خيوط الدم العابرة للحدود.. «عبد الونيس» يكشف «المسار الأسود» لإرهابي «حسم» وأسرار معسكرات تدريب الانتحاريين
السبت، 04 أبريل 2026 06:43 م
الإرهابي علي محمود محمد عبد الونيس
دينا الحسيني
في ضربة أمنية قاصمة جديدة تعكس يقظة الأجهزة الأمنية وقدرتها على تفكيك أخطر الشبكات الإرهابية، أسدلت وزارة الداخلية الستار عن واحدة من أعقد الخلايا التابعة لحركة «حسم» الذراع المسلحة المرتبطة بجماعة الإخوان، من خلال بث تسجيل مصور تضمن اعترافات تفصيلية للمتهم علي محمود محمد عبد الونيس، والتي لم تكتف بسرد وقائع متفرقة أو عمليات منفصلة، بل كشفت عن خريطة متكاملة لنشاط التنظيم، ممتدة عبر عدة دول، تبدأ من داخل الجامعات المصرية، مرورًا بقطاع غزة، وصولًا إلى الصحراء الغربية والصومال، وانتهاءً بخلايا نائمة ومحطات دعم لوجستي خارج الحدود، بما يؤكد أن الدولة كانت تواجه شبكة إرهابية عابرة للحدود ذات بنية تنظيمية معقدة وقدرات نوعية متطورة.
وبحسب ما جاء في الاعترافات، فإن رحلة المتهم داخل التنظيم بدأت من داخل كلية الزراعة بجامعة الأزهر، حيث جرى استقطابه في البداية ضمن «لجنة العمل العام» التابعة لجماعة الإخوان، وهي المرحلة التي يتم خلالها التعرف على العناصر القابلة للتجنيد، قبل أن يتم تصعيده تدريجيًا إلى «لجنة الحراك» المسؤولة عن الأنشطة التنظيمية داخل الجامعة، وصولًا إلى المرحلة الأخطر وهي «لجنة العمل النوعي» في عام 2014، والتي تمثل نقطة التحول الفعلية نحو العمل المسلح، حيث يتم خلالها إعداد العناصر نفسيًا وفكريًا للانتقال إلى تنفيذ العمليات الإرهابية، وفي تلك المرحلة تم ربطه بشكل مباشر بالقيادي الهارب يحيى موسى، الذي لعب دورًا محوريًا في توجيهه وتكليفه بمهام نوعية، مستغلًا الخطاب الديني كغطاء لتجنيد الشباب ودفعهم إلى مسارات العنف، بينما كان يدير نشاطه من الخارج في بيئة آمنة وبعيدًا عن أي مخاطر.
وكشفت الاعترافات أن عملية التجنيد لم تكن عشوائية، بل اعتمدت على آليات دقيقة ومدروسة، تبدأ من استقطاب الطلاب داخل الحرم الجامعي، ثم إخضاعهم لبرامج فكرية وتنظيمية تمهد لنقلهم إلى مراحل أكثر خطورة، مع استغلال شخصيات ذات نفوذ اجتماعي ومادي لفتح دوائر جديدة للتجنيد وتوفير غطاء لوجستي يسهل تحركات العناصر بعيدًا عن أعين الأجهزة الأمنية، بما يعكس وجود شبكة متكاملة تسعى إلى التمدد داخل المجتمع واستقطاب عناصر جديدة بشكل مستمر.
ومع تصاعد دوره داخل التنظيم، انتقل المتهم إلى مرحلة التدريب العسكري، حيث تم تهريبه إلى قطاع غزة عبر الأنفاق، في رحلة شكلت نقطة فاصلة في مسيرته، إذ خضع هناك لبرنامج تدريبي مكثف استمر نحو أربعة أشهر داخل معسكرات أشبه بالأكاديميات العسكرية، شملت تدريبات على القتال الميداني، واستخدام الأسلحة الثقيلة، والتعامل مع الصواريخ المضادة للدروع والطائرات مثل «سام 7» و«سام 17»، بالإضافة إلى هندسة المتفجرات وأعمال القنص، وهي مهارات متقدمة مكنته لاحقًا من تنفيذ عمليات إرهابية داخل البلاد، ما يعكس حجم التأهيل الذي كانت تتلقاه عناصر التنظيم خارج الحدود.
وبعد عودته إلى مصر، كُلف المتهم بتنفيذ عدد من العمليات العدائية، حيث أقر بمشاركته في استهداف كمين العجيزي بمحافظة المنوفية، وتفجير عبوة ناسفة أمام مركز تدريب أفراد الشرطة بمدينة طنطا، فضلًا عن المشاركة في اغتيال العميد أركان حرب عادل رجائي أمام منزله بمدينة العبور، في إطار سلسلة من العمليات التي استهدفت مؤسسات الدولة ورموزها الأمنية، كما كشف عن تورطه في التخطيط لمحاولات استهداف مسؤولين بارزين من بينهم مساعد وزير الداخلية لقطاع السجون ووزير البترول، وهي مخططات لم يتم تنفيذها، لكنها تعكس مستوى التصعيد الذي وصل إليه التنظيم.
ولم تقتصر تحركات المتهم على الداخل، بل امتدت إلى الخارج، حيث توجه إلى الصومال التي تحولت وفقًا للاعترافات إلى غرفة عمليات بعيدة لإدارة النشاط الإرهابي والتخطيط لعمليات تستهدف الدولة المصرية، في إطار استراتيجية تعتمد على توزيع الأدوار بين الداخل والخارج، بما يضمن استمرارية النشاط رغم الضربات الأمنية، كما أشار إلى وجود خلايا نائمة ومحطات دعم لوجستي في عدد من الدول الإقليمية والخليجية، ما يؤكد الطبيعة العابرة للحدود لهذا التنظيم.
ومن أبرز ما كشفته الاعترافات هو وجود تنسيق وتحالف استراتيجي بين حركة «حسم» وتنظيم «المرابطون» بقيادة الإرهابي هشام عشماوي، حيث تم العمل على إنشاء معسكرات تدريبية مشتركة في الصحراء الغربية، لم تكن مجرد نقاط تجمع، بل مراكز متكاملة لتأهيل العناصر على استخدام الأسلحة الثقيلة والصواريخ المحمولة على الكتف، في إطار الإعداد لتنفيذ عمليات نوعية كبرى، وعلى رأسها محاولة استهداف الطائرة الرئاسية، وهي العملية التي أقر المتهم بأنه جرى التخطيط لها بشكل دقيق، مع الاعتماد على عناصر مدربة على استخدام هذه المنظومات الصاروخية، قبل أن تفشل بفعل الإجراءات الأمنية.
كما كشفت الاعترافات عن تطور نوعي في أساليب تنفيذ العمليات الإرهابية، حيث لجأ التنظيم إلى استخدام السيارات المفخخة كوسيلة لإحداث أكبر قدر من الخسائر، ومن أبرز هذه الوقائع تفجير سيارة مفخخة أمام المعهد القومي للأورام بمنطقة القصر العيني عام 2019، في حادثة أثارت صدى واسعًا نظرًا لاستهدافها منشأة مدنية، في محاولة لبث الرعب وإحداث تأثير نفسي داخل المجتمع.
وفي سياق متصل، أوضح المتهم أنه شارك في تأسيس معسكر تدريبي بإحدى الدول المجاورة خلال عام 2016 لتأهيل عناصر الحركة، كما شارك في تدريب عناصر على استخدام الصواريخ المضادة للطائرات والأسلحة الثقيلة والمتفجرات، فضلًا عن المساهمة في الدفع بعناصر متواجدة بالخارج للعودة إلى البلاد خلال عام 2025 لتنفيذ عمليات عدائية، ما يعكس استمرار نشاط التنظيم ومحاولاته إعادة التموضع رغم الضربات الأمنية.
ولم يقتصر دور المتهم على التنفيذ والتخطيط، بل امتد إلى تجنيد عناصر جديدة داخل مصر وخارجها، حيث قام باستقطاب شباب من خلفيات اجتماعية مختلفة، وتكليفهم بمهام متنوعة تتراوح بين التنفيذ المباشر والدعم اللوجستي، بما يعكس استراتيجية التنظيم في بناء شبكة متعددة المستويات تضمن استمرارية العمل الإرهابي.
وعلى الجانب الآخر، كشفت الاعترافات عن دور خطير للذراع الإعلامي للتنظيم، حيث تم تأسيس منصة إعلامية تحت اسم «مؤسسة ميدان» بمشاركة قيادات بالخارج وعلى رأسهم يحيى موسى، بهدف التأثير على الرأي العام واستقطاب الشباب والترويج لأفكار التنظيم وبث الشائعات، مستفيدين من تمويلات خارجية ضخمة، لتكون هذه المنصة غطاءً إعلاميًا للنشاط المسلح ومحاولة لبناء حاضنة شعبية داعمة.
وتكشف هذه الوقائع عن مفارقة صارخة، حيث يدير يحيى موسى هذا النشاط من الخارج ويتمتع بحياة آمنة وتمويلات كبيرة، بينما يدفع بالشباب إلى ساحات المواجهة ليواجهوا مصيرهم بين القتل أو السجن، وهو ما أقر به المتهم في ختام اعترافاته، مؤكدًا أن ما خاضه لم يكن صراعًا دينيًا كما كان يُروج له، بل صراعًا على السلطة، تديره قيادات تبحث عن النفوذ على حساب دماء الأبرياء.
وفي لحظة مراجعة، أعرب المتهم عن ندمه الشديد على مشاركته في هذه الأنشطة، موجهًا رسالة تحذير إلى الشباب بعدم الانخراط في مثل هذه التنظيمات، مؤكدًا أن الشعارات التي يتم الترويج لها ليست سوى غطاء لتحقيق أهداف سياسية، وأن نهايتها تكون دائمًا مأساوية لمن ينخدعون بها، سواء بالموت في عمليات عبثية أو السقوط في قبضة الأمن، وترك أسرهم لمصير مجهول.
وتأتي هذه الضربة الأمنية في إطار جهود مستمرة تبذلها وزارة الداخلية لتتبع عناصر التنظيمات الإرهابية وتفكيك شبكاتها وتوجيه ضربات استباقية لمخططاتها، وهو ما انعكس في حالة الارتباك التي أصابت هذه التنظيمات والتي وصفها المتهم بأنها «هزة تنظيمية» نتيجة الضربات المتلاحقة في الداخل والخارج، لتؤكد هذه الاعترافات أن المواجهة مع الإرهاب لم تعد تقتصر على الجانب الأمني فقط، بل تمتد إلى معركة وعي شاملة تكشف زيف هذه الجماعات التي تتخفى خلف شعارات دينية بينما تمارس العنف وتسعى لتحقيق أهداف سياسية على حساب استقرار الدولة وأمن المجتمع، لتبقى الحقيقة التي فرضتها هذه الضربة واضحة أمام الجميع وهي أن ما يسمى بـ«الجهاد» الذي تروج له هذه التنظيمات ليس سوى ستار لمشروع سلطوي يدفع ثمنه الأبرياء بينما يجني ثماره من يقفون خلف الستار.