«يوم الأحزاب» هنالك ابْتُلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا

الأحد، 15 مارس 2026 02:10 م
«يوم الأحزاب» هنالك ابْتُلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا

في مسار الصراع بين المسلمين وقوى الشرك في الجزيرة العربية، تبرز غزوة الخندق، أو يوم الأحزاب، بوصفها واحدة من أكثر اللحظات حساسية وحسمًا في التاريخ الإسلامي المبكر، فلم تكن مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل اختبارًا مركبًا لقدرة المجتمع الإسلامي الناشئ على الصمود أمام تحالف واسع من القوى المعادية.
في هذا اليوم تجلت عبقرية القيادة النبوية في إدارة الأزمات، كما ظهرت قدرة المسلمين على تحويل لحظة الحصار والضغط إلى نقطة تحول استراتيجية في مسار الصراع.
وقعت أحداث غزوة الخندق في شهر شوال من السنة الخامسة للهجرة، الموافق تقريبًا لشهر مارس سنة 627م، وذلك في سياق تصعيد كبير في الصراع بين المسلمين وقريش، غير أن ما ميّزها هو اتساع نطاق التحالف المعادي.
ونجح يهود بني النضير، الذين أُجلوا من المدينة في السنة الرابعة للهجرة لنقضهم العهد، في تحريض قريش وعدد من القبائل العربية على تشكيل حلف عسكري واسع ضد المسلمين، وكان من أبرز زعماء هذا التحرك حيي بن أخطب وسلام بن مشكم وكنانة بن الربيع وغيرهم من قادة بني النضير الذين سعوا للثأر من إخراجهم من المدينة.
لم يقتصر هذا التحالف على قريش وحدها، بل انضمت إليه قبائل كبيرة من العرب مثل غطفان وفزارة ومرة وسليم وأسد وأشجع، فتكوّن جيش ضخم لم تعرف الجزيرة العربية مثله من قبل، يقوده أبو سفيان بن حرب، وكان الهدف واضحًا، وهو حصار المدينة والقضاء على النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته، واستئصال المجتمع الإسلامي الذي أخذ يرسخ حضوره في يثرب.
حين بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبر هذا الحشد الكبير جمع أصحابه للتشاور في كيفية مواجهة هذا التهديد الخطير، وفي تلك اللحظة برزت فكرة جديدة على البيئة العربية اقترحها سلمان الفارسي رضي الله عنه، إذ قال: "يا رسول الله، إنا كنا بفارس إذا حُوصِرنا خندقنا علينا"، فاستحسن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرأي وقرر تطبيقه، ليبدأ المسلمون فورًا في حفر خندق في الجهة الشمالية المكشوفة من المدينة، وهي المنطقة الواقعة بين "حرة واقم" و"حرة الوبرة"، بينما كانت بقية الجهات محصنة بطبيعتها بسبب الحرات والنخيل وتشابك البيوت.
انخرط المسلمون في هذا العمل الشاق تحت قيادة النبي صلى الله عليه وسلم، وقُسّم العمل بينهم بحيث يتولى كل عشرة رجال حفر أربعين ذراعًا من الخندق، كما يروي الطبري بإسناده إلى عمرو بن عوف المزني.
وتشير التقديرات إلى أن طول الخندق تجاوز خمسة كيلومترات تقريبًا، بعرض يزيد على أربعة أمتار وعمق يقارب ثلاثة أمتار، وهو جهد هندسي كبير بالنظر إلى الظروف الصعبة التي كان يعيشها المسلمون آنذاك، وقد أقام المسلمون من التراب الناتج عن الحفر ساترًا ترابيًا على حافة الخندق من جهة المدينة ليزيد من صعوبة عبوره.
عندما وصلت جموع الأحزاب إلى مشارف المدينة وانتشرت في السهل بين جبل أحد والمدينة فوجئت بالخندق الذي حال بينها وبين اقتحامها، فقالوا في دهشة: "هذه مكيدة لم يعرفها العرب من قبل"، وعلى الجانب الآخر من الخندق اصطف نحو ثلاثة آلاف من المسلمين في مواقعهم الدفاعية، بينما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بجمع النساء والأطفال وكبار السن في أماكن آمنة داخل المدينة.
لقد فرض الأحزاب حصارًا استمر نحو عشرين يومًا دون وقوع قتال واسع، إذ كان الخندق يمنع أي هجوم مباشر، غير أن الأزمة بلغت ذروتها حين نجح حيي بن أخطب في إقناع كعب بن أسد زعيم بني قريظة بنقض العهد مع المسلمين والانضمام إلى الأحزاب، وهنا أصبح المسلمون مهددين من جهتين في وقت واحد، وهو المشهد الذي صوره القرآن الكريم بدقة في قوله تعالى: {إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 10-11].
 
وفي تلك اللحظات العصيبة كان الصحابة يلوذون بالنبي صلى الله عليه وسلم طلبًا للطمأنينة، فدعا قائلاً: "اللهم منزل الكتاب، مجري السحاب، هازم الأحزاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم"، كما رواه النسائي في السنن الكبرى.
 
وفي خضم هذا الحصار وقع تحول مهم حين أسلم نعيم بن مسعود الغطفاني سرًا، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال إن قومه لا يعلمون بإسلامه، فطلب منه أن يعمل على إضعاف الأحزاب، وقال له النبي: "إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة"، فقام نعيم بدور بارع حين بث الشك بين قريش وغطفان من جهة وبني قريظة من جهة أخرى، حتى فقد التحالف تماسكه وبدأت الشكوك تتسرب بين أطرافه.
 
ولم تلبث أن جاءت اللحظة الحاسمة حين أرسل الله جنوده على الأحزاب، فهبت ريح شديدة في ليلة باردة اقتلعت خيامهم وقلبت قدورهم وأطفأت نيرانهم، حتى قال أبو سفيان لقومه: "يا معشر قريش، والله لقد هلك الخف والحافر.. فارتحلوا فإني مرتحل"، فتفرق الأحزاب وعادوا إلى بلادهم دون أن يحققوا هدفهم.
وقد لخّص القرآن الكريم نتيجة هذه المواجهة بقوله تعالى: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب: 25].
 
وبعد انصراف الأحزاب أعلن النبي صلى الله عليه وسلم تحول ميزان المبادرة في الصراع بقوله: "الآن نغزوهم ولا يغزوننا"، رواه البخاري.
 
وهكذا لم تكن غزوة الخندق مجرد مواجهة دفاعية، بل كانت لحظة فاصلة أنهت قدرة قريش على تهديد المدينة عسكريًا، ونقلت زمام المبادرة إلى المسلمين، ومنذ ذلك اليوم بدأ ميزان القوة في الجزيرة العربية يميل تدريجيًا لصالح الدولة الإسلامية الناشئة، لتتحول لحظة الحصار إلى بداية مرحلة جديدة في تاريخ الدعوة.
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق