توقفت الحرب ولكن!.. لوبى السلاح حقق مكاسب تريليونية.. ونتانياهو أبرز الرابحين بخلط الأوراق وإطالة أمد حكومته المتطرفة

السبت، 11 أبريل 2026 09:00 م
توقفت الحرب ولكن!.. لوبى السلاح حقق مكاسب تريليونية.. ونتانياهو أبرز الرابحين بخلط الأوراق وإطالة أمد حكومته المتطرفة
محمد الشرقاوي

 

واشنطن وطهران كلاهما خاسر.. والشرق الأوسط دخل مرحلة توزيع جديد للخطر.. والاقتصاد العالمى يعانى هشاشة

 

لم تستمر الحرب الإيرانية طويلًا بالمعايير الزمنية للصراعات الكبرى، لكنها كانت كافية لتكشف حجم التحولات التي يشهدها الإقليم، وحدود القوة في النظام الدولي، فمنذ اندلاع التصعيد في 28 فبراير، بدا أن المنطقة تقف على حافة مواجهة واسعة قد تعيد رسم خرائط النفوذ، قبل أن يأتي إعلان وقف إطلاق النار في 8 أبريل 2026 ليضع حدًا مؤقتًا للعمليات العسكرية، دون أن يقدّم إجابة واضحة للسؤال الأهم: ماذا تغيّر فعلًا؟

ولم تُنتج الحرب، التي تداخلت فيها الحسابات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والتوازنات السياسية، منتصرًا صريحًا أو مهزومًا كاملًا، بل أفرزت واقعًا أكثر تعقيدًا، تتحرك فيه القوى على قاعدة إدارة الصراع لا حسمه؛ فالتصعيد كشف حدود الردع، واختبر كفاءة السلاح، وعرّى هشاشة التحالفات، وفي الوقت نفسه دفع الأسواق العالمية إلى إعادة تسعير المخاطر خلال ساعات، بمجرد التلويح بإغلاق أو فتح.

ومن هنا، نحاول تفكيك مخرجات الحرب عبر سؤالين مركزيين: من هم الرابحون؟ ومن هم الخاسرون؟ ليس وفق منطق النصر والهزيمة التقليدي، بل وفق منطق توزيع المكاسب والخسائر داخل نظام دولي عاجز عن إنتاج حسم نهائي.

حرب بلا حسم تنتهي بوقف إطلاق نار

لا يمكن قراءة الحرب الإيرانية باعتبارها مواجهة انتهت، بل باعتبارها صراعًا تم تجميده عند نقطة توازن مؤقتة؛ فالتوقف المفاجئ للعمليات العسكرية لا يعكس بالضرورة انتصار طرف على آخر، بقدر ما يكشف حدود القدرة على الاستمرار في التصعيد، سواء لأسباب عسكرية أو اقتصادية أو سياسية.

وخلافًا للحروب التقليدية التي تنتهي بحسم واضح أو اتفاق سلام شامل، جاءت نهاية هذه المواجهة أقرب إلى "تعليق للصراع" لا إنهائه، فلم تسقط إيران، ولم تُفرض تسوية نهائية، كما لم تنجح الضغوط العسكرية في إنتاج تغيير جذري في موازين القوة، وبدلًا من ذلك، وصلت كافة الأطراف إلى لحظة إدراك مشتركة، بأن كلفة الاستمرار أصبحت أعلى من مكاسب التصعيد.

ويعكس هذا النمط من الحروب، الذي يبدأ بالتصعيد وينتهي بالتجميد، تحوّلًا مهمًا في طبيعة الصراع الدولي، فالقوى الفاعلة لم تعد تسعى بالضرورة إلى الحسم الكامل، بل إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب ضمن سقف تصعيد محسوب، ثم التوقف عند اللحظة التي يهدد فيها استمرار القتال بانفلات غير محسوب، وبالتالي يصبح وقف إطلاق النار ضرورة نتيجةً للخوف من تجاوز نقطة اللاعودة.

وفي هذا السياق، يمكن فهم سلوك القيادة الأمريكية، خاصة في ظل حسابات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي بدت حريصة على استخدام التصعيد كأداة ضغط دون الانخراط في حرب مفتوحة طويلة، كذلك حسابات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اتجهت نحو استثمار الضغط العسكري دون دفع الأمور نحو مواجهة شاملة قد تخرج عن السيطرة.

وهو الأمر الذي انطبق على إيران، التي تعاملت مع التصعيد باعتباره معركة استنزاف أكثر منه حرب بقاء، ما سمح لها بامتصاص الضربات دون الانزلاق إلى ردود قد تفتح جبهات أوسع، وبهذا المعنى، فإن وقف إطلاق النار لم يكن تعبيرًا عن توازن قوة تقليدي، بل عن توازن خوف متبادل، حيث يدرك كل طرف حدود ما يمكنه تحمله.

ومن زاوية أوسع، يكشف هذا التجميد عن دور العوامل الاقتصادية والاستراتيجية، وعلى رأسها حساسية الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، التي جعلت استمرار الحرب تهديدًا يتجاوز أطرافها المباشرة إلى الاقتصاد العالمي بأكمله؛ وهنا لم يعد القرار بوقف القتال عسكريًا فقط، بل اقتصاديًا ودوليًا في المقام الأول.

وبالتالي لا يمكن اعتبار وقف إطلاق النار نهاية للصراع، بل انتقالًا به من مرحلة المواجهة المباشرة إلى مرحلة إدارة التوتر؛ فالجذور التي فجّرت الحرب لا تزال قائمة، والتوازن الذي أوقفها يظل هشًا وقابلًا للانهيار في أي لحظة؛ لذلك، فإن السؤال لم يعد: من انتصر؟ بل: من نجح في الوصول إلى لحظة التوقف بأقل الخسائر؟

هذه النقطة تحديدًا هي ما يمهّد للانتقال إلى تحليل الرابحين والخاسرين، ليس باعتبارهم أطرافًا خرجت منتصرة أو مهزومة، بل باعتبارهم فاعلين نجحوا - بدرجات متفاوتة - في توظيف لحظة التجميد لصالحهم، أو اضطروا لدفع كلفة أكبر للوصول إليها.

اختبار حيّ للسلاح وإعادة إنتاج القوة

لم يوقف قرار وقف إطلاق النار النتائج الأعمق التي أفرزتها الحرب الأمريكية / الإسرائيلية على إيران، وهي تلك التي لا تُقاس بعدد الضربات أو حجم الدمار، بل بقدرة الأطراف المختلفة على اختبار أدواتها القتالية والسياسية في بيئة حقيقية.

ولم تكن هذه الحرب في جوهرها مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى مختبر مفتوح لاختبار السلاح، وقياس كلفة استخدامه، وتقييم فعاليته، وفي الوقت نفسه إعادة تشكيل التوازنات السياسية الداخلية والخارجية، ومن هنا، فإن "الرابح" في هذا السياق ليس من انتصر ميدانيًا، بل من خرج من الحرب ومعه معرفة أعمق، وقدرة أكبر على التوظيف، وهامش أوسع للمناورة.

وعلى المستوى العسكري، كشفت الحرب عن تحول نوعي في طبيعة الاشتباك، حيث لم تعد القوة تُقاس فقط بقدرة السلاح على التدمير، بل بقدرته على الاستمرار تحت الضغط وتكلفة تشغيله، فخلال التصعيد، أطلقت إيران أكثر من 1,000 طائرة مسيّرة، مع تقديرات لقدرتها الإنتاجية تصل إلى نحو 10,000 شهريًا، وهو ما يعكس انتقالًا واضحًا نحو نمط "الإغراق الكمي" منخفض الكلفة.

وفي المقابل، واجهت منظومات الدفاع الجوي التقليدية تحديًا كبيرًا، إذ قد تصل تكلفة صاروخ اعتراض واحد من طراز باتريوت إلى نحو 4 ملايين دولار، في حين لا يتجاوز سعر بعض المسيّرات الاعتراضية البديلة، مثل طائرة "تيرا A1" نحو 2,526  دولارًا فقط، وهذه الفجوة السعرية الضخمة، التي تتجاوز أحيانًا ألف ضعف، لا تعكس مجرد فرق في التكنولوجيا، بل تكشف عن خلل هيكلي في معادلة الهجوم والدفاع، حيث يصبح الدفاع أكثر كلفة من الهجوم، وهو ما يفرض إعادة نظر شاملة في بنية التسليح نفسها.

وهنا يتجلى أحد أهم أوجه الربح: فالحرب لم تثبت فقط فعالية بعض الأنظمة، بل كشفت أيضًا حدودها، فالدفاعات الجوية، رغم قدرتها على الاعتراض، أظهرت هشاشتها أمام هجمات متكررة ومنخفضة الكلفة، ما دفع دولًا في الخليج إلى دراسة بدائل أرخص وأكثر قابلية للاستدامة.

هذه النتيجة وحدها كفيلة بفتح دورة جديدة من الإنفاق العسكري، ليس بهدف التوسع فقط، بل بهدف تصحيح الاختلالات التي كشفتها الحرب، وبذلك، تتحول المواجهة إلى محفّز لإعادة تشكيل سوق السلاح عالميًا، حيث لا تُتخذ قرارات الشراء بناءً على العروض النظرية، بل على الأداء الفعلي في ساحة القتال.

وبالتوازي مع هذا البعد العسكري، تكشف الحرب عن نمط آخر من الربح لا يقل أهمية، وهو الربح السياسي، حيث تتحول المواجهات المحدودة إلى أداة لإعادة إنتاج الشرعية الداخلية.

في هذا السياق، يبرز دور رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي استطاع توظيف ديناميكيات الصراع في إطار "إدارة التهديد" لا حسمه، فدعم إسرائيل لوقف إطلاق النار مع إيران، مع الإبقاء على جبهة لبنان خارج هذا الترتيب، يعكس رغبة واضحة في الحفاظ على مستوى معين من التصعيد المُدار، يسمح باستمرار حالة التعبئة دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

وفي هذا الإطار، يتحول الربح السياسي إلى قدرة على إطالة أمد البقاء في السلطة عبر إدارة الصراع، حيث يصبح استمرار التوتر - وليس إنهاؤه -عنصرًا من عناصر الاستقرار السياسي الداخلي.

ومن زاوية أوسع، تمتد دلالات الربح إلى الاقتصاد العالمي نفسه، حيث لعب مضيق هرمز دورًا مركزيًا في تحويل الحرب إلى عامل ضغط عالمي،   فالمضيق، الذي يمر عبره نحو 20 % من تجارة النفط والغاز العالمية، أثبت أنه ليس مجرد ممر ملاحي، بل أداة قادرة على تحريك الأسواق الدولية في ساعات.

وعليه، فإن الرابح في هذه الحرب ليس طرفًا واحدًا، بل منظومة كاملة استفادت من تحويل الصراع إلى فرصة للاختبار والتقييم وإعادة التموضع، فالسلاح تم اختباره، والعقائد العسكرية أُعيد النظر فيها، والأسواق أعادت تسعير المخاطر، والقيادات السياسية أعادت ترتيب أوراقها، وبذلك، فإن الحرب - حتى وهي تتوقف - تترك خلفها رصيدًا من المعرفة والقوة يتجاوز حدود الميدان.

حين تتحول الحرب إلى فاتورة مفتوحة

يأتي على رأس قائمة الخاسرين "إيران"، ليس لأنها تلقت ضغوطًا عسكرية فقط، بل لأنها دفعت ثمنًا مركبًا في أكثر من مستوى، فبحسب  تقارير تجاوز عدد القتلى داخل إيران 1,900 شخص، في حربٍ أوسع قالت رويترز  إنها تجاوزت 5,000 قتيل خلال ستة أسابيع من التصعيد.

ولا تعني هذه الأرقام مجرد خسائر بشرية، بل تكشف أن طهران دخلت في استنزاف طويل لم تستطع أن تحوّله إلى مكسب حاسم، رغم أنها حاولت توظيف قوتها الصاروخية ومسيّراتها كورقة ردع، وعلى المستوى الإقليمي، لم تنجح إيران في توسيع دائرة قبولها داخل الخليج، بل على العكس، أعادت الحرب تثبيت الشكوك القديمة حول سلوكها في الممرات البحرية وأمن الطاقة.

وتتجلى خسارة إيران بوضوح أكبر في توجيه ضرباتها إلى دول الخليج، مما فتح الباب أمامها عزلة أشدّ داخل المحيط الخليجي.

الخاسر الثاني هو الولايات المتحدة، أو بالأدق صورة القوة الأمريكية في عهد ترامب بوصفه رجل "الحسم السريع"، فترامب أعلن قبل التهدئة أنه سيحسم الموقف إذا بقي المضيق مغلقًا، ثم انتهى الأمر إلى وقف إطلاق نار مؤقت لمدة أسبوعين، والحديث عن مفاوضات لاحقة في إسلام آباد.

ويرسل هذا الانتقال من سقف تهديد مرتفع إلى صيغة تهدئة هشة رسالة معاكسة تمامًا لما أراد البيت الأبيض إظهاره: أن الولايات المتحدة لا تستطيع دائمًا تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة نهائية، وهو ما وصفته تقارير بأنه انعكاس لـ "تراجع" في التهديد، فقد وصف ترامب الترتيب بأنه نجاح كامل، في حين بقيت جذور الأزمة بلا حل، والمعنى هنا أن واشنطن خرجت من الحرب لا كقوة حاسمة، بل كقوة اضطرت إلى إدارة المخاطر وتخفيض سقف الطموح العسكري.

وتتوسع هذه الخسارة الأمريكية حين ننتقل إلى الناتو، فبدلاً من أن يظهر الحلف الغربي ككتلة متماسكة قادرة على التعامل مع أزمة تهدد أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، كشفت الحرب عن تباينات في الموقف الأوروبي، وعن تردد في الانخراط العسكري المباشر في الخليج.

أما منطقة الشرق الأوسط فهي الخاسر البنيوي الأكبر، لأن الحرب أعادت تدوير الحلقة نفسها: تصعيد، ثم تهدئة مؤقتة، ثم قلق، ثم استعداد لجولة أخرى، وهذا يعني أن المنطقة لم تدخل مرحلة سلام، بل دخلت مرحلة توزيع جديد للخطر؛ أي أن التهدئة في جبهة لا تعني هدوء الإقليم، بل قد تعني فقط انتقال اللهيب إلى ساحة أخرى.

وبدوره، خرج الاقتصاد العالمي خاسرًا من هذه الحرب، ليس لأن المؤشرات انهارت، بل لأن طريقة تفاعلها كشفت عن هشاشة عميقة في بنية السوق العالمي.

ومن هنا، فإن الخسارة الأعمق ليست خسارة طرف واحد، بل خسارة فكرة السيطرة على الصراع، فالحرب أظهرت أن إيران لا تستطيع تحويل الضغط إلى نفوذ مستقر، وأن الولايات المتحدة لا تستطيع دومًا تحويل التهديد إلى حسم، وأن الناتو لا يتحرك بصلابة كتلة واحدة، وأن المنطقة لا تملك ترف الخروج من دوامة الاستنزاف، وأن الاقتصاد العالمي ما زال هشًا أمام أي هزة في هرمز.

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق