الدكتور أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية لـ«صوت الأمة»: «ترامب» الوحيد الذي يملك قرار وقف الحرب.. والكل خاسر

السبت، 14 مارس 2026 07:00 م
الدكتور أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية لـ«صوت الأمة»: «ترامب» الوحيد الذي يملك قرار وقف الحرب.. والكل خاسر
حاوره: محمود على

الخيار النووي "صعب جدًا" ومشروط بصمود إيرانى يهدد بانكسار أمريكي أو إسرائيلي
مصر دولة ذات وزن.. وتل أبيب لا يسعدها وجود سياسة مصرية تتصدى بقوة لتوجهاتها التوسعية 
نتنياهو يحلم بشرق أوسط لا يعلو فيه الا صوت إسرائيل ويخلو من أي معارضة دبلوماسية أو عسكرية 
دول الخليج رغم الضربات الإيرانية ما زالت تتبنى سلوكًا رشيدًا يدعو إلى وقف التصعيد
 الدول العربية مطالبة بالبحث عن بديل أمني عربي مستقل يخدم مصالحها على المدى الطويل بعيدًا عن القواعد الأجنبية 
الحرب على إيران رسالة غير مباشرة للصين وروسيا.. والقضية الفلسطينية الأساس لحل مشاكل المنطقة 
 
 
تشهد المنطقة حاليًا مشهدًا إقليميًا معقدًا، تتقاطع فيه الصراعات والحروب مع التحولات الإقليمية والدولية، من غزة ولبنان والسودان إلى مواجهة إيران مع إسرائيل والولايات المتحدة، الأمر الذي يطرح تساءل مهم هل نحن أمام فوضى مختلقة معادلة الشرق الأوسط بأكمله؟.. ومن المستفيد من كل هذا الدمار؟ وكيف يمكن السيطرة عليه؟..
 
"صوت الأمة" حملت هذه الأسئلة ووضعتها أمام الدكتور أحمد يوسف أحمد، أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وأحد أبرز المتخصصين في العلاقات الدولية والأمن الاقليمى، والمدير الأسبق لمعهد البحوث والدراسات العربية، مقدماً رؤيته لما يحدث في المنطقة، ومستقبلها، مع تحليل لخريطة الحروب الحالية، الخيارات الاستراتيجية، والمصالح الدولية والإقليمية، واحتمالات الاستقرار والتحالفات المستقبلية..
وإلى نص الحوار.. 

في ظل اتساع رقعة الصراعات من غزة ولبنان والسودان إلى المواجهة الحالية بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، كيف يمكن قراءة خريطة الحروب المشتعلة حاليًا في المنطقة؟
بالتأكيد لسنا أمام صراعات منفصلة، بل إن بعض هذه الصراعات قد يكون إذا جاز التعبير صراعات فرعية، لكنني أريد التركيز على الصراع الأساسي في المنطقة، وهو الصراع العربي الإسرائيلي، الذي يرتكز على المشروع الصهيوني في فلسطين، منذ 1967 سيطرت إسرائيل على كل الأراضي الفلسطينية، وواصلت النشاط الاستيطاني، مع انسحاب مؤقت من غزة عام 2005، بينما يستمر الاستيطان في الضفة الغربية، ومؤخرًا أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن رؤيته لإسرائيل الكبرى، ما يعني التوسع في الأراضي العربية، وهو ما يُعد جوهر الصراعات الحالية.
 
ووسط ذلك، تتعامل إيران على أنها القوة الوحيدة التي تواجه المشروع الإسرائيلي عسكريًا، عبر دعم المقاومة الفلسطينية وحزب الله، الذي لعب دورًا مهمًا في إخراج إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000 ومواجهة عدوان 2006، لذلك فإن الهدف الإسرائيلي الرئيسي هو تقويض القوة الإيرانية والنظام في طهران.
ومن زاوية أخرى، فإن العلاقة الوثيقة بين إسرائيل والولايات المتحدة، وتأييد اللوبي الصهيوني، تُعزز هذا التوجه، إلى جانب مصالح أمريكية استراتيجية مرتبطة بمواجهة صعود الصين وضمان السيطرة على مصادر الطاقة العالمية، بما في ذلك إيران وفنزويلا.
 
وحينما بدأت الضربات الامريكية الإسرائيلية على إيران، ردت الأخيرة رداً "شاملاً"، مستهدفة القواعد الأمريكية في الخليج، كما يطال العراق ولبنان عبر فصائل مؤيدة لطهران، مع احتمالات مشاركة الحوثيين، ما يضاعف التعقيد الإقليمي ويحول الصراع إلى مواجهة متعددة الأبعاد بين المشروع الصهيوني، الرد الإيراني، والمصالح الأمريكية.

بعد وصول التصعيد إلى استهداف إيران قواعد أمريكية في الخليج، إلى أي مدى يمكن القول إن المنطقة دخلت مرحلة مواجهة مفتوحة قد تتجاوز حدود الحروب التقليدية؟
استخدام الخيار النووي في الحرب الحالية صعب جدًا لكنه ليس مستحيلاً، قد يُطرح فقط إذا صمدت إيران إلى حد يهدد بانكسار أمريكي أو إسرائيلي، لكن تداعياته ستكون هائلة، ما يجعله احتمالًا نادرًا جدًا.
 
والسيناريو الأكثر واقعية هو صمود إيران وإلحاقها خسائر موجعة، ما قد يدفع الولايات المتحدة للبحث عن وسيلة للخروج من الموقف، مثل الادعاء بتحقيق انتصار والحد من العمليات، رغم أن هذا قد يزعج إسرائيل.
 
باختصار، احتمال استخدام الأسلحة النووية محدود وشديد الصعوبة، لكنه يبقى من الخيارات النظرية في حالة تفاقم الوضع أو تجاوز حدود الحروب التقليدية.
 
برأيك من المستفيد من حالة الفوضى والحروب المتعددة في الشرق الأوسط، خاصة في ظل حديث متزايد عن محاولات لإعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة؟
في الوقت الحالي لا يوجد أحد مستفيد؛ فالكل متضرر، إيران تعرّضت لأضرار شديدة، وكذلك دول مجلس التعاون الخليجي والعراق تعرضوا لأضرار كبيرة، وحتى بالنسبة للدول التي لم تتدخل مباشرة أو بشكل غير مباشر في الحرب، فإنها أيضًا تتضرر، وأبسط مثال على ذلك ما ترتب على ارتفاع أسعار الطاقة، وهو أمر يؤثر على أي دولة في العالم.
 
 
لكن مع استمرار الحرب، فإنه بالتأكيد ووفقًا للنهاية التي ستنتهي إليها هذه الحرب، سيكون هناك مستفيدون، صحيح أنهم تحملوا خسائر، لكن قد تكون استفادتهم في النهاية أكبر من هذه الخسائر، فلو افترضنا أن الحرب انتهت لصالح إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، فسنكون بالتأكيد أمام تحقق حلم نتنياهو بشرق أوسط خالٍ من التهديدات، صحيح أن هذا الإنجاز بالنسبة له إن حدث سيكون مؤقتًا، لأن نتنياهو وأمثاله لو قرأوا التاريخ جيدًا لأدركوا أن مثل هذه الأوضاع غالبًا ما تكون مقدمة لصراعات جديدة.
 
لذلك، فإذا حسمت الحرب لصالح إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، فستكون هاتان الدولتان هما المستفيدتان بالتأكيد، رغم ما تحملتاه من خسائر، أما إذا انتهت الحرب بنتيجة متوازنة، بمعنى وقف إطلاق النار دون تحقيق انتصار حاسم لأي طرف، فلن يكون هناك مستفيد حقيقي، ومع ذلك قد تستطيع إيران في هذه الحالة أن تقول إنها خرجت منتصرة، لأن نظامها لم يسقط ولأن سياساتها لم تتغير، لكن في النهاية سيبقى الواقع أن الجميع خاسر.

في ظل تعدد مراكز القوة الدولية والإقليمية، من يملك فعليًا قرار وقف الحروب في المنطقة؟ وهل القرار بيد القوى الإقليمية أم القوى الكبرى التي تدير الصراع من الخلف؟
وقف الحرب سيكون أساسًا بيد الولايات المتحدة الأمريكية، وبالأخص الرئيس الأمريكي إذا رأى أن الخسائر تجاوزت توقعاته أو شكلت تهديدًا لمستقبله السياسي، مثل فقدان السيطرة على الكونجرس، في هذه الحالة قد يبحث عن طريقة للخروج من الحرب دون تحقيق أهدافه الكاملة، كما فعل ترامب مع الحوثيين العام الماضي حين وقع اتفاقًا لوقف إطلاق النار رغم استمرار قدراتهم.
 
أما نتنياهو، فقد بدأ الحرب بإجماع إسرائيلى واسع، لكنه قد يواجه ضغوطًا داخلية إذا استمر صمود إيران، بينما الرئيس الأمريكي يظل الأكثر قدرة على المبادرة بوقف الحرب، روسيا والصين لا يملكان دورًا رئيسيًا في إنهائها سوى دعم إيران بشكل غير مباشر.
 
كما أن دول مجلس التعاون الخليجي، رغم الضربات التي وجهتها إيران إليها، ما زالت تتبنى سلوكًا رشيدًا يدعو إلى وقف التصعيد، كما أن دولة ذات وزن مثل مصر تتبنى أيضًا موقفًا يدعو إلى وقف التصعيد، وبالتالي يمكن أن يكون لهذه المواقف دور في الدفع نحو إيقاف الحرب.

إسرائيل تتحدث مرارًا عن أنها تريد "تغيير شكل الشرق الأوسط".. ماذا يعني هذا المفهوم سياسيًا واستراتيجيًا؟ وهل يتعلق فقط بإضعاف خصومها الإقليميين أم بإعادة تشكيل النظام الإقليمي بالكامل؟
الرؤية الإسرائيلية شديدة الوضوح منذ أن بدأت عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، فقد تحدث نتنياهو صراحة عن أنه يريد إيجاد شرق أوسط جديد.

وما هو هذا الشرق الأوسط الجديد؟ 
هو شرق أوسط لا يرتفع فيه صوت يعلو على صوت إسرائيل، وطبعًا، إسرائيل لا يسعدها على الإطلاق أن تكون هناك سياسة مصرية ترفض توجهاتها التوسعية وتتصدى لها بكل ما تستطيع من تصد دبلوماسي، ونذكر هنا دور السياسة المصرية في إجهاض أفكار ترامب في فبراير 2025 بشأن تهجير سكان غزة إلى مصر والأردن وجعلها ريفييرا جديدة، وكل هذا الكلام الفارغ.
 
لكن هناك أيضًا دولًا تدعم المقاومة المسلحة ضد إسرائيل، وهي إيران، وبالتالي فإن نتنياهو يريد شرق أوسط خاليًا من أي معارضة، وبما أن إيران تمثل البعد العسكري في هذه المعارضة، فإن المسألة شديدة الوضوح يجب القضاء على أي خصم لإسرائيل أو تغيير سياسته، وفي هذه الحالة، قد يتغير بالفعل النظام الإقليمي بالكامل، وهذا من خلال محاولة نتنياهو في أن يجعل قسمًا من الدول العربية أقرب إليه مما هي عليه تجاه دول عربية أخرى وهو ما لا نتمناه جميعا.
لكن باختصار شديد، فإن الشرق الأوسط الجديد الذي يحلم به نتنياهو هو شرق أوسط يخلو من أي معارضة دبلوماسية أو عسكرية للأهداف الإسرائيلية.

هناك من يرى أن الهجوم على إيران ليس مجرد تحرك إسرائيلي منفرد، بل جزء من تحرك استراتيجي أمريكي أوسع تستخدم فيه واشنطن إسرائيل كشريك إقليمي لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية أكبر.. كيف تقرأ هذا الطرح؟
العملية العسكرية ضد إيران هي عمل إسرائيلي أمريكي مشترك، وكل ما كان يدور حول المفاوضات كان جزءًا من خداع تكتيكي واستراتيجي، ولذلك فإن الطرفين مشاركان في هذه العملية على قدم المساواة، وإن اختلفت أهدافهما، وهذا الاختلاف قد يجعل الولايات المتحدة، في مرحلة معينة، تنفصل عن الركب، لكنه يظل في الأساس تحركًا إسرائيليًا–أمريكيًا مشتركًا.
 
المصلحة الإسرائيلية تتمثل في تحقيق المشروع الصهيوني بالكامل، ليس في فلسطين وحدها، وإنما في عديد من الدول العربية الأخرى أيضًا، أما المصلحة الأمريكية فتتمثل في تأمين السيطرة على مصادر الطاقة في العالم، بما يمكنها من الإمساك بخيوط اللعبة الاقتصادية العالمية بالكامل، وتطويق الصعود الصيني الدؤوب نحو القمة العالمية في السياق ذاته، فإن الصين تعتمد بدرجة كبيرة على مصادر الطاقة القادمة من الخارج، وهو ما يجعل التحكم في هذه المصادر عنصرًا مهمًا في الصراع الدولي الدائر حاليًا.

هل يمكن أن تقود هذه التطورات في النهاية إلى واقع تصبح فيه إسرائيل القوة المسيطرة أو ما يُسمى بـ"سيدة الشرق الأوسط"، أم أن توازنات المنطقة ما زالت قادرة على منع مثل هذا السيناريو؟
بالتأكيد، لو أن إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية نجحتا في تحقيق انتصار واضح على إيران، فإن نجم إسرائيل والولايات المتحدة سيصعد في المنطقة، لكن هذا الصعود، أولًا، لن يكون شاملًا، ولن يكون دائمًا؛ لأن هناك قوى عديدة ومهمة في الشرق الأوسط لا يمكن أن تخضع لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية على النحو الذي تريده هاتان الدولتان، وعلى رأس هذه القوى مصر والسعودية وتركيا، ومن المفترض أن تكون دولة كالجزائر أيضًا ضمن هذه الدول، وإن كان بعدها الجغرافي ربما لا يجعلها في قلب الأحداث بشكل مباشر.
 
لذلك، فحتى لو حدث انتصار أمريكي إسرائيلي على إيران، فإن الهيمنة الإسرائيلية الأمريكية على المنطقة لن تكون شاملة، فكلنا يعلم أصالة السياسة الخارجية المصرية وتقاليدها الراسخة في الحفاظ على الاستقلال الوطني، كما نعلم أن تركيا قوة مهمة ولها مصالحها الخاصة، ونعلم أيضًا التوجهات السعودية، خاصة في الفترة الأخيرة.
 
ومن ثم، حتى لو تحقق النصر الإسرائيلي الأمريكي فلن يكون شاملًا، والأهم من ذلك أنه لن يكون دائمًا؛ لأن كل النتائج غير الطبيعية لا تدوم، وسرعان ما تبدأ عوامل رد الفعل التي من شأنها أن تغير الواقع، والتاريخ مليء بالأمثلة على ذلك، رغم اختلاف التفاصيل، فقد هُزمت مصر وسوريا والأردن في عام 1967، لكن هذا لم يمنع من صمودها لاحقًا، وخاصة صمود مصر من خلال حرب الاستنزاف، ثم حرب أكتوبر.
ولهذا، فإن من يعول على أنه يمكن أن يحقق وضعًا غير طبيعي في المنطقة عليه أن ينسى هذا الأمر تمامًا.

في ظل هذا المشهد المعقد، لماذا لا نشهد حتى الآن تحالفًا إقليميًا عربيًا قادرًا على إدارة أمن ومصالح المنطقة بشكل مستقل عن القوى الدولية؟ وما الذي يعيق هذا المسار؟
القوى الإقليمية التي يمكن أن تتحالف مع العرب ضد إسرائيل تشمل تركيا وإيران، لكن قبل ذلك يجب وجود تحالف عربي متماسك، فكرة التحالف العربي للأمن الجماعي بدأت عام 1950 باتفاقية الدفاع العربي المشترك، لكنها لم تُنفذ بالكامل، رغم تعديل القرارات لتُتخذ بأغلبية الثلثين عند فشل التوافق.
 
وأول محاولة جدية لتفعيل الاتفاقية كانت قمة يناير 1964 بدعوة من الرئيس جمال عبد الناصر، لوضع خطط مواجهة لمشروعات إسرائيل في الأردن، لكنها فشلت بسبب رفض بعض الدول المشاركة. بعد عدوان 1967 تحقق نوع من التكامل الدفاعي عبر قرارات قمة الخرطوم والدعم المالي والعسكري للكويت والسعودية وليبيا.
 
وحرب أكتوبر شكلت نموذجًا للتكامل العربي الأمني والدفاعي، من خلال مشاركة قوات تسع دول، استخدام سلاح النفط، والتنسيق المصري-اليمني لإغلاق مضيق باب المندب.
 
وفي مواجهة الإرهاب، دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2015 لتشكيل قوة عربية مشتركة، ووافقت القمة على الفكرة، لكن البروتوكول لم يُطبق بسبب تحفظ بعض الدول.
فكرة تكامل عربي-تركي-إيراني طُرحت أحيانًا، لكنها صعبة بسبب اختلاف مصالح كل طرف، خاصة بعد العمليات الإيرانية في الخليج، لذلك، من الضروري أن تعمل الدول العربية على بديل أمني عربي مستقل، بعيدًا عن القواعد الأجنبية، يخدم مصالحها على المدى الطويل.

إلى أي مدى يمكن أن تؤدي المواجهة الأمريكية مع إيران إلى زيادة العداء الشعبي لإسرائيل في العالم العربي، خاصة في ظل استمرار الحرب في غزة والتوتر في لبنان؟ وهل يمكن أن يؤثر ذلك على مسار التطبيع؟
 
الحقيقة أن زيادة العداء الشعبي لإسرائيل لم تكن بحاجة إلى الحرب على إيران حتى تظهر، فالعداء الشعبي لإسرائيل موجود دائمًا بحكم ممارساتها تجاه الشعب الفلسطيني، بل وتجاه دول عربية أخرى مثل لبنان وسوريا وما إلى ذلك، وقد تجلّى هذا الأمر بوضوح في الحرب الإسرائيلية على غزة، ومن ثم فإن ما يحدث الآن ليس إلا امتدادًا وتصاعدًا في هذا العداء الشعبي لإسرائيل.
 
ولعلنا نلاحظ موقف الرأي العام العربي قبل ما يجري الآن، باستثناء دول مجلس التعاون الخليجي بسبب ملابسات العمليات العسكرية الإيرانية تجاه القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج، أما في باقي الدوائر العربية، فإن الرأي العام العربي كان قد اكتشف منذ وقت طويل الطبيعة العدوانية لإسرائيل، وهو لا يتعاطف مع سياساتها أو أعمالها على الإطلاق.
 
وبالتالي، وبالتأكيد، فإن هذا الواقع يفضي إلى زيادة كبيرة في صعوبة استكمال تحقيق الحلم الإسرائيلي بالتطبيع الكامل مع الدول العربية.

إذا كانت المنطقة تقف بالفعل أمام لحظة مفصلية في تاريخها، فهل نحن متجهون نحو نظام إقليمي جديد قائم على شبكات اقتصادية وأمنية قد يفرضها المنتصر في هذه الحرب؟

مستحيل أن يُنشأ مثل هذا النظام المطروح، لأن هذه الحرب تمت ضد إيران. ولو انتصرت إسرائيل والولايات المتحدة فيها – لا قدر الله – فلن تكونا بالتأكيد قادرَتين على إخضاع كل الدول العربية. فهذه الدول، وعلى رأسها مصر، اتبعت دائمًا سياسات نابعة من مصالحها الوطنية، ومن المستحيل أن تكون جزءًا من منظومة تنطوي على تبعية للسياسات الأمريكية والإسرائيلية، إلى جانب دول أخرى وتوجهات الرأي العام العربي.
 
صحيح أن الحفاظ على مسارات استقلالية في مثل هذه الظروف، لو حدث وأن انتصرت إسرائيل والولايات المتحدة في هذه الحرب سيكون عملية في غاية الصعوبة، لكن التاريخ يعلمنا أن فرض الظلم والإرادة الخارجية على الشعوب ليس عملية يسيرة.
ومن ثم، أعود وأؤكد أنه حتى ولو تمكن المنتصر من فرض إرادته لحظيًا بعد انتصار يحققه، فإن هذا الأمر لا يمكن أن يدوم.

البعض يتحدث عن أن تقلبات موازين القوى منذ ثورات الربيع العربي وغياب اتفاق استراتيجي واضح حول حدود التنافس بين دول المنطقة كانت سبباً رئيسياً في حالة الفوضى المستمرة.. فهل تتفق مع هذا الرأي؟
 
المنطقة فيها أربع مشروعات رئيسية، المشروع الصهيوني الذي تحدثنا عنه كثيرًا وعن تصادمه مع أبسط حقوق الدول العربية وتصادمه أيضًا مع إيران ومع تركيا.
المشروع الثاني هو المشروع التركي القائم على رعاية التنظيمات ذات التوجهات الإسلامية التي تتشابه مع حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا.
المشروع الثالث هو المشروع الإيراني الذي يقوم على مبادئ الثورة الإيرانية عام 1979، ورابعًا وأخيرًا المشروع العربي الذي نستطيع للأسف أن نقر بأنه غير موجود بسبب عدم وجود إرادة مشتركة بين الدول العربية الرئيسية.
 
وبالتأكيد، فإن هذه التباينات، العدوانية الإسرائيلية من جانب، والأهداف التركية والأهداف الإيرانية من جانب آخر، وغياب التوافق العربي من جانب ثالث، تعني مسؤولية كبيرة عن حالة الفوضى في المنطقة، وكلنا نعلم التوترات بل والصدامات التي جرت في إطار هذا التنافس، طبعًا الصدامات الإسرائيلية العربية معروفة، لكن نذكر أيضًا الصدامات الإيرانية العربية، والتي بلغت ذروتها في الحرب الإيرانية العراقية، وهناك أيضًا الصدامات غير المباشرة التركية العربية، وأحيانًا المباشرة بالتدخل التركي في سوريا أو في العراق، أو الدعم التركي لبعض الفصائل في غرب ليبيا إلى آخره.
 
لكن الحقيقة أن الأطراف أدركت بعد فترة أن مسار الصدام والتوتر غير مثمر، وبالتالي، نجد أنه في حالة التوتر المصري التركي حول ليبيا، وبعد وقفة الرئيس السيسي في يونيو 2020 وحديثه عن "خط أحمر"، لم تتمكن الميليشيات المؤيدة من تركيا من تجاوز هذا الخط، وبدأت الأمور تأخذ مسارًا للتهدئة، نجم عنه في النهاية تقارب مصري تركي واضح وعودة العلاقات المصرية التركية على الصعيد الدبلوماسي في 2023، والزيارة الأخيرة للرئيس التركي لمصر، أسفرت كما نعلم عن بيان يصلح أساسًا لتعاون استراتيجي واضح بين الدولتين.
 
ونفس المسار كان قد حدث في العلاقات الإيرانية العربية، مثل الاتفاق الإيراني السعودي بوساطة صينية في مارس 2023، والتقارب الإماراتي المصري مع إيران، وهي تطورات، للأسف، أجهضت بالحرب الحالية على إيران وتحتاج جهدًا كبيرًا ووقتًا طويلًا لاستعادتها.
 
وبالتالي، فإن المسألة تواجه الآن صعوبات عديدة، أولًا، ما زلنا بعيدين عن تحالف عربي متين بسبب تباين السياسات، ما زلنا لم نحقق ما يكفي من تقارب تركي–عربي، نواجه الآن نكسة في العلاقات العربية–الإيرانية، وما زلنا بعيدين عن القضاء على حالة الفوضى الموجودة في المنطقة.

هل يمكن قراءة الحرب على إيران باعتبارها محاولة أمريكية لتوجيه رسائل غير مباشرة إلى الصين وروسيا تؤكد استمرار الحضور والنفوذ الأمريكي القوي في المنطقة، لردع أي طموحات لدى القوتين لبسط نفوذهما على هذا الإقليم الغني بالثروات؟ 
 
الحرب هي رسالة غير مباشرة لكلا الطرفين بأننا حاضرون وأننا موجودون في الساحة، والحقيقة أن لي موقفًا خاصًا تجاه السياسات الروسية والصينية، ليس فقط في الشرق الأوسط، وإنما في أقاليم العالم ككل.
وتصوري أن كلًا من الصين وروسيا، وإن حققا صعودًا ملحوظًا على صعيد القمة العالمية، فإن هذا الصعود لا ينعكس حتى الآن على أقاليم العالم، وفي الشرق الأوسط لدينا نموذج واضح حرب إسرائيل على غزة التي دامت أكثر من سنتين، ولم نجد أن تأثيرهما تجاوز التعبيرات اللغوية الرمزية لكل منهما.
 
وحتى إذا قيل إنهما ليست لديهما مصالح قوية فيما يجري في غزة، فإن الواقع يوضح أن روسيا لم تتحرك ساكنًا حين أسقط نظام بشار الأسد، الذي كانت تحميه قواتها بشكل مباشر، وكذلك عند الاعتداء على إيران ذات العلاقات الاستراتيجية مع الصين وروسيا في يونيو 2025، لم تحرك روسيا والصين ساكناً.
 
الآن، ومع الاعتداء المتجدد على إيران، هناك تقارير تقول إن روسيا والصين ساعدتا إيران بعد عدوان يونيو 2025 على تقوية دفاعاتها، والكرة الآن في الملعب، إذا صمدت إيران وانتهت الحرب بدون أن تُهزم، فسوف يعني هذا أن هناك فرصة أمام روسيا والصين لكي يكون لهما نفوذ في المنطقة.
 
أما إذا حدث العكس، فلتفهم الصين وروسيا أنهما ستدفعان ثمن عدم حضورهما في التفاعلات الإقليمية، كما سبق وأن دفعا عندما قامت الولايات المتحدة الأمريكية بعمليتها في فنزويلا في يناير الماضي، التي أخضعتها بشكل كامل للسيطرة الأمريكية، رغم علاقاتهما القوية مع فنزويلا في ذلك الوقت.

في ظل هذا التصعيد المتسارع في المنطقة، هل ما زالت هناك فرصة للدبلوماسية لاحتواء الأزمة ومنع اتساع رقعة الحرب؟
دائمًا تكون هناك فرصة للدبلوماسية، على سبيل المثال، مصر تتحرك بجدية في مسار التهدئة والبحث عن مخرج دبلوماسي، كما ألاحظ أنه رغم الضربات الإيرانية للقواعد والأهداف الأمريكية في دول مجلس التعاون الخليجي، فإن قيادات عديدة من المجلس ما زالت تدعو إلى وقف التصعيد والبحث عن مخرج، ولسلطنة عمان موقف خاص في هذا الصدد.
 
يبقى دائمًا هناك مجال للدبلوماسية، خصوصًا في ظل عدم هزيمة أي طرف من أطراف الحرب، لنقل صراحة، أنه ليس مطروحًا أن تهزم الولايات المتحدة أو إسرائيل في هذه الحرب، لكن صمود إيران، الذي يقترب الآن من أسبوعين، إذا استمر، فإنه سيكون نقطة البداية في مسار دبلوماسي.
 
وأكرر التذكير بمثال العدوان الأمريكي على الحوثيين، الذي انتهى باتفاق لوقف إطلاق النار، رغم أنه مثال جزئي، لكنه في رأيي دليل على أن الصمود يفتح الباب للحديث عن تسوية سياسية، وندعو ربنا أن يكتب السلام والهدوء لهذه المنطقة.
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق