توافقات معقدة في غرف مغلقة ببروكسل.. وجرينلاند تتصدر انتخابات الدنمارك
الثلاثاء، 24 مارس 2026 09:25 م
هانم التمساح
بينما تنشغل العواصم الأوروبية بسباقات انتخابية داخلية، تتحول "غرفة الاجتماعات 2" في المجلس الأوروبي ببروكسل إلى مركز الثقل الحقيقي لصناعة القرار في القارة.
فمن ملف "جرينلاند" الذي بات مادة انتخابية دسمة في الدنمارك، إلى تعقيدات الحرب في غزة وأوكرانيا، يبرز دور "سفراء الظل" في صياغة مستقبل التكتل أمام عواصف سياسية واقتصادية غير مسبوقة.
وفي كوبنهاجن، استغلت رئيسة الوزراء "ميتي فريدريكسن" انتعاش شعبيتها التى ارتفعت من 17% إلى 21% مطلع 2026 ، لتدعو إلى انتخابات مبكرة، حيث برزت قضية جرينلاند كأحد القواسم المشتركة القليلة بين المتنافسين، وتتركز المعركة الانتخابية حول غلاء المعيشة، سن التقاعد، وتلوث مياه الشرب بالمبيدات.
وتراهن فريدريكسن على سياسات "يسارية تقليدية" لإصلاح دولة الرفاه، بينما يركز منافسوها، وفي مقدمتهم زعيم حزب المعتدلين، على التوجه الاقتصادي طويل الأمد للبلاد.
وكشفت تقارير دبلوماسية عن التحول الجذري في دور لجنة الممثلين الدائمين (كوربير 2)، وهي لجنة تضم سفراء الدول الـ27، لم تعد مجرد "هيئة تحضيرية"، بل أصبحت "غرفة عمليات" تحسم الملفات قبل وصولها للقادة ،وارتفع معدل الاجتماعات من جلسة واحدة أسبوعياً إلى لقاءات يومية في ظل الرئاسات المتعاقبة (البولندية والقبرصية).
وتتولى اللجنة صياغة الردود على تهديدات ترامب الجمركية، وطرحه المثير للجدل حول "السيطرة على جرينلاند"، بالإضافة إلى إدارة أموال دعم أوكرانيا وتنسيق المواقف تجاه التصعيد في غزة وإيران.
وأكد دبلوماسيون لشبكة "بولتيكو" أن طبيعة الأزمات الحالية أصبحت "سياسية للغاية بالنسبة للخبراء، وتقنية للغاية بالنسبة للسياسيين"، مما جعل السفراء هم الحلقة الأقوى.
وبفضل "كوربير 2"، تقلصت مدة القمم الأوروبية إلى يوم واحد، حيث يتم "طبخ" الحلول الوسطى مسبقاً بين العواصم،و مع توسع المفوضية الأوروبية بقيادة أورسولا فون دير لاين في ملفات الدفاع والإسكان، تعمل اللجنة كـ "صمام أمان" لضمان سيطرة العواصم على مسار القرارات.
وتُظهر هذه التطورات أن أوروبا عام 2026 لم تعد تُدار بالخطابات الرنانة في القمم الكبرى فقط، بل عبر توافقات معقدة في غرف مغلقة ببروكسل، وفي صناديق اقتراع بالدنمارك تبحث عن الاستقرار بين "الرفاه الداخلي" والاطماع الخارجية في أراضيها الشمالية.
وتسعى الولايات الولايات المتحدة بقيادة ترامب للسيطرة بصورة أكبر على جرينلاند مفيدة لواشنطن بسبب موقعها الاستراتيجي ومواردها، فهي تقع على أقصر طريق من أوروبا إلى أميركا الشمالية، وهي بذلك مهمة للنظام الأميركي للتحذير من الصواريخ الباليستية. وعبرت الولايات المتحدة عن اهتمامها بتوسيع وجودها العسكري عبر أمور منها وضع رادارات هناك لمراقبة المياه بين الجزيرة وأيسلندا وبريطانيا، إذ تعد تلك المياه بوابة للسفن البحرية والغواصات النووية الروسية.
وتتميز الجزيرة بثرواتها من المعادن والنفط والغاز الطبيعي، إلا أن التنمية فيها بطيئة. وتبعد نوك عاصمة غرينلاند عن نيويورك مسافة أقل مما تبعد عن العاصمة الدنمركية كوبنهاجن. وأظهر مسح أجري في 2023 أن 25 من أصل 34 معدنا تعتبرها المفوضية الأوروبية من «المواد الخام الأساسية» تسنى العثور عليها في غرينلاند. وتشمل هذه المعادن المواد المستخدمة في البطاريات مثل الغرافيت والليثيوم وما تسمى بالعناصر الأرضية النادرة المستخدمة في المركبات الكهربائية ومولدات طاقة الرياح.
وتحظر جرينلاند استخراج النفط والغاز الطبيعي لأسباب بيئية، كما واجه تطوير قطاع التعدين فيها عراقيل بسبب البيروقراطية ومعارضة السكان الأصليين. وأدى هذا إلى اعتماد اقتصاد غرينلاند على الصيد الذي يمثل أكثر من 95 بالمئة من الصادرات، وعلى الإعانات السنوية من الدنمرك والتي تغطي ما يقرب من نصف الميزانية العامة.
وتنفق الدنمارك في المجمل ما يقل قليلا عن مليار دولار سنويا على غرينلاند، أو 17500 دولار سنويا لكل فرد من سكانها البالغ عددهم 57 ألفا.