطوة نوعية نحو إعداد جيل أزهري يجمع بين الأصالة والمعاصرة ويواكب متطلبات العصر الرقمي والمعرفي.

تحدثت عن الطبيعة العالمية للأزهر، ما الدور الذى يمارس اليوم في دعم الحوار؟
الأزهر الشريف يمارس دورًا فاعلًا في دعم ثقافة الحوار، عبر المؤتمرات الدولية واللقاءات الثنائية مع القيادات الدينية والفكرية، والتأكيد المستمر على القواسم الإنسانية المشتركة، وفي مقدمتها قيم العدل والرحمة وكرامة الإنسان. ويتبنى الأزهر منهجًا مؤسسيًا للحوار يقوم على ثوابت دينية راسخة، وانفتاح واعٍ على الآخر، والاحتكام إلى المبادئ الجامعة التي تعزز السلام والتفاهم بين الشعوب.
 
وتجسّد هذا التوجه في مبادرات عملية مؤثرة، من أبرزها «وثيقة الأخوة الإنسانية» التي وقّعها فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب مع أخيه الراحل، قداسة البابا فرنسيس، والتي أصبحت إطارًا عالميًا لتعزيز ثقافة التعايش ونبذ خطاب الكراهية والتطرف، وأسهمت في ترسيخ مفاهيم المواطنة واحترام التعددية الدينية والثقافية. كما يمثل بيت العائلة المصرية نموذجًا وطنيًا رائدًا للتعاون بين الأزهر والكنيسة المصرية، حيث يعمل على احتواء الأزمات المجتمعية وتعزيز الروابط الوطنية بروح من المسؤولية والتكامل.
 
كما برز هذا الدور من خلال جولات «الحوار الحضاري بين الشرق والغرب» التي قادها فضيلة الإمام الأكبر مع الكنائس والمؤسسات الدينية والتعليمية العالمية، في العديد من دول وعواصم العالم، حيث عكست هذه اللقاءات إيمان الأزهر بأن التواصل المباشر والحوار الصريح هما الطريق الأمثل لتبديد سوء الفهم وتعزيز التعاون الإنساني المشترك.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة