اعترافات الخديعة.. الوجه «القبيح» لجماعة الإخوان الإرهابية

السبت، 04 أبريل 2026 07:00 م
اعترافات الخديعة.. الوجه «القبيح» لجماعة الإخوان الإرهابية
الإرهابي على عبد الونيس
محمد الشرقاوي

قراءة في اعترافات علي عبد الونيس تجيب عن: هل انتهت خطورة التنظيم الإرهابي؟
نجاحات أجهزة وزارة الداخلية دفعت الأفعى لتغيير جلدها.. ونقل المعركة من الشارع إلى الشاشات
منصة ميدان ذراع "حسم" واجهة جديدة يديرها الهارب يحيى موسى لخدمة مشروع العنف باستقطاب وتجنيد الشباب 


 
لم تعد المواجهة مع جماعة الإخوان الإرهابية تُقاس بعدد العمليات التخريبية التي تم إحباطها، ولا بعدد العناصر التي سقطت في قبضة الأجهزة الأمنية، بل باتت تُقاس اليوم بمدى قدرتها على التسلل إلى وعي المجتمع وإعادة تشكيل إدراكه من الداخل، فبعد سنوات من الضربات الأمنية المتتالية التي أجهضت محاولات التنظيم لإحياء نشاطه المسلح، بدا واضحًا أن الجماعة لم تتراجع عن أهدافها، لكنها أعادت تعريف أدواتها.
 
تكشف اعترافات القيادي الهارب علي محمود عبد الونيس، التي نشرتها وزارة الداخلية، الأسبوع الماضى، عن هذا التحول بوضوح، حيث لم يعد السلاح هو الوسيلة الوحيدة، بل أصبح مجرد مرحلة ضمن مسار أوسع، تتقدمه أدوات أكثر هدوءً وأشد تأثيرًا، فبينما فشلت مخططات الاستهداف المباشر، من اغتيالات ومحاولات نوعية، بدأت الجماعة في بناء مسار موازٍ يقوم على اختراق المجال الإعلامي، عبر إنشاء منصات تبدو في ظاهرها مؤيدة للدولة، لكنها في جوهرها تعمل على جمع المعلومات، وتأليب الرأي العام، وزعزعة الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته.
 
ولا يعكس هذا التحول فقط تكتيكًا مرحليًا، بل يشير إلى إعادة تموضع استراتيجية كاملة، تنتقل فيها الجماعة من "الإرهاب الصلب" إلى ما يمكن تسميته بـ"الإرهاب الإدراكي"، حيث تصبح الكلمة بديلاً عن الرصاصة، والسردية أداة لإعادة تشكيل القناعات، وهنا، لم تعد المعركة في الشارع فقط، بل انتقلت إلى فضاء أكثر تعقيدًا، تُدار فيه عبر الشاشات، والمنصات، وخطابات تبدو أحيانًا أقرب إلى التأييد منها إلى المعارضة.
 
في هذا السياق، لم يعد السؤال المطروح: هل انتهى خطر الجماعة؟ بل كيف تغيّر شكله؟ وكيف يمكن رصد هذا التحول الذي لم يعد يستهدف الجسد فقط، بل يسعى إلى اختراق الوعي ذاته؟

ضربات كسرت الذراع المسلح
لم تتراجع جماعة الإخوان الإرهابية عن العنف لأنها اقتنعت بفشله؛ بل لأنها عجزت عن ممارسته، وهذا المعنى يتجسد بوضوح في اعترافات القيادي علي محمود عبد الونيس، الذي كشف بنفسه كيف تحولت محاولات التنظيم من تنفيذ عمليات إلى سلسلة من الإخفاقات المتكررة تحت ضغط الضربات الأمنية ، فمنذ انخراطه في ما يسمى "العمل النوعي"، يتحدث عبد الونيس عن انتقاله بين مسارات التدريب والتكليف، بداية من السفر إلى قطاع غزة والتدريب على "مضاد الدروع ومضاد الطيران وهندسة المتفجرات"، وصولًا إلى تكليفه بتنفيذ عمليات داخل مصر، مثل استهداف كمين العجيزي، ومحاولات استهداف منشآت شرطية وشخصيات عامة، وهو مسار ظنت الجماعة أنه يؤسس لقدرة عملياتية مستدامة، لكنه انتهى عمليًا إلى نموذج متكرر من الفشل، حيث يؤكد بنفسه أن عددًا من العمليات "فشلت ومتمتش" رغم الإعداد لها.
 
الأكثر دلالة، هو ما يكشفه عن طبيعة التصعيد داخل التنظيم، إذ تشير الاعترافات صراحة إلى التخطيط لاستهداف الطائرة الرئاسية باستخدام صواريخ محمولة على الكتف، وهو مستوى من العمليات يعكس محاولة نقل المواجهة إلى أقصى درجات الخطورة؛ لكن هذا التصعيد ذاته يكشف حجم الأزمة، فمحاولة بهذا الحجم انتهت أيضًا إلى الفشل، في ظل قدرة الأجهزة الأمنية على الإحباط المبكر، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين طموح التنظيم وقدرته الفعلية على التنفيذ.
 
ولا يتوقف الأمر عند حدود الفشل العملياتي، بل يمتد إلى اعتراف مباشر بتأثير الضربات الأمنية على بنية التنظيم نفسه، فعبد الونيس يقر بأن إحباط أحد المخططات الكبرى شكّل "هزة تنظيمية" قوية داخل الحركة، وأظهر أن مؤسسات الدولة متيقظة، وهو اعتراف يعكس إدراكًا داخليًا بأن بيئة العمل المسلح لم تعد ممكنة بنفس الشكل السابق، وأمام هذا الواقع، لم يكن أمام الجماعة الإرهابية خيار سوى البحث عن بديل، فمع تكرار الفشل، وتفكك الخلايا، وسقوط العناصر قبل التنفيذ، فقد النموذج المسلح جدواه كأداة فعالة، وهنا بدأ التحول، لا بوصفه مراجعة فكرية، بل كتكتيك اضطراري لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المشروع.
 
وما يفسر الانتقال التدريجي الذي تكشفه الاعترافات نفسها، من الحديث عن عمليات وتفجيرات، إلى الحديث عن مسارات أخرى، أكثر هدوءً وأعمق تأثيرًا، فالتنظيم الذي عجز عن تمرير عملياته في الواقع، بدأ يبحث عن طرق للالتفاف على هذا العجز، عبر أدوات لا تُواجه بنفس الحسم الأمني، وتسمح له بالتحرك.
وبهذا المعنى، فإن الضربات الأمنية لم تُنهِ خطر الجماعة، لكنها أجبرتها على تغيير شكله، لم تتخلَّ عن مشروعها، بل أعادت إنتاجه بأدوات أكثر مراوغة، تمهيدًا للانتقال إلى مرحلة جديدة، لن تكون فيها المواجهة بالسلاح فقط، بل بالعقول، وبمحاولات إعادة تشكيل الوعي من الداخل - وهي المرحلة التي تكشفها بوضوح الأجزاء التالية من الاعترافات.

اختراق الوعي من الباب الخلفي
إذا كانت الضربات الأمنية قد أغلقت أمام جماعة الإخوان مسار العنف المباشر، فإن الاعترافات نفسها تكشف أن التنظيم لم يتجه إلى المراجعة، بل إلى إعادة التموضع داخل المجال الإعلامي بوصفه ساحة بديلة أقل كلفة وأكثر قدرة على التسلل، وهنا تصبح أخطر ما في القصة ليس فقط ما اعترف به علي محمود عبد الونيس عن التدريب والتكليفات، بل ما قاله عن "لجنة الإعلام والتسريبات"، التي لم تُنشأ ـ وفق روايته ـ لنقل الحقيقة، وإنما للحصول على معلومات وبيانات العاملين في الدولة، ثم توظيفها في تأليب الرأي العام عبر منصات تبدو في ظاهرها مؤيدة للدولة، بينما تعمل في جوهرها ضدها.
 
وهنا هو قلب التحول؛ فالتنظيم - بحسب الاعترافات- لم يعد يكتفي بالتخطيط لعملية مسلحة أو إيواء عنصر هارب أو تدريب فرد على السلاح، بل ذهب إلى ما هو أبعد: بناء واجهات إعلامية تستدرج الثقة أولًا ثم توظفها لاحقًا في الاتجاه المعاكس، وهو ما تحدث عنه "عبد الونيس" صراحة عن أن هذه المواقع كانت "في ظاهرها" مؤيدة للدولة، لكن الهدف الحقيقي منها كان التواصل مع المسؤولين والعاملين، واستغلال المعلومات والموضوعات المرتبطة بالدولة لزعزعة الثقة بين المواطن ومؤسساتها، ثم دفع الرأي العام إلى التشكيك والاصطفاف النفسي ضد الدولة نفسها.
 
وهنا لا يعود الأمر مجرد "دعاية معارضة" أو "إعلام سياسي" بمعناه التقليدي، بل يتحول إلى هندسة إدراك، فحين يقول العنصر نفسه إن هذه المنصات استُخدمت لتأليب المواطنين، وإن بعض الأسماء جرى توظيفها في ما سماه "الجنة الإعلامية"، فإننا أمام اعتراف بأن المعركة لم تعد على مستوى الرصاصة، بل على مستوى المعلومة، والرسالة، والشك، أي أن الهدف لم يعد فقط إحداث ضرر مادي، بل صناعة بيئة مشوشة، مُرهقة، ومفتوحة على الانقسام.
 
الأخطر أن "اعترافات عبد الونيس" تكشف عن وعي كامل لدى التنظيم بأهمية هذا المسار؛ فهو لم يتعامل مع الإعلام كأداة تكميلية، بل كجزء من البنية القتالية ذاتها، لذلك جرى، بحسب ما ورد، تأسيس "مؤسسة ميدان" بوصفها الذراع السياسي لحركة حسم الإرهابية، بهدف توسيع الحاضنة الشعبية، واستقطاب شباب من خارج التيار الإسلامي، والتواصل معهم بلغة تبدو مدنية أو سياسية أو حقوقية، بينما تخدم في النهاية إعادة إنتاج البيئة الداعمة للتنظيم المسلح.
 
وهذا هو جوهر الخديعة: أن تتغير اللغة دون أن يتغير الهدف، أن يُستبدل التلويح بالسلاح بالتلويح بالمظلومية، وأن يُستبدل التفجير بتسريب المعلومات، وأن يُستبدل العمل السري البحت بخطاب يبدو أكثر انفتاحًا لكن وظيفته النهائية هي نفسها: إضعاف الثقة، وكسر اليقين، وتوسيع مساحات الارتياب، ولذلك لم يكن عبثًا أن تربط الاعترافات بين العمل الإعلامي وبين جمع المعلومات من الداخل، وبين التأثير على الشباب وبين تحريك الشكوك حول الدولة ومؤسساتها.
 
بهذا المعنى، لا نكون أمام "تطوير في أدوات التواصل"، بل أمام نقلة تكتيكية خطيرة من جماعة كانت تراهن على الرعب المباشر، إلى تنظيم يريد أن يزرع أثره على مهل داخل الوعي العام، وهذه هي النقطة التي تجعل من الإعلام في هذه الحالة سلاحًا أخطر من الرصاص، لأنه لا يقتل الجسد دفعة واحدة، بل ينهك الثقة تدريجيًا، ويترك المجتمع نفسه عرضة للتفكك من الداخل.

تنظيم لا يعرف حدودًا للتموضع
لا تبدو حكاية حركة «حسم» في اعترافات علي محمود عبد الونيس مجرد نشاط داخلي لجماعة تبحث عن موطئ قدم داخل مصر، بل تظهر كشبكة تتحرك عبر أكثر من ساحة، وتتعمد استثمار الفوضى الجغرافية والسياسية في الإقليم لتأمين التدريب، والاتصال، وإعادة التهيئة قبل الدفع بالعناصر إلى الداخل، فالرجل نفسه يروي أنه سافر إلى قطاع غزة عبر أحد الأنفاق، حيث تلقى تدريبات على "مهارات الميدان" و"مضاد الدروع" و"مضاد الطيران" و"هندسة المتفجرات" و"القنص"، قبل أن يعود إلى مصر بتكليف مباشر لتنفيذ عمليات نوعية داخلها.
 
ولا يمكن التعامل مع هذه التفصيلة على كونها عابرة في السرد؛ لأن ما يعنيه ذلك ببساطة هو أن التنظيم لم يكن يتحرك بوصفه بنية محلية محدودة، بل بوصفه مشروعًا شبكيًا يوزع أدواره بين بيئات مختلفة: بيئة للتدريب، وبيئة للتمرير، وبيئة للتنفيذ. 
 
وبعد العودة من غزة، لم يتوقف المسار عند حدود الداخل، بل امتد - بحسب الاعترافات - إلى دولة أخرى، حيث انتقل "عبد الونيس" للعمل من هناك، في وقت كانت تُجرى فيه محاولات لتنفيذ عمليات ضد مساعد وزير الداخلية لقطاع السجون ووزير البترول، لكنها "فشلت ومتمتش".
 
وتزداد الصورة وضوحًا حين يكشف عن الصلة بتنظيم "المرابطون" الذي أسسه هشام العشماوي وعماد عبد الحميد، وعن تأسيس معسكر تدريبي في الصحراء الغربية أو إحدى دول الجوار لتدريب العناصر على استخدام الأسلحة الثقيلة والصواريخ المضادة للطائرات والمتفجرات، وهنا لا نتحدث عن تنسيق هامشي أو تبادل معلومات، بل عن بنية تهريب خبرة قتالية بين كيانات متطرفة، تتلاقى عند الهدف وتتفارق عند التفاصيل، بما يجعل الحدود الوطنية مجرد خطوط عبور لا أكثر.
 
ولم يكن هذا الامتداد منفصلًا عن مركز القرار داخل الجماعة؛ فالتكليفات، وفق الاعترافات، كانت تصدر من قيادات هاربة بالخارج مثل يحيى موسى، مع مشاركة أسماء أخرى في التخطيط والمتابعة، وهو ما يعني أن الخارج لم يكن مجرد ملاذ آمن، بل غرفة عمليات بديلة، تُصاغ فيها المهام، وتُحشد فيها العناصر، ثم تُدفع إلى الداخل في صورة عمليات جاهزة التنفيذ.
 
وبهذا المعنى، لم تكن الحركة تبحث عن "مأوى" بعد الضربات الأمنية، بل عن مساحات رمادية تتحرك بينها بعيدًا عن الرقابة المباشرة، مستفيدة من التداخل بين الجغرافيا المتوترة والتنظيمات المتقاطعة، ومن هنا تحديدًا يصبح الخطر أكبر من مجرد خلية داخلية؛ لأننا أمام تنظيم يعرف كيف يغيّر موضعه، ويعيد تدوير عناصره، ويوزع نشاطه بين التدريب والتخطيط والإخفاء، قبل أن يعيد إدخال كل ذلك إلى الداخل في لحظة واحدة.
 
وهذه هي العقدة الأساسية في الملف كله: أن الجماعة لم تكن تتحرك داخل الحدود المصرية فقط، بل كانت تُدار ككيان يمتلك أطرافًا في الخارج، وممرات للتدريب، وقنوات للتنسيق، وغطاءً يسمح له بالتحول من جماعة محاصرة إلى شبكة متحركة، لا تقاتل من مكان واحد، بل من عدة جبهات في آنٍ واحد.

مؤسسة ميدان.. واجهة تُدار من الخلف
لقد كشفت "اعترافات عبد الونيس" عن أن الجماعة الإرهابية حين تعجز عن تثبيت حضورها بالسلاح، لا تتراجع عن الهدف؛ بل تعيد ترتيبه عبر واجهة أكثر قابلية للتسلل، وهو بالفعل ما حدث، حيث تحدث علي محمود عبد الونيس حين عن تأسيس "مؤسسة ميدان" بوصفها الذراع السياسي لحركة حسم الإرهابية، لا كمنصة مستقلة أو مساحة رأي، بل كأداة وظيفتها الأساسية توسيع الحاضنة الشعبية للتنظيم، وإعادة تقديمه في صورة أكثر قبولًا خارج دوائر العنف المباشر.
 
والحديث هنا لا يدور عن نشاط دعوي أو إعلامي بريء، بل عن هندسة مقصودة للواجهة، فبحسب الاعترافات، كان القائمون على "ميدان" هم يحيى موسى، ورضا فهمي، ومحمد مناع الشهير بمحمد منتصر، ومحمد إلهامي، وأحمد مولانا، وكان الهدف المعلن داخليًا هو استقطاب وتجنيد شباب من خارج التيار المتدين داخل مصر وخارجها، أي نقل المعركة من دائرة التنظيم المغلقة إلى دوائر اجتماعية أوسع، يمكن عبرها إعادة إنتاج التعاطف ثم تحويله لاحقًا إلى اصطفاف أو مشاركة أو دعم.
 
وهنا لا يعود الأمر مجرد "توسيع قاعدة التأييد"، بل شكلًا من اختراق المجال العام من الباب السياسي؛ فالمؤسسة - وفق ما ورد-  لم تُبنَ لتكون ذراعًا تكميلية، بل لتعمل على خلق جسر بين التنظيم المسلح وبين شرائح لا تنتمي أصلًا إلى بنيته الفكرية، وهذه النقطة شديدة الخطورة، لأنها تعني أن الجماعة لم تكن تكتفي بمخاطبة جمهورها التقليدي، بل كانت تحاول أن تُلبس مشروعها الثوب المدني، وأن تنقل الصراع من خانة الإرهاب إلى خانة "التمثيل" و"المظلومية" و"البدائل السياسية".
 
وتزداد دلالة هذا المسار حين نربطه بما قاله عبد الونيس عن الأنشطة التي جرى تنظيمها، ومنها "بودكاست مع منتصر"، بما يكشف أن "ميدان" لم تكن مجرد اسم، بل منصة تشغيل حقيقية تُستخدم لتحسين الصورة، وتوسيع نطاق الرسائل، وفتح أبواب التواصل مع جمهور أوسع خارج الإطار الإخواني التقليدي؛ أي أن الجماعة، بدل أن تظل حبيسة صورة التنظيم المسلح، بدأت تعمل على تصنيع صورة أخرى أكثر ليونة، لكنها لا تقل خطرًا في وظيفتها النهائية.
 
وهنا هو جوهر الخديعة: واجهة تتحدث بلغة سياسية ومدنية، لكنها تخدم في النهاية مشروعًا مسلحًا يستهدف العودة إلى المشهد من بوابة أكثر قبولًا وأقل إرهاباً؛ لذلك، فإن "ميدان" لا تبدو في الاعترافات كمنصة منفصلة عن حسم، بل كطبقة موازية تُستخدم لتغطية الفعل الصلب، وتليين صورته، وتهيئة بيئة نفسية تسمح بتمريره من جديد.
 
بمعنى آخر، الجماعة لم تكتفِ بتغيير أداتها، بل حاولت أن تغيّر موقعها في وعي الجمهور: من تنظيم مطارد إلى مشروع سياسي مزعوم، ومن ذراع مسلحة إلى منصة "تمثيلية" تسعى لاختراق المجال العام وإعادة تعريف نفسها أمام الناس، وهنا تحديدًا يكمن الخطر الأكبر؛ لأن المعركة لم تعد مع جماعة تحمل السلاح فقط، بل مع جماعة تحاول أن تعيد صياغة صورتها وهي ما زالت تتحرك داخل المنطقة الرمادية نفسها.

التأييد المفرط أداة لإسكات المجتمع
لا تقتصر خطورة اعترافات عبدالونيس عند ما سبق عرضه، بل تتسلل إلى المجال الأشد حساسية: "مزاج الناس أنفسهم"، فبحسب ما ورد في الاعترافات التي نشرتها وزارة الداخلية، لم تكن بعض المنصات التي جرى تأسيسها معنية بالدفاع عن الدولة فعلًا، رغم أنها بدت "في ظاهرها مؤيدة للدولة"، بل كان الهدف منها استغلال هذا المظهر نفسه لتطويق الرأي العام، وجمع المعلومات، والتواصل مع المسؤولين والعاملين، ثم إعادة توظيف كل ذلك في اتجاه يهز الثقة بين المواطن ومؤسسات بلده.
 
وهنا تكمن الخدعة الأكثر خبثًا: أن لا يأتي الهجوم من الخارج الصريح، بل من مساحة تبدو مطمئنة للوهلة الأولى؛ فالاعترافات تصف بوضوح أن الوظيفة لم تكن الإقناع أو المناقشة، بل التأليب؛ أي دفع الرأي العام إلى حالة استقطاب حاد، وتحويل النقد إلى تهمة، وتحويل الاختلاف إلى خيانة، بحيث ينزلق المجتمع تدريجيًا إلى بيئة لا تسمح إلا بصوت واحد أو اتجاه واحد.
 
ومن هنا يصبح ما يحدث على بعض الصفحات العامة والشخصية ليس مجرد دفاع مبالغ فيه عن السلطة، بل آلية لتفريغ المعنى من الداخل، فحين يُقدَّم كل شيء باعتباره مثاليًا، ويُوصم كل اعتراض بأنه عداء للدولة، يتحول الخطاب من مساحة دعم إلى مساحة قمع معنوي، وهذا بالضبط ما يتسق مع ما قاله عبد الونيس عن استهداف الشباب وصغار السن، وعن استخدام مواقع تبدو صحفية أو سياسية في ظاهرها، لكنها وظيفيًا تعمل على زعزعة الثقة وتأليب المزاج العام.
 
والأخطر أن هذا النمط لا يكتفي بإرباك المتلقي، بل يعيد تشكيل رد فعله تجاه النقد، فالمواطن الذي يرى الخطاب العام محشورًا بين التطبيل الكامل والتخوين الكامل، يبدأ تدريجيًا في فقدان المسافة الطبيعية بين الدولة والنقد، وبين الوطنية والتقويم، وعندها لا يعود السؤال: هل هناك خطأ ينبغي إصلاحه؟ بل: هل أمتلك أصلًا حق الكلام؟ وهذه هي النقطة التي تجعل من “التأييد” هنا أداة تعطيل لا أداة دعم.
 
كما أن الاعترافات تكشف أن الهدف لم يكن فقط الضغط على الجمهور، بل أيضًا الوصول إلى دوائر داخل الدولة نفسها عبر "التواصل مع المسؤولين والعاملين" واستغلال البيانات والمعلومات، أي أن المعركة لم تُبنَ على خطاب خارجي وحسب، بل على شبكة مزدوجة: جهة تُخاطب الناس بلغة الولاء الظاهر، وجهة أخرى تجمع ما يفيد في توسيع التأثير والاختراق والضغط في الاتجاه المعاكس.
 
بهذا المعنى، فإن ما يبدو على السطح دفاعًا عن الدولة قد يتحول، في جوهره، إلى وسيلة لإغلاق المجال العام أمام أي نقاش حقيقي، ومن هنا تصبح أخطر أدوات الجماعة ليست ما يرفع السلاح، بل ما يرفع شعار التأييد وهو يعمل على هدم الثقة، وتخويف الناس من النقد، وتشكيل وعي عام مسكون بالاصطفاف الأعمى.

حين تفشل الرصاصة تبدأ عملية السيطرة على العقول
ما تكشفه اعترافات علي محمود عبد الونيس لا يترك مساحة للتأويل: فنحن لسنا أمام جماعة تراجعت، بل أمام تنظيم إرهابي يُبدّل وسائله كلما أُغلقت أمامه الطرق، من تدريب على السلاح الثقيل داخل غزة، إلى محاولات اغتيال وتفجير، وصولًا إلى التخطيط لاستهداف الطائرة الرئاسية، ثم الانتقال إلى شبكات إعلامية ومنصات ظاهرها الدعم وباطنها التأليب - سلسلة واحدة لا تنفصل، بل تتطور تحت الضغط.
 
الفارق الوحيد أن ما كان يُنفذ بالرصاص، صار يُدار الآن بالكلمة، وما كان يُحسم بالعبوة الناسفة، أصبح يُمرَّر عبر منصة، أو موقع، أو خطاب يبدو عاديًا للوهلة الأولى. لكن النتيجة واحدة: ضرب الثقة، وتشويش الإدراك، ودفع المجتمع إلى حالة ارتباك مستمرة.
 
وتسقط الاعترافات نفسها أي ادعاء بوجود مراجعة حقيقية؛ فالعنصر يتحدث بوضوح عن شبكة ممتدة: تدريب، تكليف، تنسيق مع تنظيمات أخرى، تجنيد عناصر، ثم تأسيس كيانات إعلامية هدفها جمع المعلومات والتأثير على الرأي العام، وهذا ليس مسارًا انتهى، بل مسار أعاد ترتيب نفسه بعد أن فشل في صورته الأولى.
 
وتكمن الخطورة في أن التنظيم لم يعد بحاجة إلى تنفيذ عملية واحدة كبيرة ليُحدث أثرًا، يكفيه أن يزرع الشك، أن يدفع الناس للتشكيك في كل شيء، أن يحوّل أي نقاش إلى معركة، وأي اختلاف إلى تخوين، هنا يصبح التأثير أعمق وأطول عمرًا من أي عملية مسلحة، لأن ما يُستهدف لم يعد موقعًا أو شخصًا، بل حالة عامة تُصيب المجتمع كله.
 
بهذا المعنى، لا يمكن التعامل مع ما جرى باعتباره فصلًا وانتهى، بل باعتباره انتقالًا إلى مستوى أكثر تعقيدًا، تنظيم لم يعد قادرًا على المواجهة المباشرة، فاختار أن يعمل في الخلفية، عبر أدوات أقل صخبًا وأكثر قدرة على التسلل، وبالتالي يمكن القول إن الجماعة لم تختفِ.. هي فقط غيّرت شكل الهجوم، لم تعد تظهر بالبندقية، لكنها لا تزال حاضرة - هذه المرة داخل الخطاب، والمنصة، ومحاولات توجيه الناس من حيث لا يشعرون.
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق