احتمالات السلام فى صراع القوى الكبرى

الخميس، 09 أبريل 2026 07:38 م
احتمالات السلام فى صراع القوى الكبرى
كتب ـ هيثم صلاح الدرس

الحروب والصراعات الحالية، هى أكثر أشكال الفعل الإنسانى تكلفةً، والنصر فى تلك الحروب، لم يعد يُقاس فقط بالسيطرة على الأرض، أو تحقيق أهداف عسكرية مباشرة. فقد يحقق طرف من المتحاربين مكاسب تكتيكية، لكن الثمن الاستراتيجى الذى يدفعه هذا الطرف يكون باهظًا.
 
مفاهيم المنتصر والمهزوم، والفائز والخاسر، والربح والخسارة، تتلاشى فى كثير من الأحيان الحدود الفاصلة بينها، خاصة حين يكون طرفا الصراع قوى إقليمية ودولية كبرى، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
 
الولايات المتحدة، ترى النصر، يكون فى تثبيت نفوذها الإقليمى، وضمان أمن حلفائها، بينما ترى إسرائيل، أن النصر  فى المواجهة العسكرية، وأن المواجهة وسيلة لتعزيز ردعها العسكرى. فى المقابل، تعتبر إيران صمودها أمام أمريكا وإسرائيل، بحد ذاته، انتصارًا، خاصة إذا نجحت فى استنزاف خصومها، أو فرض معادلات جديدة فى ميزان القوى.
 
لكن الحقيقة الأعمق، أن جميع الأطراف المتحاربة، تدفع أثمانًا فادحة: اقتصادية، وسياسية، وإنسانية. فالحروب تستنزف الموارد، وتُضعف الاستقرار، وتزيد التضخم، وترفع الأسعار، وترهق الحكومات، وتقلق المواطنين، وتفتح أبوابًا كبيرة لمخاطر غير محسوبة.
 
الفائزون فى كل الحروب، دائما ما يكونون أطرافا غير مباشرة فى الحرب، ولا يحاربون، كشركات صناعات السلاح، وشركات إعادة الإعمار. 
 
الخاسر الأكبر فى الحروب، هو الإنسان العادى، المواطن الذى يفقد الأمن، الاقتصاد الذى ينهار، الأجيال التى تُحرم من فرص التنمية.
 
كلفة أى مواجهة عسكرية واسعة، تقدر بمئات المليارات من الدولارات، وقد تتجاوز التريليون فى حال امتدادها لفترة طويلة.
هذه الكلفة تشمل: العمليات العسكرية المباشرة، وتدمير البنية التحتية، وتعطّل التجارة العالمية، وارتفاع أسعار الطاقة، وتكاليف إعادة الإعمار.
 
فى رأيى المتواضع، لو تم توجيه هذه الكلفة الدولارية الكبيرة نحو التنمية فى الدول المتناحرة وغيرها بدلًا من الحروب، لتمكنت تلك الدول من تحقيق نتائج غير مسبوقة.
فبهذه المليارات المهدرة، يمكن إخراج مئات الملايين من البشر من الفقر، وبناء آلاف المستشفيات والمدارس، وتمويل مشاريع بنية تحتية فى عشرات الدول النامية، وتوفير فرص عمل لملايين الشباب.
 
لك أن تتخيل أن استثمار تريليون دولار فى التنمية، يمكن أن يخدم أكثر من مليار إنسان بشكل مباشر وغير مباشر، عبر تحسين التعليم، والرعاية الصحية، والبنية التحتية. كما يمكن بهذا المبلغ الكبير، أن تنهض عشرات الدول من دائرة الفقر إلى مسار النمو المستدام.
فى النهاية، معادلة المنتصر والمهزوم فى مثل هذه الحروب مضللة. فحين تُحتسب الخسائر البشرية والاقتصادية، يصبح الجميع خاسرًا بدرجات متفاوتة. أما النصر الحقيقى، فهو فى تجنب الحرب أصلًا، وتوجيه الموارد نحو بناء الإنسان، لا تدميره.
 
العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الحروب، بل إلى شجاعة سياسية، تعيد تعريف القوة: من قوة السلاح إلى قوة التنمية، ومن منطق الصراع إلى منطق الشراكة.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة