فريق مصري ينطلق من قلب الصحراء إلى قمة Science "مصريبثيكس".. اكتشاف مصري يعيد كتابة التاريخ ويقدم نظرية جديدة عن أصل القردة العليا

الأحد، 05 أبريل 2026 09:00 ص
فريق مصري ينطلق من قلب الصحراء إلى قمة Science "مصريبثيكس".. اكتشاف مصري يعيد كتابة التاريخ ويقدم نظرية جديدة عن أصل القردة العليا
تحقيق :إيمان محجوب

الدكتورة شروق الأشقر تسجل اسمها أول باحثة من الشرق الأوسط تقود بحثًا علميًا منشورًا في المجلة العالمية
 
الباحثة لـ"صوت الأمة": الاكتشاف سيعيد النظر في الخريطة الجغرافية لتطور الكائنات ويثبت أن شمال إفريقيا مركزًا أصيلًا للتنوع والنشأة
 
 
في إنجاز علمي بارز يعكس تنامي الحضور المصري في مجال أبحاث الحفريات، أعلن فريق بحثي من جامعة المنصورة عن اكتشاف حفريات لنوع جديد من القردة العليا القديمة في منطقة وادي المغرة بالصحراء الغربية، يعود تاريخها إلى نحو 17–18 مليون سنة، خلال العصر الميوسيني المبكر.
 
وأطلق الباحثون على النوع المكتشف اسم «مصريبثيكوس موغراينسيس» (Misrpithecus moghrabiensis)، في خطوة تمثل دليلاً علمياً مهماً على وجود أسلاف القردة العليا في شمال إفريقيا، بما يعيد تشكيل الفرضيات السائدة حول نشأتها وتطورها.
 
ويقف وراء هذا الاكتشاف مركز الحفريات الفقارية بجامعة المنصورة، بقيادة الدكتور هشام سلام، وبمشاركة الدكتورة شروق الأشقر، حيث تمكن الفريق من العثور على أجزاء من فك سفلي وأسنان أظهرت خصائص تشريحية مميزة تؤكد انتماءها لنوع جديد غير موثق سابقاً.
 
والأسبوع الماضى، شهد الدكتور عبدالعزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شريف خاطر رئيس جامعة المنصورة، الفعالية التي نظمتها جامعة المنصورة للإعلان عن تحقيق الإنجاز العلمي المصري البارز، بعد نجاح فريق مركز الجامعة للحفريات الفقارية "سلام لاب" بقيادة الدكتور هشام سلام في نشر دراسة بمجلة Science العالمية، لبحث علمي ينجز وينشر بالكامل من داخل مؤسسة مصرية.
 
وهنأ قنصوة، الجامعة بهذا الإنجاز العلمي المتميز، مؤكدًا أنه يعكس قدرة المؤسسات الأكاديمية على الإسهام في إنتاج المعرفة عالميًّا، مشيرًا إلى أن الدولة بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، تولي اهتمامًا كبيرًا بتطوير التعليم العالي والبحث العلمي، من خلال سياسات تدعم التميز البحثي، وتعزز النشر الدولي، وتدعم الشراكات العلمية، إلى جانب الاستثمار في الكوادر البشرية والبنية التحتية، مشيرًا إلى أنه في هذا الإطار، نعمل على توفير بيئة علمية محفزة تمكن الباحث المصري من الإبداع، وتمنحه الأدوات اللازمة للمنافسة في كبرى المنصات العلمية العالمية، بما يسهم في تعزيز مكانة مصر إقليميًّا ودوليُّا، وترسيخ دورها كقوة ناعمة قائمة على العلم والمعرفة.
 
كما أكد أن نشر هذا البحث في مجلة "Science"، إحدى أعرق وأهم الدوريات العلمية عالميًا، يؤكد أن ما تبنته الدولة من توجهات إستراتيجية بدأ يؤتي ثماره، ويبرهن على قدرة الجامعات المصرية على إنتاج معرفة علمية رفيعة تسهم في تطوير الفهم الإنساني في مجالات متقدمة، مشيرًا إلى أن أهمية هذا الإنجاز لا تقتصر على كونه سبقًا علميًّا لمؤسسة مصرية، بل تمتد إلى القيمة العلمية للاكتشاف ذاته، الذي يعزز مكانة شمال إفريقيا والشرق الأوسط كمناطق محورية في فهم تطور الحياة على الأرض بعد أن كانت تعد مجرد ممر جغرافي.
اكتشاات
وحرص الفريق البحثي على أن تعكس التسمية الهوية المصرية؛ إذ يجمع اسم "مصريبثيكس" بين "مصر" والكلمة اليونانية "بيثيكوس" بمعنى "قرد"، بينما يشير "موغراينسيس" إلى وادي المغرة، موقع الاكتشاف، وأوضحت الدكتورة شروق الأشقر، المؤلف الرئيسي للدراسة، أن الحفرية – رغم اقتصارها على أجزاء من الفك والأسنان – تحمل دلالات علمية مهمة؛ حيث تكشف عن نظام غذائي مرن يعتمد على الفواكه مع القدرة على معالجة الأغذية الأكثر صلابة، بما يعكس قدرة مبكرة على التكيف مع البيئات المتغيرة، وهي من السمات الأساسية في نجاح القردة العليا وانتشارها لاحقًا، لافتة إلى أن الدراسة اعتمدت على تحليل تطوري متكامل جمع بين البيانات الجزيئية المستمدة من الأنواع الحديثة، والخصائص التشريحية للحفريات؛ حيث شمل نحو 60 ألف قاعدة وراثية من 67 جينًا نوويًا، و10 جينات ميتوكوندرية، إلى جانب 268 صفة تشريحية للقردة الحديثة والمنقرضة، ما أتاح بناء شجرة تطورية دقيقة وتحديد الموقع التطوري لهذا النوع الجديد بدرجة عالية من الدقة.
 
 
وأوضح الدكتور هشام سلام أن الفريق استمر لأكثر من خمس سنوات في البحث الميداني عن حفريات القردة العليا في منطقة المغرة، مؤكدًا أن هذا الاكتشاف جاء تتويجًا لجهود طويلة من العمل الدؤوب، مؤكدًا أن هذا الإنجاز يمثل رسالة قوية إلى الشباب المصري بأن المنافسة على أعلى المنصات العلمية العالمية ممكنة من داخل مصر، وأن الاستثمار في البحث العلمي قادر على وضع المؤسسات المصرية في قلب الاكتشافات التي تعيد كتابة تاريخ الحياة على الأرض.
 
كما أشار البروفيسور إيريك سيفرت، عالم الحفريات بجامعة جنوب كاليفورنيا والمؤلف المشارك في الدراسة، إلى أن نتائج التحليل تمثل تحديًا قويًّا للنظريات التقليدية التي كانت تحصر نشأة القردة العليا في شرق إفريقيا، مؤكدًا أن هذا الاكتشاف يوسع النطاق الجغرافي ليشمل شمال إفريقيا والشرق الأوسط كمناطق محورية في هذا التطور.
 
وتكمن الأهمية العلمية لهذا الاكتشاف في كونه يقدم أول دليل قوي على أن نشأة القردة العليا لم تقتصر على شرق إفريقيا كما كان يُعتقد، بل امتدت أيضاً إلى شمال القارة، كما تشير الدراسات إلى أن المنطقة التي عُثر فيها على الحفريات كانت تتمتع ببيئة استوائية في ذلك الوقت، ما يرجح أن هذا النوع كان يعتمد في غذائه على الفواكه والمكسرات.
 
وتُوج هذا العمل بنشر نتائجه في مجلة Science العالمية، في إنجاز يُعد من أبرز النجاحات العلمية المصرية، خاصة كونه دراسة تقودها كوادر بحثية مصرية بالكامل.
 
ولا يأتي هذا الاكتشاف بمعزل عن رحلة طويلة من الجهد والتحديات؛ فالعمل الميداني في بيئات صحراوية قاسية يفرض صعوبات استثنائية، تتطلب صبراً ومثابرة عالية،  كما أن الوصول إلى منصة نشر علمية مرموقة مثل Science يستلزم سنوات من العمل الدؤوب والتدقيق العلمي الصارم.
 
ويمثل هذا الإنجاز امتداداً لرؤية طموحة هدفت إلى ترسيخ مكانة مصر في مجال الحفريات الفقارية، وهي الرؤية التي قادها الدكتور هشام سلام بإصرار وإخلاص، مؤسساً لمسار علمي جديد أتاح لفريقه ليس فقط المشاركة، بل المنافسة والتميّز على المستوى الدولي.
 
وتبقى قصة هذا الفريق نموذجاً ملهماً يُجسد كيف يمكن للإرادة والعلم والعمل الجماعي أن تصنع إنجازات استثنائية، وتضع اسم مصر في موقع متقدم على خريطة البحث العلمي العالمية.
 
ويقود فريق" سلام لاب" قاطرة علم الحفريات الفقارية في مصر والشرق الأوسط، وقد وضع مصر على الخريطة العالمية في هذا التخصص الدقيق من خلال سلسلة من الإنجازات العلمية الرائدة، بإكتشاف مصريبيثيكس (Masripithecus): حفرية لنوع جديد من أسلاف القردة العليا شمال أفريقيا، عمرها نحو 18 مليون سنة، ونُشر البحث في مجلة Science المرموقة في مارس 2026، ومنصوراصوروس ديناصور اكتُشف في الواحات الداخلة، غيّر المفاهيم السابقة حول انفصال القارات وارتباط أفريقيا بأوروبا في العصور الغابرة، أما وتوتسيتس Tutcetus، فهو اكتشاف نوع نادر من الحيتان البرمائية المنقرضة في الفيوم، سُمي تيمنًا بالملك توت عنخ آمون، اما زجوجينوس Phiomicetus anubis، فهو  حوت برمائي يمشي على اليابسة ويسبح في الماء، يرجع تاريخه لنحو 43 مليون سنة.
 
وحصل الدكتور هشام سلام على جائزة روبرت لين كارول 2023 من جمعية الحفريات الفقارية الأمريكية SVP، وتُعد بمثابة "نوبل" في تخصص الحفريات الفقارية، بالإضافة الي جائزة التميز الأكاديمي للباحثين الشباب، أعضاء الفريق مثل الدكتورة سناء السيد والدكتورة شروق الأشقر حصلوا على جوائز ومنح دولية، ما يعكس دور المركز في تمكين الباحثين الشباب والمرأة في البحث العلمي.
 
وأجرت "صوت الامة" حوارا مع الدكتورة شروق الأشقر صاحبة الإنجاز العلمي الكبير، والتي كانت ضمن فريق البحث الذي انطلق بقيادة الدكتور هشام سلام في وادي المغرة بالصحراء الغربية.. وإلى نص الحوار.. 
 
اصل القردة
بداية، ما أهمية هذا الاكتشاف بالنسبة لعلم الحفريات؟
هذا الاكتشاف يعد تحولًا مهمًا في دراسة شجرة التطور، إذ يُرجّح أن شمال إفريقيا كان أحد المراكز الرئيسية لنشأة وتطور القردة العليا، بدلًا من الاقتصار على شرق إفريقيا كما سادت النظريات السابقة، ويعزز هذا الطرح من أهمية المنطقة الأفرو-عربية في تاريخ التطور البيولوجي العالمي.
 
الحفرية المكتشفة تمثل حلقة انتقالية محورية، تقترب كثيرًا من بدايات ظهور القردة العليا مثل الغوريلا والشمبانزي، ما يمنح العلماء فرصة أعمق لفهم المراحل المبكرة لتطور أسلاف الرئيسيات، كما يعود الفك السفلي المكتشف إلى حقبة الميوسين المبكر، وهي فترة حاسمة شهدت تحولات تطورية كبرى قبل نحو 17 إلى 18 مليون سنة.
 
ما النتائج المترتبة لهذا الاكتشاف؟
الاكتشاف سيعيد النظر في الخريطة الجغرافية لتطور الكائنات، حيث يثبت أن شمال إفريقيا لم يكن مجرد ممر لهجرة الأنواع، بل مركزًا أصيلًا للتنوع والنشأة، وهو ما يتحدى الفرضيات التقليدية ويعيد توجيه مسارات البحث العلمي في هذا المجال.
 
ونشر الدراسة في مجلة Science العالمية يمثل إنجازًا يُحسب لمركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)، ويؤكد الحضور المتنامي للبحث العلمي المصري على الساحة الدولية، كما سيفتح الاكتشاف آفاقًا واسعة أمام المزيد من الدراسات حول تأثير التغيرات البيئية والمناخية القديمة في تنوع القردة العليا قبل انتشارها لاحقًا إلى مناطق أوراسيا، بما يسهم في فهم أعمق لتاريخ الحياة على الأرض.

ما علاقة هذا الاكتشاف بنظرية داروين “الإنسان أصله قرد”؟
القول بأن "الإنسان أصله قرد" تشبيه غير دقيق، ولا يعكس النظرية العلمية بشكل صحيح، وفقًا لنظرية التطور، لا يُعتبر القرد الحديث أصلًا مباشرًا للإنسان، بل يشترك كل من البشر والقردة العليا مثل الشمبانزي في سلف مشترك قديم عاش قبل ملايين السنين، ومنه تفرعت مسارات تطورية مختلفة لكل نوع، والدراسات الجينية تثبت درجة عالية من التشابه بين الإنسان والشمبانزي، ما يعكس قرابة بيولوجية عميقة دون تحول مباشر من نوع إلى آخر.
 
القردة العليا
والأبحاث توضح أن المسار التطوري للإنسان انفصل عن القردة العليا قبل نحو 6 ملايين سنة، ليخضع كل منهما لمسار مستقل من التغيرات والتكيفات البيئية، وتُظهر الاكتشافات الأحفورية والدراسات الجينومية الحديثة أن التشابه الوراثي يعكس قرابة تطورية، لا تحوّلًا مباشرًا، مما يجعل نظرية التطور إطارًا علميًا متكاملًا لتفسير تنوع الكائنات عبر الزمن.
 
ما هي الصعوبات التي واجهها فريق البحث في الصحراء الغربية ووادي المغرة؟
الفريق واجه تحديات منها نقص المراجع الأكاديمية الموثوقة، وتشتت المصادر وتكرار المعلومات، مما تطلب جهودًا مضاعفة للتحقق من صحة البيانات، بالإضافة البيئة الصحراوية القاسية، بما في ذلك الظروف المناخية الصعبة.

كم استغرق فريق البحث لتوثيق هذا الاكتشاف ونشره في مجلة Science؟
أعمال البحث والتنقيب استغرقت نحو أربع سنوات متواصلة داخل منطقة وادي المغرة، ضمن رحلة علمية بدأت منذ عام 2021، حيث تمكن الفريق خلال هذه الفترة من اكتشاف الفك السفلي والأسنان التي تمثل نوعًا جديدًا من أسلاف القردة العليا، أُطلق عليه اسم "مصريبثيكس مغرانسيس"،  وتم توثيقة بعد تقديم التحاليل والتقارير لتنشر الدراسة في مجلة Science في مارس 2026، في سابقة تُعد الأولى من نوعها لبحث مصري كامل بقيادة مصرية وبتمويل محلي ومن داخل جامعة مصرية.
 
اكتشاف
ما الجديد الذي يمكن أن يقوم به فريق البحث بعد هذا الاكتشاف؟
البحث عن بقايا هيكلية إضافي مثل الأطراف أو الجمجمة لتحديد طريقة الحركة والسلوك الحركي للكائن، مع توسيع النطاق الجغرافي والزمني بمسح مناطق أوسع والتنقيب في طبقات أقدم أو أحدث لإنشاء خريطة زمنية متصلة لتطور السلالة، كما اكد الدكتورة شروق الأشقر عن تحضير معمل "سلام لاب" لاكتشاف علمي كبير سيعلن عنه قريبا وسيحدث انقلاب في الأوساط العلمية.
 

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة