الدكتور ثروت الخرباوى يكشف لـ"صوت الأمة" التاريخ الدموى لـ"رأس الأفعى" - "حوار"
الأحد، 22 مارس 2026 11:00 ص
الدكتور ثروت الخرباوي، عضو مجلس الشيوخ، والباحث في شؤون الحركات الإسلامية
حاوره محمد الشرقاوى
الدكتور ثروت الخرباوى:
محمود عزت صنيعة أفكار سيد قطب وحظى برعاية مصطفى مشهور وآخر "جيل الصقور"
استخدم المظلومية كأداة "ربط مقدسة" للسيطرة على عقول الأعضاء.. ووضع منهج فقهى دمج أفكار الخوارج مع أفكار "قطب"
مهندس السرية وخطط "الخلايا العنقودية" و"الذئاب المنفردة" ومنهجه أن تظل الجماعة "كتلة صلبة مخفية" وليس "حزبًا سياسيًا مكشوفًا"
امتلك خريطة التمويل والولاءات وقنن استخدام الأسماء الحركية ودوائر الاتصال المعقدة وهو صاحب قرارات الاغتيال وتفجير معهد الأورام
أنشأ "الكتائب الإلكترونية" كأداة "اغتيال معنوي" للمخالفين ووسيلة لصناعة رأي عام زائف بـ"تكرار الكذبة حتى تصدق"
رجح كفة اختيار محمد بديع مرشدًا للجماعة وعزز نفوذ التنظيم السري.. وأعاد تشكيل مراكز القوة داخل الجماعة الإرهابية
سقوط "عزت" في 2020 قطع أسلاك الكهرباء عن التنظيم.. وفقدت الجماعة "السنترال" الذي يربط الداخل بالخارج
التنظيم الدولي يعيش حالة "موت سريري" سياسيًا لكنه يملك "قوة اقتصادية" وقادر على تغيير لونه مثل "الحرباء"
محمود عزت صنيعة أفكار سيد قطب وحظى برعاية مصطفى مشهور وآخر "جيل الصقور"
استخدم المظلومية كأداة "ربط مقدسة" للسيطرة على عقول الأعضاء.. ووضع منهج فقهى دمج أفكار الخوارج مع أفكار "قطب"
مهندس السرية وخطط "الخلايا العنقودية" و"الذئاب المنفردة" ومنهجه أن تظل الجماعة "كتلة صلبة مخفية" وليس "حزبًا سياسيًا مكشوفًا"
امتلك خريطة التمويل والولاءات وقنن استخدام الأسماء الحركية ودوائر الاتصال المعقدة وهو صاحب قرارات الاغتيال وتفجير معهد الأورام
أنشأ "الكتائب الإلكترونية" كأداة "اغتيال معنوي" للمخالفين ووسيلة لصناعة رأي عام زائف بـ"تكرار الكذبة حتى تصدق"
رجح كفة اختيار محمد بديع مرشدًا للجماعة وعزز نفوذ التنظيم السري.. وأعاد تشكيل مراكز القوة داخل الجماعة الإرهابية
سقوط "عزت" في 2020 قطع أسلاك الكهرباء عن التنظيم.. وفقدت الجماعة "السنترال" الذي يربط الداخل بالخارج
التنظيم الدولي يعيش حالة "موت سريري" سياسيًا لكنه يملك "قوة اقتصادية" وقادر على تغيير لونه مثل "الحرباء"
على مدار عقود ظل اسم محمود عزت حاضرًا في قلب التنظيم السري لجماعة الإخوان الإرهابية، باعتباره أحد أكثر القيادات غموضًا ونفوذًا داخل الجماعة، فلم يكن مجرد قيادي تقليدي، بل لعب دور «العقل التنظيمي» أو "رأس الأفعى" الذي تولى إدارة الكثير من الملفات الحساسة خلف الكواليس، وأسهم في رسم مسارات الحركة داخل التنظيم، خاصة في اللحظات الفاصلة التي واجهت فيها الجماعة أزمات حادة، ومنذ تأثره المبكر بأفكار سيد قطب، برز عزت كأحد أبرز حاملي الفكر القطبي داخل الجماعة، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى أحد مهندسي بنيتها التنظيمية وصناع قرارها الحقيقيين.
وخلال السنوات التي أعقبت سقوط حكم الإخوان في مصر، تصاعد دور محمود عزت بشكل لافت، حيث تولى إدارة العديد من شبكات التنظيم السرية، والعمل على إعادة ترتيب صفوف الجماعة في الداخل والخارج، إلى جانب الإشراف على خطابها الإعلامي ومحاولات استثمار خطاب المظلومية لاستعادة الحضور في المشهد السياسي؛ لكن القبض عليه مثّل ضربة قاسية للتنظيم، وطرح تساؤلات عديدة حول مستقبل الجماعة وقدرتها على الاستمرار دون أحد أبرز عقولها التنظيمية.
وفي هذا الحوار، تفتح «صوت الأمة» ملف "رأس الأفعى" محمود عزت داخل جماعة الإخوان، من خلال قراءة تحليلية يقدمها الدكتور ثروت الخرباوي، عضو مجلس الشيوخ، والباحث في شؤون الحركات الإسلامية والقيادي السابق بالجماعة، الذي يكشف جوانب من مسار الرجل ودوره في إدارة واحدة من أخطر مراحل التنظيم.
بداية، من هو محمود عزت في التاريخ التنظيمي لجماعة الإخوان؟ وكيف تشكلت شخصيته الفكرية منذ انخراطه المبكر في الجماعة وحتى صعوده إلى الصف القيادي؟
محمود عزت ليس مجرد قيادي داخل جماعة الإخوان، بل يمكن اعتباره واحدًا من أكثر الشخصيات التي اختزنت تاريخ التنظيم السري وأسراره منذ الستينات وحتى السنوات الأخيرة؛ ولذلك كثيرًا ما وُصف داخل الجماعة وخارجها بأنه "خزانة أسرار التنظيم".
وقد تشكلت ملامح شخصيته مبكرا في ستينات القرن العشرين، وهي مرحلة مفصلية في تاريخ الجماعة، فقد تعرف وهو طالب في السنة الأولى بكلية الطب في جامعة عين شمس على القيادي السوري المتشدد مروان حديد، الذي كان يمثل امتدادًا للتيار الأكثر تشددًا في الفكر الحركي الإسلامي آنذاك، ومن خلال هذا الاحتكاك المبكر تأثر بما كان يُطرح من أفكار حول ما سُمي بـ"فقه إسقاط الطاغوت"، وهو تصور يرى أن تغيير الأنظمة القائمة لا يتم عبر العمل الدعوي أو الإصلاحي التقليدي، بل عبر الصدام المباشر معها.
وبعد مرحلة من الإعداد التنظيمي والعسكري، جرى ربطه بعناصر تنظيمية مرتبطة بالشبكة التي تشكلت حول أفكار سيد قطب، ولاحقا تم تسليمه إلى القيادي عبد الفتاح اسماعيل الذي كان يُعد الرجل الثاني في التنظيم القطبي خلال تلك المرحلة، ومع كشف ما عُرف بقضية تنظيم 1965، والتي اتُهم فيها عدد من عناصر الإخوان بالتخطيط لقلب نظام الحكم واستهداف منشآت حيوية في القاهرة والجيزة، أُلقي القبض على عزت وسُجن مع عدد من القيادات، وعلى رأسهم سيد قطب الذي تم إعدامه.
هذا الاحتكاك المبكر بالتنظيم ثم تجربة السجن الطويلة لعبتا دورا حاسما في تشكيل شخصيته الفكرية والتنظيمية؛ فقد خرج من تلك المرحلة أكثر انغلاقا من الناحية التنظيمية وأكثر صلابة في تبنيه للأفكار القطبية، وهو ينتمي إلى ذلك الجيل الذي تأثر بشدة بفكرة أن المجتمع يعيش حالة "جاهلية"، وأن الجماعة تمثل "الطليعة المؤمنة" التي ينبغي أن تحافظ على تماسكها الداخلي حتى لو اقتضى ذلك بناء مسافة نفسية وتنظيمية بينها وبين المجتمع.
ومن هنا أصبح تركيز محمود عزت لاحقًا منصبًا على بناء ما يشبه الجدار العازل بين الكادر الإخواني والمجتمع الخارجي، وهو ما عبّر عنه سيد قطب بمصطلح "العزلة الشعورية"، أي شعور العضو بأنه ينتمي إلى جماعة مؤمنة متميزة عن مجتمع يراه منحرفًا عن المنهج الصحيح.
إلى أي مدى تأثر محمود عزت بأفكار سيد قطب؟ وهل يمكن اعتباره أحد أبرز من حملوا الفكر القطبي داخل التنظيم الإخواني؟
لا يمكن فهم شخصية محمود عزت التنظيمية والفكرية دون إدراك مدى تأثره العميق بأفكار سيد قطب، فقد تشكل وعيه السياسي والتنظيمي في مرحلة كانت فيها كتابات قطب – خاصة ما يتعلق بمفهوم الجاهلية المعاصرة وفكرة الطليعة المؤمنة – تمثل المرجعية الفكرية الأساسية لقطاع من شباب الإخوان في الستينات. ولم يكن هذا التأثر مجرد إعجاب فكري عابر، بل تحول إلى إطار فكري حاكم لرؤيته للعلاقة بين الجماعة والمجتمع.
وارتكزت المدرسة القطبية على تصور يرى أن المجتمعات الإسلامية انحرفت عن المنهج الصحيح للإسلام وأصبحت أشد في جاهليتها من جاهلية القرن الذي بُعث فيه سيدنا محمد، وأن مهمة الجماعة هي إعادة بناء "الطليعة المؤمنة" القادرة على استعادة هذا المنهج، وهذه الرؤية تركت أثرًا واضحًا في طريقة تفكير محمود عزت، حيث مال إلى تبني منهج شديد الانغلاق التنظيمي يقوم على إحكام السرية وبناء تنظيم صلب ومتماسك داخليا، حتى لو أدى ذلك إلى اتساع المسافة بين الجماعة والمجتمع.
ومن هنا يمكن القول إن محمود عزت لم يكن مجرد متأثر عادي بالفكر القطبي، بل كان واحدًا من أبرز من حملوا هذا الفكر داخل البناء التنظيمي للإخوان، خصوصًا فيما يتعلق بفكرة الصلابة التنظيمية والتميّز العقائدي للجماعة، وقد انعكس ذلك لاحقًا في دوره داخل الصف القيادي، حيث عُرف بتمسكه الشديد بالضبط التنظيمي وبالحفاظ على البنية المغلقة للجماعة.
كيف تدرج محمود عزت داخل هياكل جماعة الإخوان حتى أصبح أحد أبرز العقول التنظيمية فيها؟ وما المحطات المفصلية في مسيرته داخل الجماعة؟
لم يكن صعود محمود عزت داخل جماعة الإخوان الإرهابية صعودًا عاديًا، بل ارتبط منذ وقت مبكر برعاية مباشرة من مصطفى مشهور "صقر الإخوان" الذي اصبح فيما بعد المرشد العام، فبعد خروجه من السجن في السبعينات، بدأ عزت يقترب تدريجيًا من الدائرة التنظيمية التي كان يديرها مشهور، والذي كان في ذلك الوقت مهندس إعادة بناء التنظيم بعد سنوات الضربات الأمنية.
ووجد مصطفى مشهور في "عزت" نموذجًا للكادر التنظيمي الصارم شديد الانضباط، قليل الظهور، المؤمن بالعمل السري وبأولوية البناء الداخلي على العمل العلني؛ لذلك عمل على الدفع به داخل الهياكل التنظيمية ومنحه صلاحيات متزايدة، حتى أصبح أحد رجاله الموثوقين داخل الجماعة.
في هذه المرحلة تولى عزت مسؤوليات تنظيمية حساسة، من بينها الإشراف على قسم التربية الذي كان يُعد أهم أدوات الجماعة في تشكيل الوعي الفكري والتنظيمي للأعضاء، كما تولى موقع أمين التنظيم، وهو الموقع المسؤول عن ضبط الشبكات التنظيمية والاتصال بين المستويات المختلفة داخل الجماعة، وكانت محطة عام 1981 نقطة تحول مهمة في مسيرته، إذ حصل على عضوية مكتب الإرشاد، وهو أعلى هيئة قيادية في الجماعة بعد المرشد العام، غير أن أحداث سبتمبر 1981 التي شهدت حملة اعتقالات واسعة في مصر دفعته إلى مغادرة البلاد لفترة قصيرة، قبل أن يعود في أواخر عام 1982 ليبدأ مرحلة جديدة من الصعود التنظيمي.
ومنذ تلك اللحظة بدأ نفوذ عزت يتوسع تدريجيًا داخل الجماعة، مستفيدًا من دعم مصطفى مشهور له ومن موقعه داخل مكتب الإرشاد، ومع مرور الوقت أصبح أحد أبرز العقول التنظيمية التي تدير العمل الداخلي، خصوصًا في ما يتعلق بإحكام السيطرة على البناء التنظيمي وإعادة تشكيل مراكز القوة داخل الجماعة، كما كان له الدور الأكبر في ترجيح كفة اختيار محمد بديع مرشدًا للجماعة، وهو القرار الذي عزز من نفوذ التنظيم السري داخل الإخوان، وجعل محمود عزت أحد أكثر الشخصيات تأثيرا في إدارة الجماعة من وراء الستار.
كثيرون يصفون عزت بأنه "العقل المدبر" داخل التنظيم.. كيف كان يمارس نفوذه داخل الجماعة حتى في ظل وجود مرشدين آخرين؟
كان عزت يمارس نفوذه عبر "الشرعية التنظيمية"، في وجود مرشدين مثل مأمون الهضيبي ثم مهدي عاكف أو محمد بديع، كان عزت هو من يملك "مفاتيح الأرض"؛ فهو من يعرف أسماء الكوادر في القرى والنجوع، ومن يدير التدفقات المالية، والنفوذ لديه لم يكن في الكلام، بل في "القرار"؛ فكان هو من يقرر من يدخل لمجلس شورى الجماعة، ومن يتولى مسئولية المناطق والشُعَب ومن يصعد لمكتب الإرشاد ومن يُستبعد، ولذلك يمكن القول إن قوة محمود عزت داخل الإخوان لم تكن مستمدة من الموقع الرسمي وحده، بل من قدرته على التحكم في مفاصل التنظيم الأكثر حساسية، ومنها قسم التربية، والترقي التنظيمي، وإدارة شبكات الولاء داخل الجماعة، وهذه الأدوات مجتمعة جعلته، في نظر كثير من المتابعين، أحد أكثر الشخصيات تأثيرا في توجيه مسار الجماعة لعقود طويلة.
ما الدور الذي لعبه محمود عزت في ترسيخ خطاب "المظلومية" الذي اعتمدت عليه جماعة الإخوان في التعبئة السياسية والتنظيمية؟
يرجع تفسير ذلك؛ لأنه لسنوات طويلة كان مسئولًا عن قسم التربية أهم أقسام التنظيم، وهو الذي وضع المنهج التربوي للأعضاء من أوائل التسعينات، كما أنه وضع المنهج الفقهي للجماعة حيث أخذ الكثير من أفكار الخوارج وقام بدمجها مع فكر سيد قطب، لذلك استخدم عزت المظلومية كأداة "ربط مقدسة" يتم من خلالها تشكيل وعي الأعضاء، فقد كان يعلم أن شعور الكادر بأن جماعته "مضطهدة" يجعله أكثر طاعة وأقل نقدا للقيادة، ولكن عزت لم يقم بابتكار خطاب المظلومية، فهو جزء قديم من تاريخ الجماعة، لكنه ساهم في إعادة إنتاجه وتوظيفه بمهارة داخل البناء التنظيمي، بحيث أصبح عنصرًا أساسيًا في ثقافة الجماعة وفي طريقة تفسيرها لعلاقتها الدائمة المتوترة مع الدولة والمجتمع، وليؤكد تلك المظلومية حوّل صراع الإخوان للوصول للحكم إلى وقود تربوي، لإقناع الشباب بأن العالم يتآمر على "الإسلام" متمثلًا في الجماعة، مما يغلق الباب أمام أي مراجعات فكرية.
وقد أدى هذا الخطاب دورا مزدوجا داخل الجماعة، فمن ناحية كان يعزز شعور الأعضاء بالتمايز والاصطفاء، ومن ناحية أخرى كان يوفر مبررا نفسيًا وتنظيميًا لتشديد الانضباط الداخلي والالتفاف حول القيادة، وفي هذا السياق كان محمود عزت يميل إلى توظيف خطاب المظلومية ليس فقط كأداة تعبئة سياسية، بل أيضا كوسيلة لترسيخ فكرة أن بقاء الجماعة واستمرارها يتطلبان قدرا عاليا من الصبر والولاء والانغلاق التنظيمي.
كيف أدار عزت الجماعة في الفترات التي شهدت ضغوطًا أمنية وسياسية على التنظيم؟ وهل كان مسؤولًا عن ترسيخ نمط العمل السري داخل الجماعة؟
عزت هو "مهندس السرية، ففي فترات التضييق الأمني خاصة بعد سقوط حكم جماعة الإخوان الإرهابية، كان هو من يضع خطط "التمويه" و"الخلايا العنقودية" و"الذئاب المنفردة" وكان عبر تاريخه يفضل دائما أن تظل الجماعة "كتلة صلبة مخفية" على أن تكون "حزبًا سياسيًا مكشوفًا"، وهو من قنن استخدام الأسماء الحركية ودوائر الاتصال المعقدة، وهو صاحب قرارات الاغتيال التي تمت، وتفجير معهد الأورام وبعد سقوط حكم الإخوان حاول عزت إعادة ترتيب هياكل الجماعة التي تعرضت لضربات قاسية، فعمل على إنشاء شبكات اتصال بديلة بين الداخل والخارج، وسيطر على شبكات التمويل، كما سعى إلى الحفاظ على ما تبقى من البنية التنظيمية عبر الاعتماد على الكوادر الأكثر التزاما بالانضباط التنظيمي، وكان واضحًا أن إدارته للأزمة تأثرت بخبرته القديمة في فترات العمل السري، إذ ركز على تقليل الانكشاف الأمني وإعادة تنظيم الصفوف بعيدًا عن الأضواء.
ورغم أن إدارة عزت للجماعة بعد 2013 ساهمت في الحفاظ على قدر من التماسك داخل التنظيم لفترة من الزمن، فإن تلك المرحلة شهدت أيضًا تصاعدًا في الخلافات الداخلية وتراجع قدرة القيادة التقليدية على السيطرة الكاملة على القواعد، ومع استمرار الضغوط الأمنية والسياسية، ظل عزت يدير ما تبقى من الهياكل التنظيمية إلى أن تم القبض عليه، لتنتهي بذلك مرحلة كان خلالها أحد أهم من حاولوا إبقاء التنظيم قائمًا بعد أكبر أزمة واجهته في تاريخه.
ما طبيعة الدور الذي لعبه محمود عزت في ملف العنف داخل الجماعة؟ وهل كان له ارتباط بتوجهات التنظيم نحو استخدام السلاح في بعض المراحل؟
علاقة عزت بالعنف بنيوية وليست عارضة، وبصفته قطبي الفكر فهو يؤمن بـ "القوة" كأداة للتغيير حين تتهيأ الظروف، وقد برز دوره في دعم المجموعات النوعية التي ظهرت بعد 2013، سواء حركة حسم أو غيرها، حيث وفر الغطاء التنظيمي والمالي لعمليات "الإرباك والإنهاك"، مؤمنا بأن الضغط المسلح هو الورقة الوحيدة لإجبار الدولة على التفاوض.. وبهذه الطريقة، أصبح عزت هو الجهة المؤسسة للسلوك المسلح داخل الجماعة، وهو ما يوضح أن دوره لم يقتصر على الإدارة التقليدية أو العمل السري، بل امتد إلى تحديد استراتيجية التعامل مع الدولة في مرحلة ما بعد 2013، بما في ذلك توجيه الكوادر وتنظيم الموارد بما يخدم أهداف هذه الاستراتيجية، وأبشع ما قام به هو حادث تفجير "معهد الأورام"، فهو حادث تعجز الشياطين عن التفكير فيه.
كيف كان يدير محمود عزت شبكة العلاقات داخل التنظيم، سواء على مستوى القيادات الداخلية أو ارتباطات التنظيم في الخارج؟
عزت كان يدير الجماعة بنظام "الولاء قبل الكفاءة"، وكان هو حلقة الوصل مع "التنظيم الدولي"، كما كان يحرص على أن يظل قرار الإخوان في مصر هو المركز والمحرك، مع ضمان تدفق الدعم من الفروع الخارجية لخدمة المركز في (القاهرة)، وقد شمل دوره تنظيم العلاقات بينه وبين المقرات الإقليمية والدولية، وداخليًا، حرص على أن يكون حول كل مستوى من القيادة دائرة محددة من الأعضاء أصحاب الولاءات، بحيث تبقى المعلومات الحساسة محصورة بين من يحتاج إليها فقط، ما ساعد على انفراده بإصدار القرارات التنظيمية دون أن يعترض أحد ودون أن تتسرب المعلومات.
وعلى المستوى الخارجي، فقد أسس عزت شبكات اتصال قوية مع التنظيمات والأذرع التابعة للإخوان في الخارج، سواء في دول الخليج أو تركيا وقطر، لضمان تدفق الدعم المالي والإعلامي والسياسي، ولتسهيل التواصل مع قيادات الجماعة التي اضطرت للجوء إلى المنفى بعد 2013، وكان يراقب هذه الشبكات بعناية، ويضع معايير صارمة لمنح أي جهة صلاحية التصرف باسم الجماعة، ما جعل عزت يتحكم عمليًا في الموارد والعلاقات الدولية والداخلية معًا.
بعد القبض على محمود عزت، كيف تأثر الهيكل التنظيمي لجماعة الإخوان؟ وهل فقد التنظيم أحد أهم العقول التي كانت تدير استراتيجيته؟
سقوط محمود عزت في 2020 لم يكن مجرد قبض على قيادي، بل كان "قطعًا لأسلاك الكهرباء" عن التنظيم، وبذلك فقدت الجماعة "السنترال" الذي يربط الداخل بالخارج، والرجل الذي يملك خريطة التمويل والولاءات، وهذا تسبب في الانقسام الحالي (جبهة لندن وجبهة إسطنبول)؛ لأنه لا أحد يملك شرعيته التنظيمي، ومع غيابه، بدأ التنظيم يواجه فراغًا قياديًا، لم يكن من السهل سدّه، خصوصًا أن عزت كان يجمع بين المعرفة التنظيمية العميقة والخبرة العملية في إدارة الأزمات، بالإضافة إلى علاقاته المبنية على الولاءات الطويلة داخل الجماعة وخارجها، وأدى هذا الفراغ إلى تراجع قدرة الجماعة على التنسيق المركزي واحتواء النزاعات الداخلية، وزاد من صعوبة إدارة ملفاتها الاستراتيجية، بما فيها ملف العنف والدعم الخارجي، مما جعل الجماعة في مرحلة ما بعد القبض عليه أكثر هشاشة وتشتتا، مقارنة بفترة وجوده كعقل مدبر خلف الستار.
في تقديرك، هل مثل سقوط محمود عزت نهاية مرحلة داخل جماعة الإخوان، أم أن التنظيم قادر على إنتاج قيادات جديدة تستكمل نفس النهج؟
سقوط عزت مثّل نهاية "جيل الصقور التاريخيين". والتنظيم الحالي يعاني من "عقم قيادي" فالنهج القطبي المتشدد الذي زرعه عزت اصطدم بواقع سياسي واجتماعي رفضه ولفظه، وقد تكون الجماعة قادرة على إنتاج كوادر أو قيادات جديدة، لكنها لن تكون قادرة على إنتاج "عقل تنظيمي" بوزن وثقل وقدرات محمود عزت.
يُقال إن لمحمود عزت دورًا في صياغة المشهد الإعلامي لجماعة الإخوان وإدارة ما يُعرف باللجان الإلكترونية، فإلى أي مدى كان له دور في وضع الاستراتيجية الإعلامية للجماعة وتوجيه خطابها الدعائي؟
امتد تأثير محمود عزت ليشمل صياغة المشهد الإعلامي للجماعة وإدارة أدواتها الرقمية والدعائية، فبحكم موقعه كعقل مدبر للتنظيم، كان يحدد الإطار الاستراتيجي للخطاب الإعلامي، سواء في الداخل أو الخارج، ويحرص على أن يعكس الإعلام الرسمي والرقمي للجماعة الرسالة التي تخدم أهداف التنظيم، وتصوير الجماعة كمظلومة، وتعزيز الولاء الداخلي.
وقد أدرك عزت مبكرا قوة "الإعلام البديل" لذلك هو من وجه بإنشاء "الكتائب الإلكترونية" ليس كأداة إخبارية، بل كأداة "اغتيال معنوي" للمخالفين ووسيلة لصناعة رأي عام زائف، وكانت استراتيجيته تقوم على "تكرار الكذبة حتى تصدق" واستنزاف الخصوم في معارك جانبية عبر السوشيال ميديا.
في مرحلة ما بعد 2013، ومع تزايد الاعتماد على اللجان الإلكترونية والشبكات الرقمية، أصبح عزت مرتبطًا مباشرة بتوجيه هذه الأدوات، ليس فقط لرفع معنويات الأعضاء، بل لإدارة الرأي العام وتنسيق الحملات الدعائية التي تضغط على السلطات وتبرز الجماعة كقوة لا يمكن تجاهلها.
هل ما يزال التنظيم الدولي لجماعة الإخوان قادرًا على العودة إلى المشهد مرة أخرى؟ أم أن ملاحقة أذرعه وحظره في عدد من الدول قد يقضي على ما تبقى من نفوذه؟
التنظيم الدولي حاليًا في حالة "موت سريري" سياسيًا، لكنه ما زال يملك "قوة اقتصادية"، ورغم أن الملاحقات الدولية والتصنيف كمنظمة إرهابية قلصت نفوذه بشكل كبير، إلا أنه يحاول العودة بأشكال أخرى، فهو قادر على تغيير لونه مثل "الحرباء"، ولكن العودة للمشهد بنفس الصيغة القديمة أصبحت "مستحيلة"، والجماعة الآن تبحث عن "بقاء" لا عن "تمكين"، وبصفتي عايشت هؤلاء زمنا أرى أن "رأس الأفعى" لم تكن مجرد شخص، بل كانت "منهجًا" يقدس التنظيم على حساب الوطن، وسقوط عزت كان إعلانًا عمليًا عن فشل هذا المنهج.