اللواء إبراهيم عثمان يكتب عن سيناريوهات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران
السبت، 21 مارس 2026 06:00 م
لواء أح د/ إبراهيم عثمان الخبير الاستراتيجى
لواء أح د/ إبراهيم عثمان الخبير الاستراتيجى ونائب أمين عام مجلس الدفاع الوطنى سابقاً:
التفوق العسكري لن يكون العامل الحاسم بل قدرة أطراف الصراع على إدارة التصعيد ضمن حدود الردع الاستراتيجي المباشر
في مشهد عسكرى وأمنى واقتصادى غير مسبوق وجديد في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تتعرض المنطقة لتحولات استراتيجية كبيرة سوف تعيد تشكيل التوازنات على مر العقود القادمة، حيث أصبحت الحرب الجارية الإختبار المعقد لقدرات ردع الدول منفردة أو لجدوى التحالفات وللنظام الدولى، ويبرز أربعة سيناريوهات تحدد مسار الصراع خلال المرحلة الأسابيع والشهور القادمة، السيناريو الأول (حرب استنزاف – مرجح) باستمرار الضربات المتبادلة وسعى كل طرف إضعاف الطرف الآخر دون الانزلاق إلى حرب برية.
السيناريو الثاني (توسع الحرب - متوقع) وتحويله لأزمات عالمية وخاصة أزمة طاقة.
السيناريو الثالث (ضربة أمريكية حاسمة – محتمل) إلا أنه قد ينجم عنها فوضى إقليمية؟
السيناريو الرابع (وقف إطلاق النيران بضغوط دولية - مستبعد) بحثاً عن مخرج سياسي، ما زالت مختلف التطورات على أرض الواقع تشير أن سيناريو الاستنزاف هو الأقرب ما لم يحدث متغير جوهرى.
السيناريو الأول: حرب استنزاف، وهو سيناريو (الاستمرارية)، وهو المرجح بنسبة حوالى 40% واستمرار الحرب بنفس المعدل من العمليات (ضربات متبادلة - هجمات صاروخية - عمليات بحرية متقطعة - حرب سيبرانية واقتصادية - ...)، وقد يستمر عدة أسابيع أو تزيد ارتباطاً بمدى توفير الذخائر وخسائر الأطراف ومستوى الجهود الدبلوماسية الدولية والإقليمية.
ومن أهم مؤشرات هذا السيناريو استمرار الضربات المتبادلة دون توسع، مع انخفاض معدلاتها خلال الأسبوع الثانى وتذبذبها خلال الأسبوع الثالث فضلاً عن غياب العمليات البرية التي تحسم المعارك على أرض الواقع، لذا يظل هذا السيناريو هو المرجح في ضوء فشل الضربات الأولى في تحقيق أهداف حاسمة، ورغبة الولايات المتحدة في تجنب حرب برية واسعة، فضلاً عن استمرار قدرة إيران على إطلاق الصواريخ رغم الضربات الموجعة التي تمنى بها، هذا إلى جانب الضغوط الدولية والإقليمية على مختلف الأطراف خشية توسع الحرب.
وتعتمد الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في هذا السيناريو على القذف الجوي على إيران باستهداف "المنشأت النووية – مصانع ومخازن ومواقع إطلاق الصواريخ والمسيرات - الحرس الثوري – الاغتيالات - الحروب السيبرانية والاستخباراتية والنفسية - تدمير البنية العسكرية بشكل تدريجى" بهدف إضعاف إيران مع التعويل على انتهاء المخزون الاستراتيجي الإيراني للصواريخ البالستية أو تأجيج الشارع الإيراني. بينما تعتمد إيران على الردع غير المتكافئ استناداً على التصنيع المحلى وجغرافيا الأرض وكسب الوقت من خلال إطلاق الصواريخ والمسيرات بشكل تدريجى ومحسوب، بضرب الأهداف الأمريكية في المنطقة والأهداف الإسرائيلية مع استخدام عناصر حزب الله وبعض الحلفاء الإقليميين في العراق، فضلاً عن استهداف السفن في مضيق هرمز وخاصة الأمريكية بهدف إطالة زمن الحرب رغبة في تعرض القيادة الأمريكية لضغوط سياسية.
ويلقى هذا السيناريو بإيجابيات على الولايات المتحدة وإسرائيل سواء تقليل الخسائر البشرية أو العمل على تدمير القدرات الإيرانية بشكل تدريجى مع إمكانية السيطرة على التصعيد، وتعود الإيجابيات على إيران بالحفاظ على النظام وإطالة زمن الحرب واستنزاف القوات الأمريكية والإسرائيلية مع زيادة الضغط الدولي على واشنطن، أما عن سلبيات السيناريو فنجد أنه مكلف للولايات المتحدة وإسرائيل نظرا لارتفاع تكلفة العمليات الجوية، بالإضافة إلى ما تواجهه القيادة الأمريكية من ضغوط سياسية داخلية خاصة عقب اندلاع مظاهرات في بعض الولايات احتجاجا على دخول الحرب، بالإضافة إلى أن دول الخليج هي من تتعرض للضربات، والسلبيات على إيران تكمن في التدمير المستمر للبنية العسكرية فضلاً عن انهيار أكبر للاقتصاد.
أما السيناريو الثاني "توسع الحرب"، أو التوسع، وهو المتوقع بنسبة حوالى 30% بفتح جبهات أخرى بالإضافة إلى جنوب لبنان لتشمل كل من (العراق – سوريا – الخليج - اليمن جنوب البحر الأحمر) مع تنامى الدول الغربية التي تعاون الولايات المتحدة وإسرائيل.
ومن مؤشرات هذا السيناريو، فتح الجبهة اللبنانية بدخول حزب الله، الاستهداف الراهن للقواعد الأمريكية ومنشآت خليجية، الأزمة الراهنة للغلق الجزئى لمضيق هرمز وما ينتج عنها من تنامى الخسائر البشرية، فضلاً عن إعلان بعض الدول الغربية معاونة القوات الأمريكية، أما المؤشرات المستقبلية المبكرة تتمثل في زيادة الضربات الإسرائيلية الأمريكية على إيران وتحقيقها خسائر كبيرة، الأمر الذى يؤدى إلى إطلاق إيران وأذرعها آلاف الصواريخ في هجمات مكثفة وتعطيل الملاحة البحرية كلياً في مضيق هرمز.
وفيما يتعلق بأعتماد أطراف الصراع في التنفيذ، فسوف تعتمد إيران على فتح جبهات متعددة من خلال حزب الله والفصائل العراقية الموالية لها والحوثيين في اليمن مع تكثيف الهجمات البحرية في الخليج العربى وجنوب البحر الأحمر بهدف تشتيت جهود القوات الإسرائيلية والأمريكية، بينما تعتمد الولايات المتحدة وإسرائيل على استهداف أذرع إيران والتعاون مع القوى الغربية لتأمين طرق الملاحة الدولية، مع الاستمرار في تدمير البنية العسكرية الإيرانية ومحاولة تأجيج الشارع الإيراني .
ويلقى هذا السيناريو بعض الإيجابيات على إيران بتصدير جزء من الحرب خارج أراضيها مع تحويلها من مواجهة مباشرة إلى حرب إقليمية بالضغط على الاقتصاد العالمي لزيادة الضغط على واشنطن، وعن الإيجابيات للولايات المتحدة وإسرائيل فإن السيناريو سيعطى شرعية دولية أكبر للتحرك العسكري.
أما عن السلبيات فيعد أهمها توسع الحرب السيبرانية لتشمل تعطيل البنوك واستهداف شبكات الكهرباء وتعطيل أنظمة الأقمار الصناعية، مع زيادة حالة عدم الاستقرار بشكل أكبر في معظم دول الشرق الأوسط وخاصة دول الخليج وانهيار أسواق الطاقة واحتمالية تدخل قوى دولية أخرى، بالإضافة للوضع الحرج الذى تعيشه الجاليات الإيرانية في دول الخليج العربى.
وفيما يتعلق السيناريو الثالث "ضربة أمريكية حاسمة"، أو الحسم، وهو المحتمل بنسبة حوالى 15% بتنفيذ حملة عسكرية كبرى سواء الولايات المتحدة منفردة أو بالتعاون مع أكراد العراق لهجوم برى على الحدود، أو احتلال أحد الجزر الإيرانية أو استخدام أسلحة التدمير الشامل على أحد المدن الإيرانية، أو أساليب أخرى للقوات الخاصة لتواجد قوات أمريكية على أي جزء من الأراضى الإيرانية يعقبها إعلان الرئيس الأمريكي بوقف الحرب بعد وصول قواته على الأراضى الإيرانية لتصدير نصر زائف للداخل الأمريكي.
ومن مؤشرات هذا السيناريو، فشل الحرب المحدودة حتى الآن، وصمود إيران واستمرارها في إطلاق الصواريخ والمسيرات، وقد يلجأ الرئيس الأمريكي لهذا السيناريو حالة تدخل الكونجرس لاتخاذ قرار سياسي بضرورة حسم الحرب أو التمويل المشروط بتحقيق أهداف محددة.
وتعتمد الولايات المتحدة في السيناريو على الحملة الجوية والصواريخ الذكية لضرب القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية وأهداف استراتيجية كبيرة ذات تأثير مباشر على الشعب الإيراني، مع تنفيذ عمليات خاصة داخل إيران للحصول على اليورانيوم المخصب، بينما تعتمد إيران على الحرب الشاملة واستهداف كل القواعد الأمريكية وإغلاق كلى لمضيق هرمز فضلاً عن التعبئة الداخلية.
ويلقى هذا السيناريو إيجابيات للتحالف الإسرائيلي الأمريكي بالبدء فعلياً في القضاء على النظام الإيراني وإنهاء البرنامج النووي، إلا أن هناك العديد من السلبيات أهمها ردود فعل الحرس الثورى في الأنفاس الأخيرة، مع حالة الفوضى في الداخل الإيراني واحتمالية نشوب حرب أهلية، وهنا تفرض أسئلة نفسها على الساحة أهمها من الضحية القادمة حالة زيادة النفوذ الإسرائيلي؟.. ما هو موقف كل من الصين وروسيا حالة تواجد القوات الأمريكية في غرب آسيا؟..
أما السيناريو الرابع "وقف إطلاق النيران"، أو وقف الحرب خلال أسابيع، ونسبة تحققه حوالى 15% تزيد إلى أكثر من 30% حالة زيادة الخسائر البشرية الأمريكية والإسرائيلية، والعمل على التوصل إلى تفاهم سياسي عاجل بالدبلوماسية الطارئة، ومن مؤشراته استمرار الضغوط الدولية نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً فضلاً عن استنزاف القدرات العسكرية الإيرانية، والموقف الداخلى لإسرائيل من حالة الرعب بالتواجد معظم الأوقات في الملاجئ وأيضاً الاحتجاجات في الشارع الأمريكي.
وتعتمد الولايات المتحدة في هذا السيناريو على إعلان تحقيق أهداف عسكرية محددة مما يوجب وقف الحرب، بينما تعتمد إيران على إعلان استمرار الصمود إلا أنها سوف تستجيب وتوقف إطلاق الصواريخ حفاظاً على المتبقى لديها.
وتعود إيجابيات إنهاء الحرب على تجنب توسع الصراع مع عودة استقرار المنطقة واستقرار الأسواق العالمية، بينما تتمثل السلبيات في بقاء القدرات العسكرية الإيرانية جزئياً مع احتمالية تجدد الحرب مستقبلاً.
العوامل الاستراتيجية التى قد تغير ترتيب ونسب احتمالات السيناريوهات
موقف الكونجرس ومجلس الشيوخ الأمريكي:
حالة بدأ الضغوط الداخلية من الأعضاء لوقف الحرب أو لتقييد التمويل العسكري وربطه بشروط محددة وهو ما يزيد احتمال سيناريو وقف إطلاق النيران ويقلل احتمال سيناريو الضربة الأمريكية الحاسمة، والعكس صحيح إذا زادت الأصوات الداعية للحسم، فالأمر يتوقف على مدة استمرار الحرب مقارنة بالخسائر البشرية أولاً ثم الهيبة الأمريكية ثم الخسائر الاقتصادية.
الموقف الصينى والروسى:
حالة تقديم الطرفين دعم مفرط للإيران استخباراتى ودبلوماسي ومساعدات تكنولوجية فقد يزيد احتمال سيناريو حرب الاستنزاف طويلة المدى.
أمن الطاقة العالمي:
يعد من العوامل الأكثر حساسية حالة الإغلاق الكلى لمضيق هرمز أو فتح جبهة جنوب البحر الأحمر، حيث سيؤدى إلى تدخل دولي واسع النطاق لسرعة سيناريو وقف إطلاق النيران.
حزب الله:
تعد الجبهة اللبنانية من المتغيرات العسكرية الخطيرة حالة دخول الحزب بكامل قوته لقدرته على التأثير المباشر والمستمر على أكثر من نصف إسرائيل.
الوضع الداخلي في إيران:
فهناك ثلاثة احتمالات للداخل الإيراني، إما استمرار تماسك النظام أو الاضطرابات المحدودة أو الاحتجاجات واسعة النطاق، فإن حدثت الأخيرة فقد يتحقق سيناريو الضربة الأمريكية الحاسمة وسيعلن الرئيس الأمريكي أنه يعاون الشعب الإيراني على التغيير السياسي.
الخاتمة:
مازال مسار الحرب مفتوح لعدة احتمالات مستقبلية، والعامل الحاسم لن يكون التفوق العسكري فقط بل قدرة أطراف الصراع على إدارة التصعيد ضمن حدود الردع الاستراتيجي المباشر، ومع ذلك فإن توازن الضغوط العسكرية مع المسارات الدبلوماسية سوف يحدد إن كان هناك تسوية مؤقتة أم ندخل مرحلة عدم استقرار جديدة وممتدة .