الدكتور عمار الدويك المدير العام للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان بفلسطين لـ"صوت الأمة": إسرائيل تستغل الحرب في إيران لتصعيد الإرهاب في الضفة وغزة.. ولم ولن تتخلى عن مخطط التهجير
السبت، 11 أبريل 2026 09:00 م
نحيي الدور المصري في جمع الصف الفلسطيني.. وسلاح الفصائل يجب التوافق عليه وطنياً ضمن عملية سياسية أشمل
الاحتلال يعدم الفلسطينيين خارج إطار القانون داخل السجون وخارجها بشكل روتيني.. ويعطل إجراءات إعادة الإعمار أو الإنعاش
بينما تتجه أنظار العالم وتتركز التغطيات الإعلامية نحو التوترات المتصاعدة في إيران ومنطقة الخليج، يبرز تساؤل جوهري حول المستفيد من هذا التغير في الاهتمام الدولي. في الأراضي الفلسطينية، يبدو أن الاحتلال الإسرائيلي وجد في هذا الانشغال غطاءً لتمرير مخططات ميدانية وقانونية بالغة الخطورة، بدءاً من تصعيد إرهاب المستوطنين في الضفة، وصولاً إلى محاولات شرعنة إعدام الأسرى وتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى والتصعيد في قطاع غزة.
"صوت الأمة" أجرت حوارا مع الدكتور عمار الدويك، مدير الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان بفلسطين لنناقش معه هذه الملفات الشائكة، ومستقبل التوافق الوطني الفلسطيني وتداعيات الانتهاكات الإسرائيلية في ظل الكارثة الإنسانية المفتوحة في قطاع غزة.. وإلى نص الحوار.
يرى الكثير أن الاحتلال الإسرائيلي يعيش حالة من الاستفراد بالساحة الفلسطينية نتيجة انشغال المجتمع الدولي بملفات إقليمية أخرى، وتحديداً ما يجري في إيران والتأثر العالمي بتداعيات الحرب الدائرة على الاقتصاد الدولي.. كيف تقرؤون هذا الاستغلال الإسرائيلي الميداني؟
بالتأكيد إن انشغال العالم والإعلام والجميع بما يجري في الخليج والحرب الدائرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى يعطي فرصة ومساحة للاحتلال لارتكاب مزيد من الجرائم، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، وفي الضفة نشهد تصاعداً كبيراً في إرهاب المستوطنين والاعتداءات المتكررة على التجمعات الفلسطينية، وأيضاً نشهد إغلاقاً تاماً للمسجد الأقصى ومنع المصلين المسلمين من الوصول إليه، وهذا مستمر من بداية شهر رمضان وحتى الآن.
وفي قطاع غزة، نشهد تضييقاً أكبر على دخول المساعدات ومنع دخولها بالكميات اللازمة، إضافة إلى عمليات قتل واقتحامات يقوم بها الاحتلال بشكل روتيني، مستغلاً انشغال العالم بما يجري في المنطقة، وهذا سلوك غير جديد على الاحتلال؛ فهو دائماً يستغل أي فرصة لخلق وقائع جديدة على الأرض سواء في الضفة الغربية أو القطاع.
كيف تقرأ دلالات استئناف محادثات الفصائل الفلسطينية في القاهرة لاستكمال جهود وقف إطلاق النار في غزة؟ وهل تعكس هذه الخطوة تحولا حقيقيا نحو تثبيت وقف إطلاق النار؟
موضوع استئناف محادثات الفصائل للبحث في تثبيت وقف إطلاق النار، طبعاً نثمنها، ونحن أي محادثات فلسطينية-فلسطينية دائماً ننظر إليها بإيجابية، ونؤكد على ضرورة وجود حوار فلسطيني-فلسطيني دائم، وفي هذا السياق، نحيي الدور المصري الذي يلعب دوراً أساسياً جداً ومحورياً في تقريب وجهات النظر ومحاولة جمع الصف الفلسطيني المنقسم لمواجهة التحديات الكبرى التي تواجهها القضية الفلسطينية.
ونأمل أن يتوافق الفلسطينيون دائماً على ما هو خير للشعب الفلسطيني لمواجهة المخططات الإسرائيلية، ليكون لدينا تمثيل موحد وكلمة واحدة، لكن للأسف، المشكلة ليست بالجانب الفلسطيني حتى برغم الانقسام، المشكلة هي بالجانب الإسرائيلي الذي لديه مخططات تتعلق بخلق وقائع جديدة على الأرض؛ فقد ضم مساحات كبيرة من قطاع غزة تحت حجة ما يسمى "المنطقة العازلة"، والآن تقريباً حوالي 60% من قطاع غزة تحت سيطرة الاحتلال الكامل فيما يسمى "المنطقة الصفراء".
وبعيدا عن الالتزام بالاتفاق حول غزة من عدمه، الاحتلال يسعى عملياً للسيطرة على القطاع وحصار 2 مليون فلسطيني في مساحة لا تتجاوز 40-45% من مساحته، وهذا مخطط بعيد الأمد هدفه طرد الفلسطينيين وعدم السماح بوجود فلسطيني ديمغرافي داخل فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر، لتعزيز الأغلبية العددية اليهودية.
يربط الاحتلال أحياناً بين انسحابه من غزة وقضية نزع سلاح حركة حماس.. كيف تنظر إلى هذا الطرح من منظور التجارب الدولية والواقع الميداني؟
الاحتلال سيسعى دائماً لتحقيق مخططاته ويناور مع المجتمع الدولي والإقليم، لكنه مستمر في نهجه، أما موضوع ربط الانسحاب من قطاع غزة بنزع سلاح حركة حماس، فأعتقد أن موضوع السلاح هو موضوع يستخدمه الاحتلال لإطالة حالة المعاناة في القطاع وتبرير الإجرام الذي يقوم به، وتبرير استمرار سيطرته على مساحات واسعة، حتى الإسرائيليون أنفسهم لديهم تناقض؛ يقولون إنهم قضوا على القدرة العسكرية لحماس، وفي المقابل يقولون إنها ما زالت تشكل خطراً عليهم ليبرروا استمرار الاحتلال.
أنا أعتقد أن كل ما يتعلق بسلاح الفصائل، فهو موضوع يجب التوافق عليه وطنياً وفلسطينياً حول ما هو أفضل للقضية، ثانياً، تجارب نزع السلاح دولياً كانت دائماً تأتي في إطار عملية سياسية أشمل وأوسع؛ ففي إيرلندا الشمالية مثلاً، عندما سلم الجيش الإيرلندي سلاحه كان ذلك في إطار عملية سلام وأفق سياسي، بينما الآن يُطلب من حماس تسليم سلاحها دون أي أفق سياسي لإنهاء الاحتلال، وهذا يعقد المشهد، لذا يجب المناقشة والتوافق عليه فلسطينياً.
ننتقل إلى ملف الأسرى الفلسطينيين حيث يتم الحديث الآن عن شرعنة إسرائيل لعقوبة إعدامهم.. ما هي فرص تطبيق هذا القانون، وكيف سيؤثر على واقع الأسرى الذين يتعرضون أصلاً لقتل ممنهج؟
في موضوع إعدام الأسرى، لا شك أن هذه الخطوة تصعيدية جديدة، الاحتلال طبعاً يعدم الفلسطينيين خارج إطار القانون، سواء داخل السجون أو خارجها، وعملية القتل والاغتيال تحدث بشكل روتيني؛ فمنذ أكتوبر وحتى الآن قُتل أكثر من 100 أسير فلسطيني إما بسبب التعذيب أو الإهمال الطبي أو كلاهما، الاحتلال يعدم الأسرى فعلياً، لكن الآن يتم شرعنة ذلك ووضعه في إطار قانوني من خلال القضاء والمحاكم العسكرية التي لا توفر الحد الأدنى من ضمانات المحاكمة العادلة، وهي محاكم جائرة نسبة الإدانة فيها تصل إلى 100%.
وبالتأكيد فإن فرص تطبيق هذا القانون عالية جداً بسبب حالة التطرف الكبيرة في المجتمع الإسرائيلي وحالة التعبئة والكراهية، وبسبب وجود سياسيين يتبنون الموضوع بقوة، بما فيهم رئيس الحكومة الذي صوت لصالح القانون، نحن لا نثق بالمحكمة العليا الإسرائيلية لأنها عادة تعطي غطاء وتشرعن أفعال الاحتلال، والمراهنة عليها مستحيلة.
وما المطلوب الآن؟
المطلوب هو الاستمرار بالضغط الدولي، خاصة أن التوجه العالمي يزداد نحو إلغاء عقوبة الإعدام في أكثر من 120 دولة، وهذا الملف لاقي معارضة إقليمية ودولية كبيرة، وبالتالي يتوجه العالم نحو إلغاء عقوبة الإعدام وليس نحو تطبيق العقوبة.
إلى أي مدى تساهم السياسات الإسرائيلية الحالية في تعميق الأزمة الإنسانية في قطاع غزة؟
الوضع الإنساني في غزة هو كارثة إنسانية مفتوحة للأسف وتتعمق باستمرار، كل ما يُقدم للقطاع لا يوفر الحد الأدنى؛ فالمواد الغذائية وغير الغذائية ناقصة بشكل كبير جداً، وهناك ارتفاع جنوني في الأسعار ونسبة فقر غير مسبوقة وجوع وبطالة.
إسرائيل تعطل إجراءات إعادة الإعمار أو الإنعاش، مما يجعل الأمور تسير ببطء شديد وتتعمق الأزمة، الخوف أن الاحتلال يدفع دائماً باتجاه مفاقمة معاناة الفلسطينيين من أجل دفعهم نحو المغادرة والتهجير.
كيف تقرأ التصعيد غير المسبوق بحق المقدسات الإسلامية خاصة المسجد الأقصى خلال الفترى الأخيرة. وهل نحن أمام مخطط متدرج للسيطرة على المسجد وتكرار سيناريو التقسيم الذي فُرض على المسجد الإبراهيمي؟
هذه سياسة إسرائيلية قديمة ومتبعة دائمًا؛ إذ نتذكر السيناريو الذي حدث في المسجد الإبراهيمي، حيث كان تحت إدارة إسلامية كاملة، لكن الاحتلال بدأ تدريجيًا باتخاذ بعض زواياه مكانًا لأداء الصلوات اليهودية يوم السبت.
وبعد ارتكاب مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994، أغلق الاحتلال المسجد لمدة عام ونصف، ثم أعيد فتحه لنفاجأ بتقسيمه إلى قسم يهودي وآخر إسلامي، وبدأ الاستيلاء على جزء من الحرم، واليوم، يسعى إلى الاستيلاء على الجزء الإسلامي في المسجد الأقصى. لذلك، يتخوف كثيرون من تكرار السيناريو ذاته في المسجد الأقصى، عبر خطوات متدرجة تبدأ بالسماح بالصلوات الصامتة، ثم الجهرية للمستوطنين الإسرائيليين، بالتوازي مع منع المسلمين من أداء صلواتهم.
كما تبرز مخاوف من إحداث تغييرات في بنية المسجد الأقصى، سواء عبر إضافة مبانٍ مرتبطة بالهيكل أو غير ذلك، أو حتى هدم أجزاء منه، ولا شك أنه مع استمرار هذه السياسات، يتصاعد التحريض، وتزداد الخطابات السياسية والدينية الإسرائيلية التي تدعو إلى إعادة بناء الهيكل وهدم المسجد الأقصى، وتغيير واقع قائم منذ أكثر من 1300 أو 1400 عام، وهو ما ستكون له تبعات خطيرة جدًا على الاستقرار في فلسطين والمنطقة.
هل ترى أن التحركات الدولية للتصدي للانتهاكات الإسرائيلية تجاه فلسطين في هذه المرحلة تشكل رادعاً حقيقياً للاحتلال؟ وما هو السبيل الفعلي لممارسة ضغط حقيقي عليه؟
لا طبعاً، الإدانات غير كافية لردع إسرائيل، الذي يمكن أن يردع الاحتلال هو أن يدفع ثمناً لفعاله، والثمن يكون من خلال فرض عقوبات، وتخفيض العلاقات، ومنع الاتجار مع المستوطنات ومع الاحتلال، وقطع العلاقات الاقتصادية، أي خطوات عقابية سياسية واقتصادية ودبلوماسية ومقاطعة ثقافية واقتصادية هي التي يمكن أن تؤدي لممارسة ضغط حقيقي، إذا وجد الاحتلال أن هذه الأفعال ستكلفه سياسياً واقتصادياً فإنه قد يرتدع، أما إذا كان الموضوع لا يتخطى الإدانات، فللأسف الاحتلال لم يعد يأبه لها.