كابوس رقمي.. كيف أعاد الذكاء الاصطناعي صياغة العقيدة العسكرية في حروب 2026؟

الثلاثاء، 31 مارس 2026 11:40 ص
كابوس رقمي.. كيف أعاد الذكاء الاصطناعي صياغة العقيدة العسكرية في حروب 2026؟
هانم التمساح

لم تعد الحروب تُخاض بالرصاص والمدافع وحدها؛ ففي مطلع عام 2026، دخل العالم مرحلة الحرب الهجينة فائقة السرعة، حيث بات الذكاء الاصطناعي هو القائد الفعلي خلف الشاشات، محولًا ساحات القتال من مواجهات بشرية مباشرة إلى معادلات خوارزمية تُنفذ بدقة وسرعة تتجاوز الإدراك البشري.
 
وتجلّى هذا التحول بوضوح في الصراع الأخير داخل إيران، إذ كشف الخبير الدولي توبي والش عن استخدام أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على تحديد ما يصل إلى 1000 هدف خلال 24 ساعة فقط. ففي حين كانت عملية اختيار الأهداف في الحروب التقليدية تستغرق أسابيع من التحليل الاستخباراتي، أصبحت الأنظمة الحديثة قادرة على مسح مساحات شاسعة، وتحليل تحركات الوحدات العسكرية، وبناء “بنك أهداف” متكامل خلال ساعات، عبر دمج بيانات الأقمار الصناعية، وإشارات الاتصالات، وحتى محتوى وسائل التواصل الاجتماعي لرسم صورة ميدانية لحظية للعدو.
 
ولم يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على دعم الضربات الجوية، بل امتد إلى التخطيط الاستراتيجي للعمليات المعقدة، خاصة مع تطور نماذج اللغة الكبيرة مثل «كلود»، التي باتت تُستخدم لمحاكاة سيناريوهات عمليات خاصة، بما في ذلك اعتقال شخصيات سياسية رفيعة كما حدث في حالة نيكولاس مادورو في فنزويلا. وتتيح هذه النماذج تشغيل ملايين الاحتمالات قبل تنفيذ أي عملية، مع توقع ردود فعل الخصم واقتراح أفضل مسارات الهجوم أو الانسحاب لتقليل الخسائر.
 
وفي موازاة ذلك، دخلت الأسلحة ذاتية التشغيل مرحلة التنفيذ الفعلي، حيث ظهرت طائرات مسيّرة قادرة على التعرف على الوجوه واستهداف الأفراد دون تدخل بشري مباشر، إلى جانب “أسراب الدرونز” التي تنفذ هجمات جماعية منسقة، ما يجعل مواجهتها بالأنظمة الدفاعية التقليدية أمرًا بالغ الصعوبة.
 
غير أن هذا التطور يفتح الباب أمام مخاطر غير مسبوقة، إذ يحذر خبراء، في مقدمتهم توبي والش، من ثلاث فجوات رئيسية: أولها غياب البعد الإنساني، حيث تعمل الخوارزميات وفق احتمالات النجاح دون تمييز حاسم بين هدف عسكري ومدني عند تداخل البيانات. وثانيها غموض المساءلة القانونية، إذ لا يوجد إطار واضح يحدد المسؤولية في حال ارتكاب أنظمة ذاتية التشغيل لجرائم حرب. أما الثالثة فهي خطر التصعيد التلقائي، حيث قد تقود سرعة اتخاذ القرار الآلي إلى اندلاع صراعات واسعة خلال دقائق نتيجة خطأ برمجي أو رد فعل غير محسوب.
 
ولم تعد تداعيات هذه الحروب تقتصر على الميدان العسكري، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي، حيث تتفاعل خوارزميات الأسواق المالية فورًا مع أخبار النزاعات، وهو ما أدى إلى ارتفاع تكاليف التداول وزيادة عزوف المستثمرين عن المخاطر، بما يعكس ترابطًا متزايدًا بين ساحات القتال الرقمية وأسواق المال.
 
في هذا السياق، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره “السلاح النووي الجديد”، إذ لم يعد التفوق يقاس بعدد الجنود أو حجم الترسانة، بل بسرعة الخوارزميات ودقة تحليلها، بما يمنح من يمتلكها القدرة على التحكم في الأرض والأسواق في آن واحد.
 
وبينما تتسارع وتيرة الاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي، تدور في المقابل جهود دبلوماسية مكثفة لصياغة إطار قانوني ينظم هذا المجال. وتبرز “معاهدة الخطوط الحمراء الرقمية” كأحد أبرز هذه المحاولات، حيث تركز النقاشات على مبدأ إبقاء الإنسان ضمن دائرة اتخاذ القرار، ومنع الأنظمة من تنفيذ الضربات دون إشراف بشري مباشر، إلى جانب حظر تقنيات الاستهداف الحيوي التي تعتمد على التعرف على الوجوه أو السمات البيومترية.
 
كما تُطرح مطالب بفتح ما يُعرف بـ“الصندوق الأسود” للخوارزميات العسكرية أمام جهات رقابية دولية، لضمان خلوها من التحيزات أو الأخطاء التي قد تؤدي إلى كوارث إنسانية.
 
غير أن هذه الجهود تصطدم بعقبات كبرى، في ظل تحفظ قوى دولية رئيسية مثل الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل على الالتزام بقيود ملزمة، مفضلة الاكتفاء بمدونات سلوك غير ملزمة، في مقابل دفع دول أخرى، بدعم من مجموعة الـ77 والصين، نحو حظر شامل للأسلحة ذاتية التشغيل.
 
وفي موازاة ذلك، تتصاعد ضغوط من داخل مجتمع التكنولوجيا نفسه، حيث شهدت شركات كبرى مثل جوجل احتجاجات واستقالات بسبب استخدام تقنياتها في تطبيقات عسكرية، كما وقع آلاف الباحثين تعهدات بعدم المشاركة في تطوير أسلحة ذاتية التشغيل، تأكيدًا على أن دور العلم يجب أن يظل في خدمة الحياة لا إنهائها.
 
لكن الإشكالية الأكثر تعقيدًا تكمن في الطبيعة المزدوجة لهذه التقنيات، إذ إن أدوات مثل «كلود» أو ChatGPT تُستخدم في مجالات مدنية واسعة، ما يجعل فرض قيود عليها دون التأثير على الابتكار أمرًا بالغ الصعوبة.
 
وفي ضوء ذلك، يبدو أن العالم يقف أمام مفترق طرق حاسم، حيث يتسارع سباق التسلح الرقمي بوتيرة تفوق قدرة الأطر القانونية على مواكبته، بينما يظل الرهان الحقيقي معلقًا على المسؤولية الأخلاقية، باعتبارها الحاجز الأخير أمام انفلات القوة التكنولوجية.
 
ففي عقيدة الحروب الجديدة، قد تمنح ميلي ثانية واحدة من التفوق الخوارزمي القدرة على شل دفاعات الخصم قبل أن يدرك أنه دخل المعركة، ما يجعل التنازل عن هذا التفوق، في نظر القوى الكبرى، أقرب إلى انتحار استراتيجي.

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة