الترشيد مسؤوليتنا جميعًا
الأحد، 29 مارس 2026 01:31 م
أحمد سلام
مع دخول الإجراءات الحكومية الجديدة لترشيد استهلاك الطاقة حيز التنفيذ اعتبارًا من 28 مارس ولمدة شهر، والتى جاءت في ظل تطورات إقليمية بالغة الحساسية، خاصة مع دخول جماعة "الحوثيون" على خط التصعيد، بما يهدد بتوسيع نطاق التوتر في المنطقة.
وتزداد المخاوف في حال تأثر أو إغلاق ممرات ملاحية حيوية مثل مضيق باب المندب ومضيق هرمز، مما قد يطيل من أمد الحرب، وهو ما قد ينعكس بشكل مباشر على حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، ويفرض ضغوطًا إضافية على اقتصادات الدول، ومن بينها مصر.
من ثم، فإن الإجراءات التي تتخذها الدولة لا تأتي في إطار تنظيمي داخلي فحسب، بل تعكس قراءة دقيقة لمشهد إقليمي متغير يستدعي أعلى درجات الجاهزية والكفاءة في إدارة الموارد.
وانطلاقًا من خبرة مهنية ممتدة عبر سنوات عملي في "الهيئة العامة للاستعلامات"، وتقلدي لعدد من المناصب القيادية رفيعة المستوى، استعيد اليوم العديد من التجارب العملية التي أكدت لي أن إدارة الوعي ليست أقل أهمية من إدارة الموارد.
أتيحت لي، خلال سنوات عملي والتواصل الدولي، فرصة متابعة نماذج إعلامية متقدمة، وعلى رأسها التجربة الصينية، التي قدمت نموذجًا متكاملًا في توظيف الإعلام التقليدي والرقمي في خدمة القضايا الوطنية، خاصة في أوقات الأزمات.
لقد لفت انتباهي بوضوح أثناء دراستي في جامعة بكين عام 1998 -1999 كيف نجحت الصين في تحويل الحملات الإعلامية إلى جزء من الحياة اليومية للمواطن، من خلال انتشار الرسائل التوعوية في وسائل الإعلام المختلفة، وفي الفضاء العام، سواء عبر الحافلات العامة، ومحطات المترو، أو حتى داخل عربات المترو نفسها، حيث تتحول الرسالة إلى عنصر بصري وسلوكي دائم التأثير، يرسخ ثقافة الترشيد والانضباط المجتمعي بصورة غير مباشرة ولكن عميقة، وقد رأيت بأم عيني كيف تم القضاء علي الكثير من السلوكيات السلبية في المجتمع الصيني وصولا الي نتائج ايجابية رائعة يلمسها كل من عاش واختلط بهذا الشعب صاحب الحضارة كما نحن.
من هنا، فإن الإجراءات التي اتخذتها الدولة المصرية لا تندرج فقط ضمن إطار تنظيمي داخلي، بل تعكس قراءة استراتيجية دقيقة لمشهد إقليمي ودولي شديد التعقيد، يستدعي أعلى درجات الكفاءة في إدارة الموارد وتعزيز جاهزية الدولة لمواجهة أي سيناريوهات محتملة.
وقد تحركت الدولة المصرية برؤية استباقية واضحة، مستندة إلى تنويع مصادر الطاقة، والتوسع في مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، إلى جانب تبني سياسات لترشيد الاستهلاك ورفع كفاءة الاستخدام، إلا أن نجاح هذه الجهود يظل مرهونًا بمدى وعي المواطن المصري وإدراكه لحجم التحديات الراهنة.
فالمواطن اليوم لم يعد متلقيًا فقط، بل شريكًا فاعلًا في معادلة الاستقرار، ومن ثم، فإن ترشيد استهلاك الكهرباء والغاز والوقود يجب أن يتحول من استجابة ظرفية إلى سلوك دائم يعكس وعيًا حضاريًا ومسؤولية وطنية، فالهدر في استخدام الطاقة، سواء من خلال الإضاءة غير الضرورية أو الاستخدام غير الرشيد للأجهزة، يمثل عبئًا يمكن تفاديه بسهولة، وينطبق الأمر ذاته على استهلاك المياه، التي تمثل موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية.
وبالعودة الي تجارب الدول لحل الازمات وتغيير بعض السلوكيات، يتجدد الحديث عن الدور المحوري للإعلام المصري، الذي لا يجب أن يكون مجرد ناقل للمعلومات، بل شريكًا أساسيًا في إدارة الوعي العام.
وهنا، تبرز أهمية الاستفادة من الخبرات التراكمية داخل المؤسسات الوطنية، وعلى رأسها الهيئة العامة للاستعلامات، التي كان يرأسها السيد وزير الدولة لشئون الاعلام حاليا، والتي لعبت عبر قطاعي الإعلام الداخلي والمعلومات دورًا مهمًا في دعم قضايا الوعي المجتمعي.
حيث يظل قطاع الإعلام الداخلي أحد أهم أدوات التواصل المباشر مع المواطنين، من خلال الندوات واللقاءات الميدانية التي تسهم في شرح أبعاد التحديات وتعزيز التفاعل المجتمعي معها.
أما قطاع المعلومات بالهيئة العامة للاستعلامات بكافة اداراته وأذكر هنا علي سبيل المثال الموقع الإلكتروني باعتباره من أوائل المنصات الحكومية الرقمية في مصر، وقاعدة مهمة يمكن البناء عليها، خاصة مع ما يمتلكه من خبرات في توظيف الوسائط المتعددة لإنتاج محتوى توعوي مؤثر.
ومن واقع تجربتي الشخصية في تأسيس ادارة الوسائط المتعددة بالهيئة عام 2000 التي كان لها دور هام في انتاج العديد من الافلام القصيرة والرسوم المتحركة لكافة الاعمار في العديد من القضايا التي تهم المجتمع ومنها ترشيد الماء والكهرباء وتنظيم الاسرة وغيرها، والذي يؤكد أن تطوير المحتوى الرقمي المبسط، المدعوم بالبيانات والتحديث المستمر، يمكن أن يحدث فارقًا حقيقيًا في تشكيل وعي المواطن.
ولا يقل دور الصحافة أهمية، حيث تقع على عاتقها مسؤولية تقديم معالجة متعمقة لقضايا الترشيد، عبر مقالات تحليلية، وتقارير ميدانية، واستضافة شخصيات مؤثرة قادرة على توصيل الرسالة بشكل فعال.
وكذلك الحال بالنسبة للإعلام المرئي والمسموع، الذي يمتلك قدرة كبيرة على الوصول والتأثير، خاصة إذا ما تم توظيفه بشكل احترافي يستند إلى تبسيط المعلومة دون الإخلال بدقتها.
ومن المهم أيضًا التفكير في توسيع نطاق الحملات التوعوية لتشمل الفضاء العام، على غرار التجارب الدولية الناجحة، بحيث تصبح رسائل الترشيد جزءًا من المشهد اليومي للمواطن، سواء في وسائل النقل، أو الأماكن العامة، أو عبر المنصات الرقمية، بما يضمن استمرارية التأثير وتراكمه.
إن التجارب الدولية تؤكد أن إدارة الأزمات لا تعتمد فقط على القرارات الحكومية، بل ترتكز بالأساس على وعي المجتمع واستجابته، وفي الحالة المصرية، تمثل التحديات الراهنة فرصة حقيقية لإعادة صياغة ثقافة الاستهلاك، بما يحقق التوازن بين تلبية الاحتياجات والحفاظ على الموارد.
في النهاية، تبقى معركة الترشيد معركة وعي في المقام الأول، فالدولة تضع السياسات وتوفر الإمكانات، لكن المواطن هو من يمنح هذه السياسات فاعليتها الحقيقية، وكلما ارتفع مستوى الإدراك المجتمعي، زادت قدرة الدولة على مواجهة التحديات، وتعزيز الاستقرار، والانطلاق بثقة نحو مستقبل أكثر كفاءة واستدامة، ونحو الجمهورية الجديدة القوية.