ما فعلته "لماذا" بقصص القشاوي

السبت، 21 مارس 2026 03:51 م
ما فعلته "لماذا" بقصص القشاوي
حمدي عبد الرحيم

كنت أقرأ "بعد التسعين" الجزء الثالث من السيرة الذاتية للعلامة الأستاذ الدكتور محمود الربيعي، بسعادة لافتة!.. سألت نفسي عن سر سعادتها فقالت: هذا شيخك يتجاوز التسعين وهو يتمتع بلياقة ذهنية تتيح له الكتابة وهو في الرابعة والتسعين عن أحداث شهدها وهو ابن الرابعة من عمره، ثم هناك مراقبتك لرحلته، أنت لديك كل كتبه التي صدرت قبل نصف قرن مضى فتستطيع ملاحظة ما طرأ على من تجديد وتطور.
 
بعد فراغي من سيرة الربيعي جاءت المجموعة القصصية "كل الألوان أزرق" للكاتب الأستاذ مجدي القشاوي. هنا توقفت باحثًا عن جديد طرأ على القشاوي وقد عبر بوابة الستين، فوجدتني حائرًا!
 
أذكر قبل كل شيء حجرًا ضخمًا عطل مسيرة القشاوي، وانقل عن مقالي قديم لي: "عرفت حادثة أراها مأساوية تدل على مكانة الكتابة في قلب وعقل القشاوي.
لقد أنجز منذ سنوات مجموعتين وقدمهما لكاتب شهير راحل، وأعجبتا الكاتب الذي قدمهما لدار نشر لها اسمها ووزنها، ثم تأخرت الدار في نشر المجموعتين، وبعد سؤال وبحث قالت الدار: "نعتذر لقد ضاعت المجموعتان".
 
هذا خبر يهد جبل، ولكن هنا تظهر قيمة الكتابة عند القشاوي، لقد نظر إلى الأمر بوصفه بشارة خير!
 
سيبدأ الرحلة من أولها محتشدًا مقدرًا لوعثاء الطريق ومشاق السفر، وقد كان له ما أراد وظهرت مجموعته التي تؤكد على موهبته التي أفرج عنها أخيرًا ليكون عند حسن ظن الذي يعرفون ثقافته العريضة التي لا تقف عند حدود الآداب بل تتجاوزها للفنون التشكيلية والموسيقى".
 
هناك في سياقي هذا، خبر عرفته من الكاتب نفسه إذ قال لي: "وقفت بيني وبين الكتابة والنشر سدود، ثم لا أعرف كيف انهارت فتدفقت كتاباتي كأنها السيل".
لو نشر القشاوي ما كتبه متتابعًا لكان انتاجه سيوفر للباحث سبل معرفة التطور والارتقاء، ولكن ما كان قد كان.
 
مجموعة "كل الألوان أزرق" صادرة عن دار العين بغلاف معبر صنعه الفنان الأستاذ محمود عبد الناصر.
 
تضم المجموعة أربع عشرة قصة، لم يسجل الكاتب تاريخ كتابة واحدة منهن، وليته فعل.
 
أعترف بأنني لست من مجاذيب المسطرة الأوربية في الأدب أو غيره من النشاطات الإنسانية، وتعاملي مع الأدب تحديدًا يقوم على محورين المتعة والرسالة، فإن لم يمتعني العمل أو غابت عنه الرسالة فعدم مطالعته عندي أولى وأحسن!
 
المتعة مع نصوص القشاوي موجودة وبوفرة لا شك في هذا، فهو رجل يعرف كيف يقص القصة ويحكي الحكاية، معتمدًا على لغة لها ظلال وألوان وزخارف وربى وقيعان، ثم هو مقتصد يعرف كيف ينزل الكلمة منزلتها فلا يتقعر سعيًا وراء استعراض لغوي سيدمر في النهاية مقاصد الدراما، ولا يسفل ليرضى أهل الابتذال.
 
أما رسالة مجموعة القشاوي فقد بثها في كل قصصه، إنها رسالة "لماذا" سؤال يبدو بسيطًا ولكنه مؤلم، خاصة والكاتب ومعه القارئ لا يجدان إجابة شافية، وهذا لأن " لماذا" التي يطرحها القشاوي هي لماذا كونية متعلقة بالمطلق بل بالمستحيل، فكيف يتعاطى النسبي مع المطلق وكيف يتعامل المخلوق مع سنن الخالق؟
لا يهتم الكاتب بأسماء أبطال قصصه فنادرًا ما يسجلها، بل نادرًا ما يلتفت إلى أعمالهم التي يرتزقون منها، وفقرات الحوار شحيحة، فقد تجد في القصة التي تشغل صفحات جملة حوار أو جملتين.
 
لن تجد سوى سرد متدفق يغوص في أعماق الأبطال باحثُا عن إجابة "لماذا"!
 
قرأت قصة "ما أعرفه عن إصلاح" ثم أغلقت الكتاب وأنا أتمتم: لماذا جرى لإصلاح ما جرى؟
 
هناك طفل باب بيته يطل مباشرة على ما يمكن تسميته تجاوزًا بيت إصلاح الذي ليس فيه من البيوت شيء، هناك إصلاح التي تمتهن حقن الناس في العضل أو الوريد، وأمها مريضة الدهر قعيدة السرير، ثم اللاشيء الكوني، فراغ من كل الجهات، بل فراغ يسكن القلوب، إصلاح فقيرة اليدين والملامح، فكأنها أنثى، فقرها جعل الناس يسرفون في مديح أخلاقها، فهى مأمونة الجانب ولن تغوى رجلًا فتخطفه من عياله.
 
لماذا يشغل طفل نفسه بمراقبة إصلاح؟
 
سبحان الذي أودع في كل قلب ما يشغله، كأن الطفل يتفرج على الخراب ويجد متعة ما في التلصص عليه!
 
يتغير الكون كله وتبقى إصلاح كما هي لا رجل ولا أب ولا طفل، الشيء الوحيد الذي تبدل هو موت الأم، غادرت إصلاح حفرة موت الأم لتقع في بئر الزواج من رجل أبيض سمين، الحلم بأن تحبل إصلاح وتلد هو والمستحيل سواء، ولكنه ظل الرجل الذي يبدو أحسن من ظل الحائط.
 
الطفل المراقب كبر وأصبح له مكتب يقضى من خلاله مصالح الناس، إصلاح تمرض وكذا الرجل الأبيض السمين، تتردد إصلاح على مكتب الطفل الذي كان، لقد عرفها رغم فرقة السنين، عرفها من رائحتها، حكت له كل شيء من مرضها لمرض رجلها لميراثه الذي يتنازع عليه أبناء العمومة!
 
لماذا الكونية هاجمت بشراسة قلب صاحب المكتب، القشاوي لم يكتب شيئًا ولكنه فضح كل شيء، لقد فضح لماذا، فلماذا تتعرض إصلاح لكل ما تعرضت له، لماذا هذه أقدراها، لماذا لم تذق من عسل الدنيا ولو رشفة.
 
صاحب المكتب قرر أن يهب الحياة لعروق إصلاح المتيبسة، سيفعل معها ما يجعلها تعرف أن في الحياة ألوان غير الأسود ورجال غير رجلها الأبيض السمين المريض. 
 
هل فعل حقًا؟
 
تنتهي القصة وبطلها يعدد لذائذ الحياة التي سيهبها لإصلاح، سيتنبه إلى القارئ إلى أن السين هي سين التسويف!
 
وبعدُ فأني أنتظر جديد القشاوي فعله في قادم أعماله نفلت معه من مخالب لماذا.
 
 
 
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق