المنطقة المنكوبة.. الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة رسم موازين القوى بخرائط مرسومة بدماء الحروب
الأحد، 22 مارس 2026 09:00 ص
أرشيفية
محمود علي
تشهد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا في التاريخ الحديث، فمن سوريا ولبنان إلى اليمن وفلسطين والعراق وليبيا والسودان وصولًا إلى إيران، تتشابك الحروب والصراعات في مشهد غير مسبوق من الفوضى والانقسام والدمار، حروب أهلية، صراعات إقليمية، تدخلات دولية، وانقسامات داخلية تضرب معظم دول المنطقة، ما يثير تساؤلات عميقة حول ما إذا كان الشرق الأوسط يعيش مرحلة إعادة تشكيل شاملة لموازين القوى والنفوذ.
والحقيقة أن ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمات منفصلة، بل سلسلة من الصراعات المتداخلة التي تجعل المنطقة في حالة اشتعال دائم، وكأنها تعيش على فوهة بركان لا يهدأ، فالدفع بالخلافات الداخلية، وبث الفتن بين القوى السياسية والطائفية، وتحويل النزاعات الداخلية إلى ساحات صراع إقليمي ودولي، كلها أدوات استُخدمت عبر عقود لإبقاء المنطقة في حالة عدم استقرار دائم.
وفي هذا السياق تأتي الحرب الأخيرة على إيران، والتي بلغت ذروتها بتوجيه ضربات عسكرية إسرائيلية وأمريكية استهدفت مواقع داخل طهران تحت ذريعة البرنامج النووي الإيراني، لكن الرؤية الأصوب أن هذه الضربات ليست مجرد محاولة لاحتواء البرنامج النووي، بل خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة رسم خريطة التوازنات في الشرق الأوسط.
ويعود ملف التوتر بين إيران والغرب إلى عقود طويلة، غير أن نقطة التحول الكبرى جاءت مع الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، الذي أبرمته طهران مع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، بهدف الحد من برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، غير أن هذا الاتفاق لم يصمد طويلًا، إذ انسحبت الولايات المتحدة خلال الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب منه عام 2018، لتعود بعدها العقوبات الأمريكية على إيران بشكل أكثر شدة، ومنذ ذلك الوقت تصاعدت حدة التوتر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، خاصة مع اتهامات متكررة لطهران بتطوير قدرات نووية قد تتيح لها امتلاك سلاح نووي في المستقبل.
وجاءت أحداث 7 أكتوبر 2023 لتكون القشة التي قصمت ظهر أي محاولات للتفاوض بشأن الملف النووي، إذ اتهمت طهران بأنها الداعم الرئيسي لحركة حماس في الهجوم على المستوطنات الإسرائيلية في غلاف قطاع غزة، ومنذ ذلك الحين بدأت مناوشات عسكرية وضربات متبادلة لإسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، قبل أن تتصاعد المواجهة العسكرية في يونيو 2025 إلى حرب استمرت 12 يومًا، انتهت بفتح المجال مجددًا أمام طاولة المفاوضات، خاصة أن إيران تؤكد دائمًا أن برنامجها النووي ذو طبيعة سلمية ويهدف إلى إنتاج الطاقة.
ومع تعثر المفاوضات الدولية لإحياء الاتفاق النووي، بدأت المواجهة تأخذ أبعادًا عسكرية وأمنية متزايدة، فمنذ 28 فبراير الماضي وتلقت طهران ضربات استهدفت البنية التحتية الإيرانية، إضافة إلى اغتيالات طالت رأس النظام الإيراني المرشد الأعلى علي خامنئي وعددًا من قادة الحرس الثوري والمجلس الأعلى الإيراني أخرهم إعلان نتنياهو اغتيال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إلى جانب علماء ومسؤولين مرتبطين بالبرنامج النووي.
وفي التصعيد الأخير، نفذت إسرائيل والولايات المتحدة ضربات عسكرية استهدفت مواقع داخل إيران، في خطوة اعتبرها مراقبون تحولًا خطيرًا في مسار الصراع، إذ نقلت المواجهة من حرب الظل إلى مواجهة أكثر وضوحًا، وبين التصعيد العسكري والضغوط الاقتصادية، تبدو إيران اليوم في قلب واحدة من أكثر الأزمات الإقليمية تعقيدًا.
فسطين.. جرح مفتوح
منذ السابع من أكتوبر2023 دخل قطاع غزة مرحلة جديدة من الصراع، بعد الهجوم الذي شنته حركة حماس على إسرائيل، والذي أدى إلى اندلاع عدوان واسع النطاق على القطاع استمر لأكثر من عامين، وشمل حملة عسكرية ضخمة تضمنت قصفًا جويًا وبريًا مكثفًا استهدف مناطق واسعة داخل غزة، وقد أسفر هذا العدوان عن إصابة واستشهاد نحو ربع مليون فلسطيني، في إحصائية كشفت عن حجم الكارثة الإنسانية التي تعرض لها القطاع.
ومع استمرار العمليات العسكرية، تعرضت غزة لدمار هائل طال البنية التحتية والمنازل والمرافق الصحية والتعليمية، كما أدت الحرب إلى أزمة إنسانية غير مسبوقة نتيجة نقص الغذاء والمياه والدواء، إلى جانب نزوح مئات الآلاف من السكان داخل القطاع.
وقد أثار هذا العدوان الإسرائيلي الدامي موجة واسعة من الانتقادات الدولية، بسبب حجم الخسائر البشرية والدمار الكبير الذي لحق بالقطاع، في حين توجت الجهود الدولية بالتوصل إلى اتفاق برعاية مصرية أمريكية قطرية في مدينة شرم الشيخ، أدى إلى وقف دائم لإطلاق النار في قطاع غزة، غير أن الخروقات العسكرية الإسرائيلية داخل القطاع استمرت بشكل نسبي، لتبقى غزة إحدى أبرز بؤر التوتر في الشرق الأوسط، والتي تعتبرها تل أبيب جزءًا من طموحها لتغيير معادلة المنطقة.
كما حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استغلال العدوان على غزة لدفع سكان القطاع إلى الخروج منه وتهجيرهم، تمهيدًا لتحويله إلى منطقة آمنة بالنسبة لإسرائيل، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل في ظل صمود الفلسطينيين ورفض مصر القاطع لكل هذه المخططات.
السودان.. ميليشيا تحاول هدم دولة
منذ أبريل 2023 يشهد السودان حربًا دامية بين الجيش السوداني بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان وميليشيا الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي"، وقد اندلع الصراع نتيجة تمرد قوات الدعم السريع على الجيش، بعد خلافات عميقة حول مستقبل السلطة في البلاد وترتيبات المرحلة الانتقالية.
ومع اتساع رقعة القتال، تحولت العاصمة الخرطوم وعدداً من المدن السودانية إلى ساحات معارك مفتوحة، ما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا وتشريد ملايين المدنيين داخل البلاد وخارجها، إلا أن المرحلة الأكثر اضطرابًا جاءت بعد سقوط مدينة الفاشر في يد المتمردين، حيث شهدت فظائع وجرائم حرب بحق المدنيين ألقت بظلالها على حقيقة الصراع، ما دفع عددًا كبيرًا من الدول إلى إدانة الممارسات التي ترتكبها ميليشيا الدعم السريع في السودان.
وتسببت الحرب في أزمة نزوح داخلية وخارجية واسعة، إذ نزح أكثر من 12 مليون سوداني من مناطقهم، كما أدت إلى انهيار العديد من مؤسسات الدولة وتعطيل الاقتصاد السوداني، إضافة إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية مع نقص الغذاء والدواء وتدمير البنية التحتية.
ورغم محاولات الوساطة الإقليمية والدولية لوقف إطلاق النار، فإن الحرب لا تزال مستمرة، ما يجعل السودان أحد أخطر بؤر عدم الاستقرار في المنطقة، ويثير مخاوف من استمرار حالة الانقسام لفترة طويلة.
لبنان.. المصاب الدائم
تأثر لبنان بشكل مباشر بتداعيات الحرب في غزة، حيث تصاعد التوتر على الحدود الجنوبية مع إسرائيل نتيجة المواجهات المتكررة بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله، وقد شهدت المناطق الحدودية عمليات قصف متبادل أدت إلى نزوح سكان العديد من القرى الحدودية، ومنذ أن أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل هجماتهما الواسعة على إيران، تصاعدت وتيرة التوتر في المنطقة بشكل غير مسبوق، وامتد الاشتعال إلى الحدود اللبنانية، خاصة مع دخول حزب الله المباشر على خط المواجهة، في ظل تعهدات إسرائيل بالقضاء عليه بالكامل، على خلفية دعمه المستمر لإيران.
وفي الداخل اللبناني، تزامن هذا التصعيد مع أزمة سياسية واقتصادية عميقة تعيشها البلاد منذ سنوات، حيث يعاني لبنان من انهيار مالي غير مسبوق وتراجع كبير في مستوى الخدمات العامة، كما أدت الانقسامات السياسية الداخلية إلى تعقيد المشهد، في ظل استمرار الخلافات حول مستقبل السلاح خارج إطار الدولة ودور حزب الله في المعادلة الإقليمية.
وبذلك يجد لبنان نفسه في قلب معادلة معقدة تجمع بين الضغوط الاقتصادية والأزمات السياسية والتوترات الأمنية المرتبطة بالصراع الإقليمي الأوسع.
سوريا تتحول
شهدت سوريا منذ عام 2011 حربًا أهلية معقدة تداخلت فيها أطراف محلية وإقليمية ودولية، ما أدى إلى انقسام السيطرة على الأراضي السورية بين عدة قوى وخلال سنوات الصراع، أصبحت البلاد ساحة لتنافس نفوذ بين قوى متعددة، ومع تراجع سلطة الدولة المركزية في بعض المناطق، ظهرت كيانات مسلحة متعددة، كما دخلت قوات أجنبية إلى الأراضي السورية تحت ذرائع مختلفة.
وفي ظل استمرار حالة الانقسام، نفذت إسرائيل عدة ضربات داخل سوريا استهدفت مواقع عسكرية، معتبرة أنها تهدف إلى منع تعزيز نفوذ خصومها الإقليميين، ورغم محاولات إعادة الاستقرار في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد وصعود أحمد الشرع لقيادة البلاد، لا تزال سوريا تواجه تحديات كبيرة تتعلق بإعادة بناء الدولة وتوحيد الأراضي وإنهاء حالة التشرذم التي خلفتها سنوات الحرب.
ليبيا تحاول النهوض
منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 تعيش ليبيا حالة من الانقسام السياسي والأمني، حيث تشكلت حكومتان متنافستان إحداهما في الغرب والأخرى في الشرق، وقد أدى هذا الانقسام إلى استمرار الصراع بين القوى السياسية والعسكرية المختلفة، إضافة إلى انتشار الميليشيات المسلحة التي تسيطر على مناطق عديدة داخل البلاد.
ورغم الجهود الدولية لتوحيد المؤسسات السياسية والعسكرية، لا تزال البلاد تعاني من حالة عدم استقرار، في ظل غياب تسوية سياسية شاملة تنهي الانقسام القائم.
العراق يواجه المصير
يواجه العراق تحديات أمنية وسياسية معقدة، أبرزها انتشار الجماعات المسلحة وتعدد مراكز النفوذ داخل الدولة، كما يعاني الاقتصاد العراقي من ضغوط كبيرة رغم امتلاكه موارد نفطية ضخمة.
وفي الوقت نفسه تبرز قضايا الخلاف بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان، خاصة فيما يتعلق بالموارد النفطية ومستقبل العلاقة بين الطرفين، وبين هذه التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية، يبقى العراق أحد الساحات المهمة وغير المستقرة في معادلة التوازنات الإقليمية.
اليمن في حرب مستمرة
لا تزال الحرب في اليمن مستمرة منذ سنوات بين الحكومة المعترف بها دوليًا وجماعة الحوثي التي تسيطر على أجزاء واسعة من البلاد، وقد أدت هذه الحرب إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، كما تشهد الساحة اليمنية تعقيدات إضافية نتيجة الخلافات بين القوى السياسية المختلفة، خاصة بين الحكومة والقوى الجنوبية التي تطالب بمزيد من الاستقلالية.
وبين الصراع العسكري والأزمات الإنسانية، يبقى مستقبل اليمن مرتبطًا بمدى نجاح الجهود السياسية في التوصل إلى تسوية تنهي الحرب المستمرة، التي تؤثر بشكل أو بأخر بمستقبل الملاحة الدولية خاصة يعد مضيق باب المندب، المطل على الساحل اليمني، أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم.
في ظل هذا المشهد المعقد، تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوى، حيث لم تعد الصراعات المحلية مجرد أزمات داخلية، بل تحولت إلى حلقات في شبكة صراع إقليمي ودولي أوسع، فالتنافس بين القوى الكبرى، والصراع بين المحاور الإقليمية، وتداخل المصالح الأمنية والاقتصادية، كلها عوامل تجعل الشرق الأوسط ساحة مفتوحة للتجاذبات تحاول الحكومة اليمينية المتطرفة أن تستلغ ذلك أفضل استغلال لصياغة شرق أوسط جديد خالي من التهديدات.
مستقبل المنطقة
هذا الواقع المضطرب، يجعلنا نطرح سؤال مهم مرتبط بقدرة دول المنطقة على صياغة رؤية مشتركة للأمن الإقليمي، تقوم على التعاون بدل الصراع، وعلى بناء توازنات مستقلة بعيدًا عن الاستقطابات الدولية، فبدون مشروع إقليمي حقيقي يحمي مصالح شعوب المنطقة، ستظل الحروب المتفرقة قابلة للاشتعال في أي لحظة، وسيبقى الشرق الأوسط عالقًا في دائرة عدم الاستقرار التي قد تعيد رسم خريطته السياسية والجيوسياسية لسنوات طويلة قادمة.