العالم يتنفس.. القيادة المصرية ساهمت في خلق توازن إقليمي وحافظت على "المشاركة الجماعية" في الترتيبات الأمنية المستقبلية
السبت، 11 أبريل 2026 07:01 م
الرئيس السيسى: سوف أستمرّ في بذل كل جهد صادق ومخلص يهدف إلى إنهاء الصراعات وإرساء السلام العادل والشامل في منطقتنا وفي العالم بأسره
قالتها مصر ولاتزال تقولها:
أمن الخليج خط أحمر.. وهدفنا منع الانزالاق إلى الفوضى الشاملة.. وأمن المنطقة مسئولية عربية
في واحدة من أخطر اللحظات التي مرت بها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، بدا المشهد وكأنه يتجه نحو مواجهة شاملة وأنفجار لا تُحمد عقباها، مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وسط تحذيرات دولية من اندلاع حرب إقليمية قد تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي بأسره.
لكن وسط هذه الأجواء المشحونة، برزت مصر كلاعب رئيسي نجح في إعادة توجيه بوصلة الأحداث، وفتح نافذة للتهدئة في توقيت بالغ الحساسية، مستندة إلى ثقلها السياسي وقدرتها على التواصل مع جميع الأطراف دون استثناء، حيث تحركت القاهرة بكل ثقلها كأحد أهم مسارات التهدئة السياسية والدبلوماسية الهادفة إلى منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران .
ومنذ اللحظات الأولى لتسارع الأحداث، دفعت القاهرة باتجاه خفض التصعيد، معتمدة على شبكة اتصالات واسعة وتحركات سياسية مكثفة، انطلاقًا من قناعة ثابتة بأن توسيع دائرة الصراع لن يهدد أمن الإقليم فقط، بل سيمتد أثره إلى الاقتصاد الدولي وحركة التجارة والطاقة والاستقرار العالمي، ولم يُبنَ التحرك المصري على رد فعل مؤقت، بل على رؤية سياسية تعتبر أن احتواء الأزمات قبل تفاقمها، هو السبيل الأنجح لحماية استقرار المنطقة، وبناء على توجيهات الرئيس السيسي، حشدت مصر كل قنواتها الدبلوماسية من أجل وقف التصعيد، مع التمسك بمبادئ السياسة الخارجية المصرية الواضحة، والتي تقوم على احترام سيادة الدول، والحفاظ على الدولة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتسوية النزاعات بالطرق السلمية، وإعطاء الأولوية للحوار على حساب منطق المواجهة العسكرية.
وأضفى هذا التحرك على الدور المصري طابعًا محوريًا، ليس فقط باعتباره ساعيًا للتهدئة، بل أيضًا باعتباره طرفًا قادرًا على التواصل مع مختلف الفاعلين الإقليميين والدوليين في لحظة شديدة الحساسية، ومن هنا، اكتسبت الاتصالات المصرية أهمية خاصة، بوصفها جهدًا مباشرًا لتقليص مساحة التوتر، ومنع انتقال الاشتباك السياسي والعسكري إلى مرحلة أكثر خطورة.
التحركات المصرية، جاءت بعدما استشعرت القيادة السياسية خطورة الموقف، وهوا ما اكد عليه الرئيس عبد الفتاح السيسى خلال حفل إفطار الأسرة المصرية خلال شهر رمضان، بقوله إن الأقليم على حافة الانفجار، ومن هنا تحركت القاهرة، التي كان موقفها أحد أكثر المواقف وضوحًا وثباتًا في دعم استقرار المنطقة وحماية أمنها، والقاهرة تؤكد أولاً، أن أمن دول الخليج ليس قضية بعيدة عنها، بل يمثل امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي وركيزة أساسية في معادلة الاستقرار العربي، ومع تسارع التطورات الإقليمية، ومن الطبيعى ان تتجه الأنظار إلى الدور المصري الذي يجمع بين الحزم في الدفاع عن أمن الأشقاء، والعمل الدبلوماسي الهادئ لاحتواء التوترات ومنع اتساع دائرة الصراع.
ومن يتابع مجريات التحركات المصرية سيجد أن القيادة المصرية، وضعت خطوطاً واضحة تسير عليها الدبلوماسية المصرية، منذ بداية الأزمة، بل وقبلها، فكما قال الرئيس السيىسى، فقد سعت مصر بكل قوة ومصداقية وبأمانة لتجنب هذا السيناريو السيىء، وكان الرئيس نفسه يرى أنها حال الاشتعال؛ ستمتد الى مناطق اخرى بالإقليم المثقل بالأزمات شديدة التعقيد.
ومن هنا تحركت القاهرة لتحقيق هدفين:
الأول: الوقف الفوري للإعتداءات الإيرانية المرفوضة والمدانة على دول الخليج والأردن والعراق، أيضاً أي دولة أخرى صديقة، خاصة أن هذه الدول لم تتورط في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وبالتالي فإن أي مسوغ تستخدمه طهران لتبرير هذه الاعتداءات هي مرفوضة وغير مقبولة.
الثانى: التوصل إلى وقف للحرب على إيران، والعودة مرة أخرى إلى طاولة المفاوضات، لان استمرار الوضع على حاله سيقودنا إلى تصعيد لا يعلم أحد مداه.
والأكيد هنا أن مصر ستواصل دورها وجهودها حتى تتوقف الإعتداءات على الدول الشقيقة أولاً، وتنتهي الحرب؛ لأن كل يوم يمر تزداد التكلفة ولا يستطيع احد ان يتحمل هذا الوضع لفترة طويلة.
ولم يكن الدور المصري في هذه الأزمة تقليديًا أو محدودًا، بل اتسم بالتحرك السريع والدقيق في آنٍ واحد، فمع تعطل قنوات الاتصال المباشر بين واشنطن وطهران، لعبت القاهرة دور "الوسيط النشط" الذي لم يكتفِ بنقل الرسائل، بل عمل على تقريب وجهات النظر، وطرح صيغ عملية لخفض التصعيد، وبحسب تقارير دولية، كانت مصر عنصرًا أساسيًا في التوصل إلى وقف إطلاق النار المؤقت، حيث نجحت في بناء جسور تواصل غير مباشرة بين الطرفين، بالتوازي مع تنسيق إقليمي ضم قوى مثل باكستان وتركيا.
هذا الدور لم يأتِ من فراغ، بل يعكس خبرة دبلوماسية متراكمة، ونهجًا ثابتًا في السياسة الخارجية المصرية يقوم على التوازن وعدم الانحياز، مع الحفاظ على قنوات مفتوحة مع جميع الأطراف، حتى في أوقات الأزمات الحادة.
ومع بداية التصعيد، طرحت القاهرة رؤية واضحة تقوم على ضرورة وجود "حضور إقليمي عربي" فاعل داخل معادلة الأزمة، لمنع انفراد أي طرف بقرارات قد تقود إلى الحرب. هذه الفكرة، التي بدت في الأول مجرد طرح دبلوماسي، لكنها تحولت تدريجيًا إلى ركيزة أساسية في إدارة الأزمة، حيث ساهمت في خلق توازن إقليمي، ومنحت الدول العربية مساحة للتأثير في مسار الأحداث، بدلًا من أن تكون مجرد متلقٍ لنتائج الصراع.
وانعكس ذلك في التأكيد المستمر على ضرورة مراعاة الأمن الجماعي لدول الخليج والأردن والعراق، ورفض أي ترتيبات أحادية لا تأخذ في الاعتبار مصالح هذه الدول.
والأربعاء الماضى، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي، أن إعلان التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، أثلج صدور الملايين من محبي السلام في سائر بقاع الأرض، وقال في تدوينة على صفحته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي-: "تابعت في الساعات الأولى من صباح اليوم -الأربعاء الماضى- إعلان التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهو خبر بلا شك أثلج صدور الملايين من محبي السلام في سائر بقاع الأرض، وأدعو الله - عز وجل - أن يُكلل ذلك التطور الإيجابي باتفاق دائم لوقف الحرب في المنطقة، واستعادة الأمن والاستقرار فيها، وتحقيق ما تتطلع إليه شعوبها من تنمية وتقدم وازدهار".
وأضاف الرئيس السيسى: "أجدد التأكيد على دعم مصر الكامل وغير المشروط لدول مجلس التعاون الخليجي والأردن والعراق الشقيقة في هذه الظروف الدقيقة، وأهمية أن يراعي أي اتفاق قادم الشواغل والمتطلبات الأمنية المشروعة لها"، وثمن الرئيس السيسي قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الإصغاء إلى صوت العقل وإعلاء قيم الإنسانية والسلام، داعيًا كافة الأطراف للانخراط بجدية في المباحثات، وصولا للسلام الدائم والتعايش السلمي بين شعوب المنطقة والعالم.
واختتم الرئيس السيسي تدوينته قائلًا: "ستظل مصر - قيادة وحكومة وشعبا - داعمة لأمن واستقرار ورخاء أشقائنا في دول الخليج والعراق والأردن، وسوف أستمرّ في بذل كل جهد صادق ومخلص يهدف إلى إنهاء الصراعات وإرساء السلام العادل والشامل في منطقتنا وفي العالم بأسره".
وفى بيان صدر عن وزارة الخارجية، رحبت مصر بإعلان ترامب، الموافقة على تعليق العمليات العسكرية فى المنطقة لمدة أسبوعين، حيث تعد هذه الخطوة الأمريكية بمثابة تطور ايجابى هام نحو تحقيق التهدئة المنشودة واحتواء التصعيد والحفاظ علي أمن واستقرار ومقدرات شعوب المنطقة والعالم بأسره، وأكدت مصر، أن تعليق العمليات العسكرية من جانب الولايات المتحدة وتجاوب الجانب الإيرانى إنما يمثل فرصة بالغة الأهمية يجب اغتنامها لإفساح المجال للمفاوضات والدبلوماسية والحوار البناء، وهو ما لطالما نادت به مصر، لحل المنازعات بالطرق السلمية وعدم اللجوء للقوة، وبما يسهم فى خفض التصعيد وانهاء الحرب وتحقيق الامن والاستقرار الإقليميين والدوليين ويجنب شعوب المنطقة والعالم مزيدا من المعاناة.
وشددت مصر على أهمية البناء على هذه الخطوة من خلال الالتزام الكامل بوقف العمليات العسكرية واحترام حرية الملاحة الدولية، وجددت دعمها لكافة المبادرات التى تستهدف تحقيق السلام والامن، وأكدت مواصلة جهودها الحثيثة مع باكستان وتركيا فى العمل مع الشركاء الإقليميين والدوليين لتعزيز الامن والاستقرار فى المنطقة.
كما شددت مصر على الأهمية البالغة لاحترام سيادة ووحدة وسلامة أراضى دول مجلس التعاون الخليجى والأردن الشقيقة، والرفض الكامل لاى اعتداءات عليها او المساس بسيادتها، خاصة وان امنها واستقراراها يرتبط بشكل وثيق بأمن واستقرار مصر، وان اى ترتيبات يتم الاتفاق عليها فى المفاوضات القادمة يتعين ان تراعى الشواغل الأمنية المشروعة للدول الخليجية الشقيقة.
ورغم أهمية وقف إطلاق النار، فإن القاهرة تدرك أن الهدنة المؤقتة لا تعني نهاية الأزمة. ولذلك، ركزت التحركات المصرية على ضرورة استكمال المفاوضات، وتحويل التهدئة إلى مسار سياسي دائم، وهنا جاءت الاتصالات التي أجراها الرئيس عبد الفتاح السيسى، خلال الأيام الماضية، مع قادة وزعماء العالم، وسبقتها جولته الخليجية التي شملت "قطر والإمارات والبحرين والسعودية"، والتي ركزت على الإدانة القاطعة للاعتداءات على الدول العربية الشقيقة، ورفض أي مساس بسيادتها واستقرارها ومقدرات شعوبها، مجدداً تأكيد موقف مصر الثابت في دعم تلك الدول العربية الشقيقة، ومشدداً على ضرورة تضافر الجهود الدولية والإقليمية تحقيقاً لهذا الهدف، وتجنيب دول وشعوب المنطقة تبعات عدم الاستقرار واضطراب أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.
وكلف الرئيس السيسى، الدكتور بدر عبد العاطى، وزير الخارجية، بتكثيف الاتصالات مع الإطراف المعنية، بهدف التوصل إلى تهدئة، ومن ينظر إلى التحركات المصرية، خلال الـ48 السابقة للإعلان عن التوصل إلى الاتفاق الأمريكي الإيراني، سيجد كيف تحركت الدبلوماسية المصرية، ضمن التكليفات الرئاسية، ونجحت في تحقيق الهدف.
فقد شهدت هذه الساعات اتصالات المكثفة التي أجراها بدر عبد العاطي مع المسؤولين الدوليين، للتأكيد على أهمية البناء على ما تحقق، وعدم الاكتفاء بالحلول المؤقتة، فالتحدي الحقيقي، من وجهة النظر المصرية، لا يكمن فقط في وقف إطلاق النار، بل في ضمان عدم عودة التصعيد، من خلال اتفاق شامل يعالج جذور الأزمة، ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار.
الدكتور بدر عبد العاطي، في اتصالاته، كان هدفه نقل الرؤية المصرية، نحو خفض التصعيد العسكري بالمنطقة، وشملت الاتصالات ستيف ويتكوف المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط، والأمير فيصل بن فرحان وزير خارجية السعودية، والشيخ عبد الله بن زايد نائب رئيس الوزراء ووزير خارجية الإمارات، والشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية بدولة قطر، والشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية الكويت، والدكتور عبد اللطيف بن راشد الزياني وزير خارجية البحرين، هاكان فيدان وزير خارجية تركيا، محمد إسحاق دار نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان، عباس عراقجي وزير خارجية إيران، رفائيل جروسى المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، خوسيه مانويل ألباريس وزير خارجية إسبانيا، يوهان فاديفول وزير خارجية ألمانيا، وأنيتا أناند وزيرة خارجية كندا.
الاتصالات تناولت آخر مستجدات الأوضاع الخطيرة في المنطقة، حيث تم تبادل الرؤى والمقترحات حول سبل خفض التصعيد العسكري في المنطقة في ظل المنعطف الدقيق الذى يشهده الإقليم، حيث أكد عبد العاطي ضرورة تغليب الحكمة لنزع فتيل التوتر وتجنب مزيد من التصعيد والتدمير، مشددا على أهمية ترجيح لغة الحوار والدبلوماسية بما يحافظ على أمن واستقرار المنطقة ويحقق المصلحة العامة، خاصة وأن التصعيد الحالي ينبئ بالانزلاق إلى انفجار غير مسبوق في المنطقة، فضلا عن التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية الوخيمة لاستمرار التصعيد الراهن، وشدد عبد العاطى على رفض مصر القاطع لاستهداف المنشآت المدنية والبنى التحتية والتي تؤدى إلى تدمير مقدرات الشعوب، مجدداً إدانة مصر الكاملة لكافة الهجمات التي طالت دول الخليج والأردن والعراق الشقيقة، مشدداً على رفض مصر المساس بأمن وسيادة الدول العربية الشقيقة، وضرورة وقف كافة تلك الاعتداءات بشكل فوري والتي تمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة الدول العربية وخرقاً واضحاً لمبادئ وقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
والثلاثاء الماضى، عاد عبد العاطى وأجرى اتصالات هاتفية مع فؤاد حسين نائب رئيس مجلس الوزراء وزير خارجية العراق، محمد إسحاق دار نائب رئيس الوزراء ووزير خارجية باكستان، ستيف ويتكوف، وجان أرنو المبعوث الشخصي للسكرتير العام للأمم المتحدة للشرق الأوسط، تناولت تقييما للأوضاع المتسارعة والجهود المبذولة للتوصل إلى تفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران لتحقيق التهدئة، وخفض التصعيد، فى ظل خطورة المرحلة والمنعطف الدقيق الذي يشهده الإقليم، حيث أعاد عبد العاطى التشديد على ضرورة تغليب الحكمة لنزع فتيل التوتر وتجنب سيناريو كارثى لن يكون اى طرف بمنأى عن تداعياته، مؤكدا أهمية ترجيح الحوار والدبلوماسية للتوصل إلى حل توافقى يحقق التهدئة ويجنب المنطقة تداعيات واسعة النطاق.
وتناولت الاتصالات التداعيات الوخيمة للحرب على حرية الملاحة، وسلاسل الإمداد، والامن الغذائي وحركة التجارة الدولية، فضلاً عن أمن الطاقة في ضوء ارتفاع أسعار الطاقة والنفط، وتم التأكيد خلال الاتصالات على أهمية تكثيف الجهود لإنهاء الحرب لاحتواء التداعيات الواسعة لها وتجنب مزيد من عدم الاستقرار وانعدام الامن.
وبعد الإعلان عن الهدنة، أجرى عبد العاطى، اتصال هاتفي مع المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط "ستيف ويتكوف"، أعرب خلاله عن التقدير البالغ للخطوة الأمريكية الهامة لإعطاء الدبلوماسية الفرصة والعمل علي بدء عملية جدية للتفاوض بين الجانبين الأمريكي والإيراني لحل كافة المشكلات العالقة بما يحقق الامن والاستقرار الإقليميين والدوليين ويضمن حرية الملاحة الدولية.
واثني ستيف ويتكوف على الجهود المصرية الصادقة مع باكستان والشركاء الإقليميين لدفع الجهود للتوصل لوقف إطلاق النار وبدء عملية التفاوض.
الدور المصري لم يمر مرور الكرام، بل حظي بإشادة واسعة من أطراف دولية وإقليمية، أكدت أن القاهرة كانت عنصرًا حاسمًا في احتواء الأزمة، وهذا التقدير يعكس مكانة مصر كوسيط موثوق، قادر على إدارة الملفات المعقدة، والتعامل مع أطراف متعارضة، دون أن يفقد مصداقيته أو توازنه، كما يعكس نجاح نموذج الدبلوماسية المصرية، الذي يجمع بين التحرك السياسي، والتنسيق الأمني، والرؤية الاستراتيجية طويلة المدى.
وكان لافتاً أن أحد أهم مخرجات الأزمة، تمثل في إعادة التأكيد على مبدأ "المشاركة الجماعية" في الترتيبات الأمنية بالمنطقة، ورفض الانفراد بالقرارات المصيرية، وهذا التوجه يعكس إدراكًا متزايدًا بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يُدار بشكل أحادي، بل يتطلب تنسيقًا جماعيًا يراعي مصالح جميع الأطراف.
ولعبت مصر دورًا محوريًا في ترسيخ هذا المفهوم، من خلال التأكيد على ضرورة إشراك الدول العربية في أي ترتيبات مستقبلية، وضمان عدم تهميش دورها في معادلة الأمن الإقليمي.
رغم كل المؤشرات الإيجابية، يبقى السؤال الأهم: هل تصمد هذه التهدئة؟
الإجابة، وفقًا للمعطيات الحالية، تعتمد على مدى التزام الأطراف باستكمال المفاوضات، وتحويل الهدنة إلى اتفاق دائم. وهنا، تبرز مجددًا أهمية الدور المصري، كضامن لاستمرار الحوار، وكطرف قادر على احتواء أي توترات قد تعيد الأزمة إلى نقطة الصفر، فالقاهرة لا تنظر إلى ما حدث باعتباره نهاية الأزمة، بل بداية لمسار طويل يتطلب صبرًا وجهدًا دبلوماسيًا مستمرًا.
وما جرى في هذه الأزمة لم يكن مجرد نجاح دبلوماسي عابر، بل تأكيد جديد على قدرة مصر على لعب أدوار محورية في لحظات التحول الكبرى، فمن منع التصعيد، إلى فتح قنوات الحوار، إلى دعم الاستقرار الاقتصادي، نجحت القاهرة في إعادة رسم قواعد اللعبة، وفرض منطق التهدئة بدلًا من منطق المواجهة.
وفي عالم يزداد تعقيدًا، تبقى مثل هذه الأدوار ضرورة لا غنى عنها، ليس فقط لحماية المنطقة، بل للحفاظ على استقرار النظام الدولي بأسره.
ورغم اختلاف الملفات المشتعلة داخل الإقليم، فإن الرسالة المصرية في كل الاتجاهات كانت واحدة، لا بد من وقف دوامة التوتر قبل أن تتجاوز قدرة الجميع على الاحتواء، حيث كانت الرؤية المصرية منذ البداية، أن التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران جزءًا من مشهد إقليمي شديد الهشاشة، وأن أي انفجار جديد فيه ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن الممرات البحرية، واستقرار أسواق الطاقة، وتوازنات الأمن الإقليمي، ولذلك جاء التحرك المصري متسقًا مع هدف أكبر يتمثل في تحصين المنطقة من السيناريو الأسوأ، لا انتظار وقوعه، ثم محاولة التعامل مع نتائجه.
وكانت واحدة من أبرز الرسائل التي حملتها التحركات المصرية، تمثلت في الربط المباشر بين التصعيد العسكري، وبين الكلفة الاقتصادية الباهظة التي يمكن أن تدفعها المنطقة والعالم، فقد حذر وزير الخارجية من التداعيات الاقتصادية الوخيمة لاستمرار الحرب، مشيرًا إلى تأثيراتها على الاقتصاد المصري والعالمي، وعلى حركة الملاحة الدولية، وسلاسل الإمداد، وأسعار النفط والغذاء، فضلًا عن الضغوط التضخمية التي قد تتسع كلما طال أمد الأزمة، ومن هنا أكدت الاتصالات المصرية أهمية ضمان سلامة الملاحة البحرية، محذرة من أن أي اضطراب في الممرات البحرية الحيوية، ستكون له انعكاسات فورية على التجارة الإقليمية والدولية.
والحقيقة أنه ولم يكن هذا التحذير منفصلًا عن الواقع الاقتصادي القائم، بل جاء متسقًا مع تقديرات دولية تشير إلى أن الصراعات المتواصلة في الشرق الأوسط، تُبقي آفاق النمو في المنطقة محاطة بدرجة عالية من عدم اليقين، وتؤثر سلبًا على التنمية والاستثمار والاستقرار الاقتصادي طويل المدى، فقد أوضح البنك الدولي في تحديثه الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن نمو المنطقة بلغ 1.9% في عام 2024، مع توقع ارتفاعه إلى 2.6% في 2025، لكنه أكد أيضًا أن التوقعات تظل شديدة الهشاشة بسبب استمرار الصراعات، وأن آثار النزاعات لا تتوقف عند حدود اللحظة الراهنة، بل تمتد طويلًا لتعرقل مسارات التعافي والتنمية، وفي ضوء ذلك، يصبح خفض التصعيد هدفًا اقتصاديًا بقدر ما هو سياسي وأمني.