«رجال المال» سعد بن الربيع.. نموذج التكافل في المجتمع الإسلامي الأول
الأحد، 15 مارس 2026 03:30 م
قدّم نموذجًا للدور المجتمعي الذي لعبه أغنياء الصحابة في احتواء آثار الهجرة وبناء مجتمع متوازن اقتصاديًا واجتماعيًا
لم يكن المال في مجتمع الصحابة مجرد وسيلة للثراء أو الوجاهة الاجتماعية، بل كان عنصرًا فاعلًا في بناء مجتمع متماسك يقوم على التكافل والتضامن، وفي هذا السياق برز عدد من الصحابة الذين امتلكوا المال وجعلوا منه أداة لخدمة الجماعة لا مجرد ملكية فردية.
وكان من أبرز أثرياء الصحابة، سعد بن الربيع الأنصاري، أحد نقباء الأنصار ومن رجال المدينة المعروفين بالسخاء والإيثار، وقدّم نموذجًا مبكرًا للدور المجتمعي الذي لعبه أغنياء الصحابة في احتواء آثار الهجرة وبناء مجتمع متوازن اقتصاديًا واجتماعيًا.
ينتمي سعد بن الربيع إلى قبيلة الخزرج، وهو سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاري، نشأ في أسرة لها مكانة بين قومها، فكان والده من سادات بني الحارث من الخزرج، وقد حرص على تعليمه منذ الصغر، فتعلم القراءة والكتابة، وهو أمر لم يكن شائعًا في البيئة العربية آنذاك، كما تعلم الفروسية وركوب الخيل، وهي مهارات كانت تعد من مقومات القيادة الاجتماعية في المجتمع القبلي.
كان سعد من السابقين إلى نصرة الدعوة الإسلامية في المدينة، فقد شهد بيعة العقبة الثانية، وكان أحد نقباء الأنصار الاثني عشر الذين اختيروا لتمثيل قومهم أمام النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومع قيام المجتمع الإسلامي في المدينة شارك في تثبيت دعائمه، فشهد غزوة بدر، ثم شارك في غزوة أحد، وظل حاضرًا في المشهد العام للمدينة بوصفه أحد رجالاتها المؤثرين.
غير أن الدور الذي جعل اسم سعد بن الربيع يتردد في كتب السيرة بوصفه نموذجًا اجتماعيًا بارزًا يرتبط بواقعة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، فبعد هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة كان كثير من المهاجرين قد تركوا خلفهم أموالهم وتجارتهم، الأمر الذي خلق تحديًا اقتصاديًا واضحًا في المجتمع الجديد، وهنا أسس النبي صلى الله عليه وسلم نظام المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ليكون إطارًا للتكافل الاجتماعي داخل الدولة الناشئة.
وكان سعد بن الربيع من أبرز من جسّدوا هذه الفكرة عمليًا، حين آخى النبي بينه وبين عبد الرحمن بن عوف، أحد كبار تجار قريش الذين قدموا إلى المدينة دون مال، فقد قال سعد لعبد الرحمن: «إني أكثر الأنصار مالًا، فأقسم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتيّ هويت نزلت لك عنها فإذا حلت تزوجتها».
ولم يكن هذا العرض مجرد موقف فردي عابر، بل كان تعبيرًا عن روح التضامن التي سادت بين الأنصار، وعن إدراكهم أن استقرار المجتمع الجديد يتطلب تقاسم الموارد وتجاوز الاعتبارات الفردية، وهكذا تحولت هذه القصة في الذاكرة التاريخية إلى مثال يجمع بين الإيثار الاجتماعي من جهة وروح المبادرة الاقتصادية من جهة أخرى.
أما خاتمة سيرة سعد بن الربيع فجاءت في ميدان القتال يوم غزوة أحد. فقد أصيب بعدد كبير من الطعنات حتى سقط جريحًا بين القتلى، وعندما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم من يبحث عنه، وُجد في آخر رمق من حياته، فقال: «أبلغ رسول الله مني السلام، وقل له: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيًا عن أمته»، ثم أوصى قومه قائلًا: «لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف»، وبعد أن طُعن اثنتي عشرة طعنة فارق الحياة شهيدًا، ودُفن مع خارجة بن زيد بن أبي زهير في قبر واحد.
بهذه السيرة يجتمع في شخصية سعد بن الربيع نموذجان متكاملان في تاريخ الصحابة؛ نموذج رجل المال الذي جعل ثروته أداة للتكافل الاجتماعي، ونموذج المجاهد الذي ختم حياته بالشهادة دفاعًا عن الدعوة، ولذلك ظل اسمه حاضرًا في كتب السيرة مثالًا مبكرًا للدور المجتمعي الذي لعبه أغنياء الصحابة في بناء المجتمع الإسلامي الأول.