دينا الحسيني تكتب: بقرار تاريخي لـ «وزارة العدل».. نهاية عصر «التهرب من النفقة» بالحرمان من خدمات الدولة

الأحد، 15 مارس 2026 05:41 م
دينا الحسيني تكتب: بقرار تاريخي لـ «وزارة العدل».. نهاية عصر «التهرب من النفقة» بالحرمان من خدمات الدولة

لم تعد قضية النفقة في مصر مجرد نزاع عائلي ينتهي داخل أروقة المحاكم، بل أصبحت قضية اجتماعية تمس استقرار الأسرة وحقوق الأطفال قبل أي شيء آخر. وفي هذا السياق جاء القرار الأخير الصادر عن وزارة العدل ليضع حدًا لسنوات من المماطلة والتهرب التي عانت منها كثير من النساء في سبيل الحصول على حقوقهن وحقوق أبنائهن.

القرار رقم 896  لسنة 2026، الصادر عن وزير العدل المستشار محمود حلمي الشريف، والمنشور في العدد 61 من جريدة الوقائع المصرية بتاريخ 15 مارس 2026، يمثل تحولًا مهمًا في طريقة التعامل مع الأحكام الصادرة في قضايا النفقة، إذ يربط بين تنفيذ هذه الأحكام وبين الحصول على عدد من الخدمات الحكومية، ويستند القرار إلى نص المادة 293 من قانون العقوبات، التي تنص على معاقبة كل من يمتنع عن تنفيذ حكم قضائي واجب النفاذ بدفع النفقة رغم قدرته على السداد، إلا أن أهمية القرار الجديد لا تكمن فقط في النص القانوني، بل في آلية التنفيذ التي تجعل من التهرب من النفقة أمرًا بالغ الصعوبة.

فبموجب القرار، يصبح المحكوم عليه في قضايا الامتناع عن دفع النفقة غير قادر على الحصول على عدد من الخدمات الحكومية إلا بعد تقديم ما يثبت سداد المستحقات أو تسوية المديونية، وتشمل هذه الخدمات مجموعة من الإجراءات الحيوية التي يحتاجها المواطن في حياته اليومية، مثل بعض خدمات التراخيص، والخدمات التموينية، وخدمات التوثيق والشهر العقاري، إضافة إلى خدمات مرتبطة بمزاولة الأنشطة المهنية والاقتصادية، ولعل الأهم أن هذه الآلية الجديدة تعالج فجوة ظلت قائمة لسنوات طويلة بين صدور الحكم وتنفيذه، فكم من حكم بالنفقة صدر لصالح امرأة أو طفل، لكنه ظل حبيس الأوراق بسبب تعنت البعض أو استغلال بطء إجراءات التنفيذ.

ومن هنا يمكن القول إن القرار يمثل رسالة واضحة بأن حقوق الأسرة ليست محل تفاوض أو مساومة، فالممتنع عن سداد النفقة لا يضر فقط بالطرف الآخر في النزاع، بل ينعكس أثر امتناعه في المقام الأول على الأطفال الذين يعتمدون على هذه النفقة في تلبية احتياجاتهم الأساسية، كما أنني على ثقة بأن وزارة العدل ستقوم بالتنسيق تقنيًا مع الجهات الحكومية المعنية لضمان تحديث البيانات فور سداد المديونية، حتى لا يتعرض أي مواطن للضرر أو الحرمان من الخدمات بعد تنفيذ الحكم، وهو أمر بالغ الأهمية لضمان تحقيق العدالة دون تعسف.

وفي هذا الإطار، لا يمكن إغفال الدور الذي يقوم به المجلس القومي للمرأة، الذي يعد أحد أبرز الداعمين للتشريعات والإجراءات الهادفة إلى حماية حقوق النساء والأطفال، ويستقبل المجلس من خلال مكتب شكاوى المرأة آلاف البلاغات سنويًا من سيدات يعانين من تهرب الأزواج من سداد النفقة رغم صدور أحكام قضائية بذلك. كما يفتح القرار الباب أمام تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت هناك نية مستقبلية لتوسيع نطاق الحرمان من الخدمات ليشمل خدمات أخرى، حال استمرار ظاهرة التهرب من النفقة، بما يعزز من فعالية الردع القانوني ويضمن تنفيذ الأحكام بشكل أكثر سرعة وحسمًا.

ومن زاوية أخرى، يسلط القرار الضوء على الدور المهم الذي يقوم به بنك ناصر الاجتماعي، باعتباره الجهة التي تتولى صرف ما يُعرف بـ "نفقة الدولة" في الحالات التي يتعذر فيها تحصيل النفقة من الزوج، حيث يقوم البنك بصرف المستحقات للزوجة أو الأبناء، ثم يلاحق الزوج قانونيًا لاسترداد تلك المبالغ لاحقًا، وبالتالي فإن هذا القرار قد يسهم في تخفيف العبء المالي عن البنك، عبر زيادة فرص تحصيل النفقة من المتهربين، وهو ما ينعكس بدوره على تحسين التدفقات المالية لصالح مستحقي النفقة، ويساعد كذلك في تخفيف الضغط الواقع على صندوق تأمين الأسرة الذي يتحمل جزءًا كبيرًا من هذه الالتزامات.

ولا يقتصر أثر القرار على الجوانب القانونية أو المالية فحسب، بل يمتد إلى أبعاد اجتماعية أعمق؛ فغياب النفقة أو تعثر وصولها في كثير من الأحيان يدفع بعض الأسر إلى أوضاع اقتصادية صعبة، قد تضطر معها الأم إلى إخراج الأبناء من التعليم أو دفعهم إلى سوق العمل في سن مبكرة، ومن هنا فإن تعزيز تنفيذ أحكام النفقة يمثل أحد أشكال الردع القانوني الذي يمكن أن يسهم في الحد من ظواهر اجتماعية خطيرة مثل تسرب الأطفال من التعليم أو عمالة الأطفال الناتجة عن تعثر الأسرة في توفير الاحتياجات الأساسية، كما أن القرار لا يحمي فقط حقوق الزوجة أو الأبناء، بل يحمي أيضًا المال العام، لأن الأموال التي تُصرف من خلال بنك ناصر أو صندوق تأمين الأسرة هي في النهاية موارد مخصصة لضمان الاستقرار الاجتماعي، واستردادها من المتهربين يسهم في دعم استدامة هذه المنظومة.

إن حماية المرأة والطفل ليست قضية قانونية فحسب، بل هي قضية مجتمع بأكمله. وكل خطوة تعزز من ضمان حصول النساء والأطفال على حقوقهم المالية تمثل خطوة نحو مجتمع أكثر عدلًا واستقرارًا، ولهذا فإن القرار الأخير الصادر عن وزارة العدل يمكن اعتباره خطوة مهمة في مسار طويل نحو تحقيق العدالة الأسرية، وترسيخ مبدأ بسيط لكنه أساسي: أن الحقوق لا تكتمل بصدور الأحكام، بل بتنفيذها.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق