يوسف أيوب يكتب: من يعوض دول المنطقة عن خسائر الاقتصادية من الحرب؟

السبت، 04 أبريل 2026 06:27 م
يوسف أيوب يكتب: من يعوض دول المنطقة عن خسائر الاقتصادية من الحرب؟

أطراف التصعيد العسكرى مطالبون بتقديم بدائل لمواجهة ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء عالمياً 
الاقتصاد المصرى الأكثر تأثراً.. وواشنطن مطالبة بتقديم الدعم الاقتصادي وتوفير السيولة النقدية 
فاتورة الطاقة فقط زادت من 1.2 إلى 2.5 مليار دولار في شهر.. وإجراءات الترشيد ليست كفيلة بمفردها
 
الشئ المؤكد أن الحرب الجارية في المنطقة حالياً، هي حرب فرضت على دول الشرق الأوسط، لم يكن لأى منا رغبة فيها، لأن انعكاساتها سلبية على الجميع، بل شديدة السلبية. هي حرب لا طائل منها، والجميع سيخرج منها خاسر، أطراف التصعيد أنفسهم قبل دول المنطقة، لأننا أمام حرب لا رابح فيها.
 
هي حرب بدأتها الولايات المتحدة الأمريكية، بتحريض واضح ومعلوم من إسرائيل، لكى تستكمل خطتها "إعادة هيكلة وشكل الشرق الأوسط"، وإيران من وجهة النظر الإسرائيلية هي العقبة، فلماذا لا تدخل في حرب واسعة معها. دخلت تل أبيب الحرب ضد إيران، بتعاون وتنسيق مع واشنطن، ومع مرور الأيام اكتشف الجميع أن هذه الحرب لا نهاية لها، بل لا أهداف مرجوة منها.
 
حرب دخلتها واشنطن دون ان تملك خطة ولا خارطة طريق، ولم تضع في حسبانها الأوراق الإستراتيجية التي تملكها إيران، نعم واشنطن هي أكبر قوة عسكرية في العالم، لكن من قال أن الحروب تكسب فقط بالقوة العسكرية، فهناك أوراق أخرى تحقق لها المكسب الاستراتيجيى حتى وإن خسرت عسكرياً، والشواهد في التاريخ كثيرة، لكن يبدو أن واشنطن لم تقرأ التاريخ، واعتمدت على تحريض إسرائيلى واضح، فلم تقرأ التاريخ جيداً، ولم تفتح خريطة المنطقة لتعرف الأوراق التي يمكن أن تستخدمها إيران لتحقق مكاسب استراتيجية، فقراءة سريعة للخريطة، كان كفيلة لتعرف واشنطن وغيرها أن الجغرافيا الإيرانية تمنح أوراقاً تستطيع من خلالها خنق العالم، وأعنى هنا ليس فقط مضيق هرمز، بل أيضاً جوارها المباشر لدول الخليج العربى، وانتاجها من البترول، وغيرها من الأوراق التي بدأت طهران في استخدامها تباعاً، لتبدأ ممارسة ضغوط استراتيجية ضد واشنطن، وبالتبعية الاقتصاد العالمى الذى يعانى اليوم من أثار الحرب على ملف الطاقة، وتسارع وتيرة أسعار البترول العالمية من 62 دولار إلى 120 دولار في أقل من 10 أيام، وهناك توقعات بالوصول إلى الـ200 دولار اذا الوضع على الوتيرة العسكرية الحالية.
 
ومن يراقب ويتابع التصريحات الأمريكية، سيكتشف أنهم لم يكن بحسبانهم ان طهران ستستخدم ورقة مضيق هرمز، وكل أفكارهم كانت تدور على مواجهات عسكرية، واستهداف لمصالح في الخليج، وهنا نكون امام قصور في التفكير والرؤية، يتطلب ان تتحمل واشنطن وكل من دعمها في هذه التصعيد العسكرى المسئولية عن الإضرار التي تلحق بدول المنطقة، ليس فقط عسكرياً، وإنما أقتصادياً.
 
فهى كما سبق وقلت، حرب فرضت على المنطقة ولم يكن لها داع، بل أن المفاوضات كانت تسير في طريقها، وكان من الممكن ان تصل إلى نتيجة منطقية تجنبنا ما نحن فيه اليوم.
 
ومن الواضح أن من اتخذوا القرار، لم يدر بخلدهم أن الشرق الأوسط ليست منطقة هامشية، بل قلب وعصب الاقتصاد العالمى، واى خلل بها يربك الاقتصاد فى العالم اجمع فما بالنا بدول المنطقة، وقد سمعنا ولا زلنا نسمع من دول أوربية وأسيوية عن الإضرار التي تلحق بهم اقتصادياً جراء الحرب المستمرة، رغم بعدهم الجغرافى عن المنطقة، لكنه سلاح البترول، الذى يعود ليكون ورقة حاسمة.
 
نتحدث عن الدول البعيدة، وما تعانية من أثار، فما بالنا بدول المنطقة، التي بدأت في اتخاذ إجراءات صعبة، لكى تستطيع امتصاص الصدمة، لكن هذه الأجراءات يبدوا أنها سترتفع وتيرتها خلال الأسابيع المقبلة إذا لم يتم اتخاذ قرار بوقف هذه الحرب، لإن البترول سلعة مستنفرة مما يحدث، وأسعاره المستقبليه فى علم الغيب.
 
ومن بين دول المنطقة، تبقى مصر من أكثر الدول تأثرا بحكم الجغرافيا وايضا الممرات البحرية، والسؤال اليوم، لماذا لا يقدم لمصر دعم على وضعها الحالي، فهى متأثرة بشدة من هذه الحرب، رغم أنها تقود وساطات وتحاول التهدئة، لإستقرار المنطقة، وفى الوقت نفسه تعانى اقتصادياً. نعم اقتصادنا لازال حتى الأن قوياً ويسير فى خطط إصلاح لكن ما يحدث حولنا يعيق هذه الخطط، بل يؤثر فيها بشكل كبير، فمن يتحمل هذه الفاتورة؟!
 
الأكيد أن من يتحملها من أشعلوا الحرب، ليس فقط لتعويض مصر، وإنما لكل دول المنطقة المتضررة من الحرب عسكرياً واقتصادياً.
 
واعتقد أن ما جاء في بيان الاتصال الهاتفى الذى جمع الأسبوع الماضى الدكتور بدر عبد العاطى وزير الخارجية، ونظيره الأمريكي "ماركو روبيو"، بشان أهمية تقديم الدعم الاقتصادي وتوفير السيولة النقدية لاحتواء التداعيات السلبية للتصعيد الحالي علي مصر، خاصة فى ظل تاثر أسعار الطاقة والغذاء وتراجع عائدات السياحة وقناة السويس، هو أمر منطقى وشديد الأهمية أيضاً.
 
والأمر هنا ليس مرتبط بقروض أو غيرها، وإنما العمل على تعويض المنطقة جراء ما ألم بها من تداعيات هذه المواجهة العسكرية المفتوحة، التي لا طائل منها، بل أن المنطقة كلها متضررة، خاصة على حرية الملاحة وسلاسل الامداد اتصالا بالأمن الغذائي وضمان تدفق مكونات الأسمدة المطلوبة للزراعة، فضلا عن امن الطاقة في ضوء ارتفاع أسعار الطاقة والنفط.
 
والقاهرة وفق ما قرأته من بيانات وزارة الخارجية تتحرك مع أوربا والولايات المتحدة في هذا الملف، وهو ما وضح من رسالة عبد العاطى لنظيره الأمريكي في الاتصال الهاتفى، وأيضاً في اتصاله مع جان نويل بارو، وزير خارجية فرنسا، ودوبرافكا سويتشا، مفوضة الاتحاد الأوروبي للمتوسط، حينما أشار إلى التداعيات الاقتصادية للحرب الجارية على الاقتصاد العالمى وعلي اقتصاديات دول المنطقة، ووفق بيان الخارجية المصرية: "أشار المسئولان الأوروبيان فى هذا السياق إلى برامج التعاون المالي والاقتصادي بين مصر والاتحاد الأوروبي وتنفيذها، ونوها الي صلابة أسس الاقتصاد المصرى وقدرته على الصمود أمام التحديات الإقليمية والدولية  وعلى امتصاص الصدمات، رغم تداعيات التصعيد العسكري على النمو الاقتصادى في العالم نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء العالمية وتأثر سلاسل التوريد والإمداد".
 
وفى البيان أيضاً تأكيد عبد العاطي أن الاقتصاد المصري أثبت بالفعل قدرة عالية على الصمود في مواجهة تداعيات التصعيد العسكرى في المنطقة، وذلك بفضل الاصلاحات الهيكلية والنقدية التي اتخذتها الحكومة المصرية على مدار السنوات الماضية، بما ساهم في امتصاص الصدمات الناتجة عن الازمة، كما أن الاقتصاد المصرى نجح خلال فترات سابقة فى تجاوز أزمات وتحديات إقليمية عديدة من قبل، وهناك ثقة كاملة في قدرته على تخطى هذه الأزمة أيضاً، مشيراً إلى أن مصر تواصل الالتزام بتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية وبناء مناخ موات للاستثمار فى ظل حالة الامن والاستقرار التى تتمتع بها مصر رغم الأوضاع الاقليمية الحالية. 
 
والأسبوع الماضى، تحدث تحدث الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء بلغة الإرقام عن ارتفاع فاتورة استيراد الغاز الطبيعي الشهرية لمصر من 560 مليون دولار قبل الحرب إلى أكثر من 1650 مليون دولار في الشهر بسبب الزيادات الكبيرة التي حدثت، فيما زاد سعر منتج السولار بنسبة ألف دولار للطن الواحد ليصل إلى 1665 دولار حيث تستهلك مصر يوميا 24 ألف طن، ما تسبب في زيادة الفاتورة اليومية بمقدار 24 مليون دولار بإجمالي 750 مليون دولار إضافة شهرية، وهنا أشار مدبولى إلى أن الزيادة الاستثنائية التي طبقتها الحكومة لا تتجاوز ثلث الارتفاع في أسعار المنتجات البترولية، حيث تتحمل الدولة الجزء الأكبر على أمل أن تستقر الأمور في خلال المرحلة القادمة.
 
وأستكمالاً للغة الأرقام، أكد رئيس الوزراء أن "فاتورة الطاقة فقط زادت من 1.2 إلى 2.5 مليار دولار ومواردنا من العملة الصعبة معروفة وثابتة ويمكن أن تتأثر بسبب تداعيات الحرب في بعض القطاعات، وإذا استمر نمط الاستهلاك كما هو واستمرت الحرب أيضا سنضطر لتعويض هذا الفارق بالتقصير في أمور أساسية أخرى الدولة تحتاجها سواء مواد خام ومستلزمات إنتاج وغيرها".
 
هذه الأرقام تضعنا أمام الوضع الذى تعيشه الدولة اليوم نتيجة هذه الحرب، فنحن امام وضع صعب، لكن الحكومة وهى تتعامل مع هذه الازمة، تسير وفق خطة أولويات، وهو ما أكد عليه الدكتور مصطفى مدبولى بقوله إن "الأولوية الرئيسية لدينا هى استمرار معدلات الانتاج في المصانع وعدم التأثير على وفرة المنتجات، لأن هذا ما يساعد على توازن الأسعار، لذلك نحن لا نريد الاقتراب من أي احتياطيات تخص تدبير المستلزمات والمواد الخام والأدوية التي يحتاجها المواطن، لذلك ليس لدينا سبيل لتقليل فاتورة الطاقة سوى ترشيد الاستهلاك، وترشيد الاستهلاك ليس دور الحكومة وحدها، لكنه دور حكومة مع المواطن، ويجب أن يعي المواطن التحدي الذي تواجهه الدولة، لذلك الحكومة تتخذ إجراءات من شأنها أن تؤدي لتقليل فاتورة الوقود وترشيد الاستهلاك حتى نصل إلى هدفنا وهو عدم تأثر حركة الاقتصاد".
 
واتخذت الحكومة بعض القرارات في الفترة الماضية منها غلق المحال التجارية والكافيهات والمولات من الساعة التاسعة مساء في كل أيام الأسبوع والخميس والجمعة من العاشرة مساء لمدة شهر واحد، معتبرة أن قرار غلق المحال سيساعد في وفر استهلاك الطاقة، مع التوضيح أن الحكومة تتخذ إجراءات متدرجة حتى لا يتم تحميل الأعباء على المواطن، لكن إذا استمرت هذه الأزمة لفترة أطول ستضطر الحكومة إلى مستوى أخر وأشد في القرارات حتى يتم ترشيد الاستهلاك.
 
ومن ضمن الإجراءات الحكومية أيضاً، الإبطاء الكامل للمشروعات الكبرى الجاري تنفيذها، كثيفة الاستهلاك للسولار والبنزين، لمدة شهرين على الأقل وتم التوجيه لكل الوزراء بمراجعة هذه المشروعات، كما تم التوجية الفوري بتقليل نسبة 35% من مخصصات الوقود لكل السيارات والمركبات الحكومية، بالإضافة إلى بدء تطبيق العمل عن بُعد، بداية من غداً الأحد، 5 إبريل، ولمدة شهر، على القطاعين العام والخاص، فما عدا القطاعات الإنتاجية والخدمية، حيث يستثنى من هذا القرار المصانع بأكملها ومؤسسات الخدمات العامة ( محطات المياه، الغاز، الصرف الصحي، المستشفيات، وغيرها من مؤسسات الخدمات الرئيسية التي لا يمكن أن تعمل بمنظومة العمل على بُعد) وكذا المدارس والجامعات، وإذا استمرت الأحداث في التصعيد سيكون هناك احتمالية لزيادة يوم آخر كأحد الإجراءات التدريجية للحفاظ على منظومة الإنتاج والتنمية.
 
وقال الدكتور مصطفى مدبولي: "نحاول بقدر الإمكان معالجة الأمور بطريقة متدرجة حتى لا تحدث بلبلة كبيرة في الدولة وفي نفس الوقت نحافظ بقدر الإمكان على منظومة الانتاج والتنمية وهو أهم شيء بالنسبة لنا كحكومة".
 
النقطة المهمة في التعامل الحكومى مع الوضع الحالي، والتي أشار إليها الدكتور مصطفى مدبولى، أن الوضع الاقتصادي الحالي مختلف تماما عن الفترة في عامي 2023 و2024 والتي كانت تشهد أزمة عملة أجنبية والتي أدت إلى عدم قدرة الدولة على تدبير المواد الخام ولا مستلزمات الإنتاج، لكن اليوم وعلى أرض الواقع اتحاد الصناعات واتحاد الغرف التجارية أكدا على أن المواد الخام ومستلزمات الإنتاج الموجودة في الدولة تكفي لشهور ونفس الأمر ينطبق على قطاع الأدوية، حيث أكد وزير الصحة إمتلاك الدولة مواد خام ومستلزمات الانتاج تكفي من 12 الى 16 شهرا، بالإضافة إلى أن القطاع المصرفي يدبر العملة الأجنبية لكل ما يتطلبه هذا الأمر.
 
ما سبق تلخيص مهم لوضع الحرب علينا في مصر، اقتصادياً، وكيف تتعامل الحكومة مع هذا الوضع، لكن هذا التعامل يحتاج إلى دعم خارجى، والمقصود هنا ليس قروض وإنما تعويض من الدول المتسببة في هذه الحرب إلى الدول التي تعانى من أثارها، وهو أمر أعتقد أنه يجب أن يكون متصدر النقاشات السياسية خلال الفترة الممقبلة دولياً، لأن الحرب لم تتسبب فقط في أضرار عسكرية لدول المنطقة، لكنها أيضاً تسببت في أضرار أقتصادية كبيرة، ومتوقع أن تزداد خلال الأيام المقبلة.
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق