مسطرة الغرب لا تعرف خديجة بنت خويلد
الأحد، 15 مارس 2026 01:03 م
حمدي عبد الرحيم يكتب
في الثامن من مارس من العام 1908 انطلقت من قلب نيويورك مظاهرة حاشدة شاركت فيها خمس عشرة ألف سيدة يطالبن بتقليل ساعات العمل، وزيادة الأجور، والحصول على حق التصويت، وفي اليوم نفسه ولكن من العام 1917 كانت المظاهرة في روسيا وكانت نساء روسيا يرفعن أصواتهن ضد الجوع والحرب، وقد صمدن في الشوارع حتى تنازل القيصر عن العرش وحصلت النساء على حق التصويت في الانتخابات.
ثم جاء العام 1975 وفيه قررت الأمم المتحدة اعتماد يوم الثامن من مارس من كل عام يوميًا عالميًا للمرأة.
أقلب دفاتري بحثًا عن نسائي الخالدات فلا يطول بحثي فمن قلب الدفاتر تبرز، أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، عليها السلام.
السيدة خديجة هى عنوان التضحية الكاملة التامة، التضحية التي لا تبحث عن مقابل، التضحية من أجل المعنى والرمز.
لأن المسطرة الغربية هي المهيمنة فلم يلتفت أحد لسيدات الحضارة الإسلامية، ولو كان الزمن غير الزمن لكان العالم كله يحتفي في يوم المرأة بأم المؤمنين خديجة بنت خويلد.
كانت أمنا خديجة هي سيدة نساء مكة، فهي ثرية جدًا وصاحبة نسب عريق، وتنتمي لأسرة متعلمة إن لم تكن مثقفة، ويكفي أن ابن عمها هو ورقة بن نوفل صاحب الباع الطويل في معرفة الشرائع.
تزوجت مرتين قبل رسول الله باثنين من سادات العرب، هما: أبو هالة بن زرارة بن النباش التميمي، وجاءت منه بأبن اسمته "هند" وبنت اسمتها "هالة"، وأما الثاني فهو عتيق بن عائذ بن عمر بن مخزوم، وجاءت منه بفتاه اسمتها "هند" بنت عتيق.
ثم أكرمها الله بأن تكون أولى أزواج النبي، وهنا بدأ امتحانها، فالسيدة التاجرة الثرية التي تجتمع قريش حولها سيعلن زوجها الشاب الأمي الفقير أنه رسول رب العالمين.
هذا اختبار الحديد والنار والدم والدموع، إن صدقته خسرت قريشًا بل وكل العرب، وإن كذبته خسرت قلبها فهي كانت تحبه صلى الله عليه وسلم، ذلك الحب الذي تقدم فيه لحبيبك كل شيء ولا تتوقف لحظة لتحصل على مقابل.
هي كانت تعرف رفعة أخلاقه وسمو صفاته، كانت تؤمن في أعماق قلبها بأن رجلًا مثله لا يمكنه أن يكذب ويزعم أمرًا ف غاية الخطورة مثل أمر النبوة.
فور أن صارحها بأنه تلقى الوحي شهدت بصدقه، ثم ذهبت إلى ابن عمها العالم ورقة بن نوفل، وقصت عليه ما قصه الرسول عليها فقال ورقة: "قدوس، قدوس، والذي نفس ورقة بيده، إن كنت أصدقتني يا خديجة، لقد جاءه الناموس الأكبر كان يأتي لموسى، وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له فليثبت".
فورًا عادت أمنا الطاهرة إلى زوجها فأخبرته بما قاله العالم ورقة، ثم قابل رسولنا ورقة فقال له ورقة: والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولئن أدركت هذا اليوم لأنصر الله نصرًا يعلمه".
ما هذه التضحية؟.. لقد خسرت السيدة قريشًا، ولم تتردد لحظة في إعلان رسالة زوجها، ليس لأنه زوجها ولكن لأنه صادق لا يرتكب كبيرة الكذب.
تجمعت قريش على قلب رجل واحد لتكذيب الصادق الأمين، وكان الذي يؤمن به يؤمن به سرًا، وحدها وقفت السيدة الجلية في وجه العواصف لا تبالي، فقبل البعثة الشريفة كانت تذهب بالطعام والشراب إلى زوجها وهو يتعبد في غار حراء، كانت تذهب بنفسها ولا ترسل خادمًا أو خادمة، ثم ولدت للرسول كل أولاده وبناته، القاسم وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة الزهراء وعبد الله.
ولم يولد للرسول من غيرها سوى إبراهيم من أمه السيدة مارية عليها الرضوان.
هذه الأسرة المتماسكة المحبة تعيش اختبارًا قاسيًا للغاية، إنه أسرة يعاديها كل العرب وعلى رأس العرب قريش القوية الباطشة، فكيف النجاة.
فشا الإسلام في مكة فرأت قريش أن توجه له ضربة قاصمة، لقد حاصرت كل المسلمين في شعب أبي طالب، لا تبيع لهم ولا تبتاع منهم، لا تتزوج منهم ولا تزوجهم بل لا تلقي عليهم تحية الصباح، حصار مميت تواصل لثلاث سنوات كاملة.
هل لنا أن نتخيل وقع الحصار على سيدة ثرية مترفة كان لديها الخدم والحشم، هذه السيدة تجرعت مرارة العطش والجوع والمقاطعة ثلاث سنوات، هي لم تثبت فحسب بل كان كل مالها وهو كثير جدًا تحت يد الرسول يتصرف فيه كما يشاء، إنها لم تبخل بنفسها فهل ستبخل بمالها؟!
كان الحصار قد نال من قوتها الجسدية، فلم تلبث بعده رفعه إلا قليلًا ثم فاضت روحها الطاهرة.
لا تسل عن المقابل الدنيوي لكل هذه التضحيات، فهى كانت من السابقين الذي ماتوا قبل أن يصبح للإسلام دولة.
برحيلها هدم ركن من الأركان التي كان الرسول يحتمي بها، وقد حزن عليها حزنًا شديدًا ثم قلدها أرفع الأوسمة فقال عنها: (إني قد رزقت حبّها) ثم قال: (آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدّقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء).
وكان صلى الله عليه وسلم بعد رحيلها بسنوات إذا ذبح شاة قال: (أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة).
وروى الإمام أحمد أن الرسول قال: "أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران".
فما أعظمها من سيدة صابرة محتسبة مؤمنة وما أعظمه من تكريم وتخليد لاسمها.