"اغتيال الإمام" علي بن أبي طالب.. من بيعة الفتنة إلى ضربة الاغتيال
الأحد، 15 مارس 2026 01:20 م
شكّلت السنوات التي أعقبت اغتيال الخليفة الثالث الصحابي الجليل عثمان بن عفان سنة 35هـ نقطة التحول الأكثر حساسية في التاريخ السياسي الإسلامي المبكر، إذ دخلت الدولة الإسلامية مرحلة من الاضطراب المركب الذي تداخلت فيه اعتبارات الشرعية السياسية مع تداعيات الفتنة الاجتماعية والعسكرية.
وفي قلب هذا المشهد برزت شخصية الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بوصفه المرشح الأكثر حضورًا لقيادة الدولة في لحظة انهيار التوازن الداخلي، غير أن توليه الخلافة لم يكن نتاج ترتيب سياسي تقليدي بقدر ما كان استجابة لضغط اجتماعي وسياسي واسع فرضته ظروف الفتنة.
فعقب استشهاد عثمان، مكث علي في بيته متجنبًا التقدم إلى الحكم، بينما كانت المدينة تعيش حالة فراغ سياسي خطير، ومع تزايد القلق من انزلاق الدولة إلى فوضى كاملة، توجهت إليه وفود من الصحابة وسكان المدينة تطلب منه تولي الخلافة باعتباره الأجدر والأقرب إلى بيت النبوة وإلى الجيل الأول من الصحابة.
ورغم رفضه الأولي، فإن الإلحاح المتكرر دفعه إلى قبول البيعة بشروط واضحة، أبرزها أن تتم في المسجد وعلى أساس الشورى العامة، وأن يحضرها أهل بدر باعتبارهم رمزية الشرعية الأولى في المجتمع الإسلامي، ومع انعقاد البيعة في المسجد، بادر عدد من كبار الصحابة إلى مبايعته، وفي مقدمتهم طلحة والزبير وسعد وغيرهم من أصحاب رسول الله، لتبدأ بذلك مرحلة سياسية جديدة في تاريخ الخلافة الراشدة.
غير أن قبول علي للخلافة لم يكن نهاية الأزمة بل بداية مرحلة أكثر تعقيدًا، إذ كان اغتيال عثمان قد خلّف جرحًا سياسيًا عميقًا داخل المجتمع الإسلامي، خاصة مع تأخر القصاص من قتلة الخليفة. وفي هذا السياق برزت معضلة الشرعية والقصاص بوصفها محور الخلاف بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، والي الشام آنذاك.
فمعاوية لم يعلن رفضًا مطلقًا لمبايعة علي، لكنه اشترط تنفيذ القصاص أولًا من قتلة عثمان، وهو مطلب وجد صدى واسعًا في الشام حيث كان الغضب على قتلة الخليفة يتصاعد، وتشير الروايات إلى أن قميص عثمان كان معروضًا في مسجد دمشق، وأن عشرات الآلاف من الناس كانوا يبكون عنده مطالبين بالثأر له، وهو ما جعل قضية القصاص تتحول إلى قضية سياسية كبرى.
أما علي بن أبي طالب فقد تبنى مقاربة مختلفة تقوم على تأجيل القصاص إلى حين استقرار الدولة، معتبرًا أن القتلة كانوا قوة مسلحة واسعة النفوذ داخل المدينة ولا يمكن السيطرة عليهم في ظل اضطراب الأوضاع، وقد عبّر عن هذا المأزق بعبارته الشهيرة: «كيف بقوم يملكوننا ولا نملكهم؟»، في إشارة إلى اختلال موازين القوة داخل العاصمة، وهذا التباين في تقدير الأولويات بين تثبيت السلطة أولًا أو الاقتصاص فورًا أسهم في تعقيد العلاقة بين مركز الخلافة في الكوفة وبين السلطة الإقليمية في الشام.
وفي خضم هذه الأزمة وقعت أولى المواجهات الكبرى في الفتنة، وهي موقعة الجمل سنة 36هـ / 656م. فقد كانت السيدة عائشة في مكة حين بلغها خبر مقتل عثمان وسيطرة الجماعات الثائرة على المدينة، فاجتمع حولها عدد من الصحابة، في مقدمتهم طلحة والزبير وبعض ولاة عثمان السابقين، واتفقوا على التحرك بهدف جمع شمل المسلمين والمطالبة بالقصاص من قتلة الخليفة، وقد استندوا في ذلك إلى مبدأ الإصلاح بين المسلمين كما ورد في قوله تعالى: «لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس».
وتوجه هذا التحالف إلى البصرة باعتبارها مركزًا استراتيجيًا يمكن من خلاله إعادة تنظيم السلطة، بينما تحرك علي من المدينة باتجاه العراق لمحاولة احتواء الموقف. وتشير الروايات إلى أن الطرفين توصلا بالفعل إلى تفاهم أولي يقوم على التعاون لضبط الوضع وملاحقة قتلة عثمان، غير أن العناصر المتورطة في الاغتيال، ومعها جماعات من الخوارج، خشيت أن يؤدي هذا الاتفاق إلى تصفيتها، فبادرت إلى إشعال القتال بين المعسكرين ليلًا، لتندلع معركة الجمل التي انتهت بانتصار جيش علي.
وعلى الرغم من قسوة المعركة، فإن ما أعقبها يكشف عن إدراك الطرفين لخطورة الانقسام، فقد التقى علي بالسيدة عائشة رضوان الله عليهما بعد انتهاء القتال وأظهر لها التقدير اللائق بمكانتها، ثم جهزها للعودة إلى المدينة وأرسل معها عددًا من نساء البصرة، في خطوة هدفت إلى إعادة ترميم النسيج السياسي والاجتماعي الذي أصابته المعركة.
غير أن الصراع لم ينته عند هذا الحد، إذ ظل الخلاف مع معاوية قائمًا، وبعد استقرار الأوضاع نسبيًا في العراق، بدأ علي مسارًا دبلوماسيًا لإقناع والي الشام بالبيعة، فأرسل إليه عددًا من الرسل، من بينهم جرير بن عبد الله، لكن معاوية تمسك بموقفه القاضي بضرورة القصاص أولًا، كما استشار معاوية قادة الشام والصحابة الموجودين فيها، فجاء رأيهم مؤيدًا لهذا الموقف، ومع فشل الجهود السياسية، وجد علي نفسه مضطرًا لاستخدام القوة لإخضاع الشام لسلطة الخلافة.
وهكذا اندلعت موقعة صفين سنة 37هـ / 657م، وهي واحدة من أكثر المعارك حساسية في التاريخ الإسلامي لأنها جمعت جيشين كبيرين من المسلمين، وبعد جولات طويلة من القتال رفعت المصاحف على أسنة الرماح في دعوة إلى تحكيم كتاب الله ووقف نزيف الدماء، وقد قبل الطرفان مبدأ التحكيم، فاختار علي أبا موسى الأشعري ممثلًا عنه، بينما اختار معاوية عمرو بن العاص، واجتمع الحكمان في دومة الجندل أو أذرح في رمضان سنة 37هـ.
غير أن الروايات التي شاعت لاحقًا حول التحكيم تعرضت لنقد شديد من قبل عدد من المؤرخين، خاصة الرواية التي تزعم أن أبا موسى خلع عليًا بينما ثبت عمرو معاوية، وقد نسب كثير من النقاد هذه الرواية إلى أبي مخنف لوط بن يحيى، وهو راوٍ متهم بالتشيع الشديد وعدم الدقة، أما الروايات الأكثر اعتمادًا فتشير إلى أن النقاش بين الحكمين انتهى دون حسم واضح، وأن أبا موسى رأى أن الأمر يجب أن يعود إلى مجلس الشورى من الصحابة الذين توفي النبي وهو راضٍ عنهم.
لكن قبول علي بالتحكيم أحدث انقسامًا حادًا داخل معسكره نفسه، فقد رفضت مجموعة من أنصاره هذا القرار معتبرة أنه تنازل عن مبدأ «الحكم لله»، وانفصلت عنه لتشكل ما عرف لاحقًا بالخوارج، وقد تجمع هؤلاء في حروراء قرب الكوفة، وبلغ عددهم نحو اثني عشر ألفًا، بل وصل الأمر ببعضهم إلى تكفير علي بسبب قبوله التحكيم.
ومع تصاعد خطرهم وبدء اعتداءاتهم على الناس، اضطر علي إلى مواجهتهم عسكريًا في معركة النهروان سنة 38هـ / 659م، حيث تمكن من هزيمتهم، لكن بقاياهم استمرت في العمل السري، وفي هذا السياق تبلورت فكرة اغتيال قادة الصراع باعتبارهم – في نظر الخوارج – سبب الفتنة، فاتفق ثلاثة منهم على اغتيال علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص في وقت واحد.
وفي سنة 40هـ نفذ عبد الرحمن بن ملجم خطته حين ضرب عليًا أثناء خروجه لصلاة الفجر في الكوفة، بينما فشل الآخران في قتل معاوية وعمرو بن العاص، وبمقتل علي، الذي كان يبلغ حينها نحو ثمانٍ وخمسين أو ثلاثًا وستين سنة بحسب الروايات، انتهت خلافته التي استمرت قرابة خمس سنوات، من عام 35هـ إلى عام 40هـ.
لقد كان اغتيال علي بن أبي طالب تتويجًا لموجة طويلة من الاضطراب السياسي الذي بدأ باغتيال عثمان، وأدخل الدولة الإسلامية في مرحلة جديدة من الصراع على السلطة والشرعية، ومع أن هذه المرحلة عُرفت في كتب التاريخ بالفتنة الكبرى، فإنها في الوقت ذاته كشفت عن تعقيدات بناء الدولة في مجتمع توسع بسرعة غير مسبوقة، حيث تداخلت اعتبارات العدالة والقصاص مع حسابات الاستقرار السياسي في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ الإسلام المبكر.