دكتور محمد الحبابى الباحث السعودي في العلاقات الدولية لـ "صوت الأمة": الرئيس السيسي قدم دوراً عربياً محورياً وعزز التعاون والتضامن مع الخليج.. والعلاقات السعودية المصرية قوية
السبت، 11 أبريل 2026 10:00 م
إيران لن تعود إلى سابق عهدها إلا بعد عشرات السنين.. الولايات المتحدة هدفها حرمان الصين من النفط الإيراني
في ظل تصاعد غير مسبوق في حدة التوترات الإقليمية، تتجه الأنظار إلى المواجهة التي انطلقت في آخر شهر فبراير الماضي بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وما حملته من تطورات عسكرية خطيرة وتحركات سياسية متسارعة، تفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول خلفيات هذا التصعيد وأهدافه ومستقبله وتداعياته على المنطقة.
ولتسليط الضوء أكثر وفهم طبيعة هذه الحرب التي تشهدها إيران، أجرت صوت الأمة حواراً مع الدكتور محمد الحبابى الباحث السعودي في العلاقات الدولية. وإلى نص الحوار.
كيف تنظر إلى إقرار هدنة الأسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، وما هي الخطوات المتفق عليها في المرحلة الأولى لهذه المبادرة لوقف دائم لإطلاق النار؟
بعد أربعين يوماً من الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، بدأت الحرب تضع أوزارها بوساطة باكستانية تنسيقاً مع مصر وتركيا، حيث نجح رئيس الوزراء شهباز شريف في إقناع الجانب الإيراني والدول الكبرى بالتوصل إلى اتفاق، وكانت هذه المبادرة تقوم على مرحلتين، تبدأ المرحلة الأولى بهدنة أمدها 14 يوماً، يتم خلالها فتح مضيق هرمز كبادرة لإثبات حسن النوايا، ومن ثم البدء بالحوار حول الفقرات الخمس عشرة الأمريكية وما ترغب به إيران.
وبالتأكيد، فإن أمريكا ترغب قبل كل شيء في فتح مضيق هرمز وتحرير 800 سفينة لتستكمل برنامجها الخاص بالملاحة الدولية، سواء كانت ناقلات نفط أو ناقلات غاز مسال أو كبريت أو ألمنيوم أو حديد، وبالتأكيد يمثل هذا الأمر انفراجاً كبيراً في الأزمة.
أما إيران، فهي تود أن لا تعود الحرب مرة أخرى، ومن المقرر في الجمعة القادمة بدء الحوار خلال فترة الأسبوعين، للوصول إلى هدنة أكبر وإيقاف شامل للحرب.
وما توقعاتك لمسنقبل هذا الصراع؟ وما هو حجم الخسائر التي تكبدتها إيران نتيجته؟
فتح مضيق هرمز هو باب لإبداء حسن النوايا، ولكن "اللاءات الثلاث" الامريكية ما تزال قائمة؛ الأولى: لا لتخصيب اليورانيوم، حيث يجب أن يُسلم اليورانيوم للولايات المتحدة الأمريكية أو للمنظمة المشرفة على الأسلحة النووية برئاسة "رافائيل جروسي"، أو إيجاد حل يتمثل في تحويل اليورانيوم داخل إيران أو تسليمه لأمريكا، فالحل هو التوقف عن التخصيب ولن تعود إيران للمجال النووي مرة أخرى.
أما الثانية، فهي لا للصواريخ الباليستية، وأن تكون في مدى دفاعي خاص بإيران فقط، وألا تؤذي بها الإقليم أو الدول التي تهددها دائماً.
أما الثالثة، فهي الميليشيات في الإقليم (حزب الله، الحوثي، والحشد العراقي)، حيث ستخرج إيران من هذه المناطق ولن تكون هذه الجماعات تحت عباءتها، وبالتأكيد هذه الشروط الثلاثة ستحصل عليها أمريكا.
وحول الخسائر من الجانبين.. كيف تراها؟
لقد خرجت أمريكا بعد 40 يوماً بخسارة كبيرة في الإقليم، أما بالنسبة لإيران فقد خسرت أكثر من 98% من قدراتها وأصبحت أثراً بعد عين؛ إذ قتل أكثر من 250 من قادتها في الصف الأول، من وزراء وبرلمانيين وضباط كبار، وقتل كذلك قادة الصف الثاني والثالث والرابع والخامس وأكثر من ذلك.
كما حُطمت أغلب جسورها، وكان التهديد الأخير موجهاً لمحطات الطاقة الكهربائية، ولو تم ذلك لماتت إيران بلا نور وعاشت في الظلام والعتمة، وفعلاً يقول البعض إنهم أعادوها 30 عاماً إلى الوراء، بل إن زادوا على ذلك سيعيدونها إلى العصر الحجري.
أعتقد أن ما حصل في إيران يحتاج إلى ترميم قد يستغرق أكثر من 100 عام، وكان أولى بها من البداية ألا تؤذي شعبها بالتدخل في الإقليم وتطوير الصواريخ الباليستية للشر وضرب المنطقة والسعي للنووي بلا مبرر، وكان أولى بها أن تستغل الـ 500 مليار دولار التي أنفقتها على شعبها لتكون إيران في مصاف الدول النفطية الغنية ويكون شعبها في أفضل حال، ولكن دائماً النوايا السيئة تقود إلى السلوك السيئ ويخسر أصحابها جميعاً.
وكيف بدأت ملامح التصعيد الذي نشهده على الجبهة الإيرانية؟ وهل كان نتيجة ترتيبات مسبقة؟
الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الذي بدأ في 28 فبراير الماضي، كان معدا مسبقا في ظل وجود مفاوضات بين إيران والجانب الأمريكي، إلا أنه تبين لاحقا أن زيارات بنيامين نتنياهو المتكررة إلى الولايات المتحدة كانت تهدف إلى إقناع واشنطن بضرورة قيام إسرائيل بمهاجمة إيران وتحييدها، مبررا ذلك بأن طهران تمتلك 450 كيلوجراما من اليورانيوم المخصب، وهو ما يمنحها القدرة على إنتاج 11 قنبلة نووية.
ومن ثم بدأ الهجوم، وكان هجوما مروعا؛ حيث سادت حالة من الصدمة والترويع داخل إيران، بعدما ضُربت في مقتل، وكان في بدايته مقتل المرشد علي خامنئي، الذي يمثل قيمة دينية وعلمية كبيرة، ويعد رمزا بارزا لدى الإيرانيين.
ومن هول الصدمة، استغرقت إيران ما بين 8 إلى 12 ساعة دون رد مباشر، قبل أن تبدأ الصواريخ بالانهمار على دول مجلس التعاون الخليجي، والأردن، وإسرائيل، وتركيا، وأذربيجان، وقبرص، بأعداد كبيرة للغاية، حيث وُجّه نحو 15% منها إلى إسرائيل، مقابل 85% إلى دول مجلس التعاون الخليجي ومملكة الأردن.
كيف تنظر إلى الهجمات التي شنتها إيران؟ وهل لديها القدرة على الردع؟
إيران تمتلك صواريخ باليستية بأعداد كبيرة أطلقت منها عدد واسع للرد على الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، كما استخدمت صواريخ جوالة من نوع كروز، إضافة إلى طائرات مسيّرة من طراز "شاهد 136" وطائرات "أبابيل"، وكل هذه الأدوات أرادت بها طهران أن تظهر قوة الردع لديها، واللافت أن أغلب هذه المعدات أتقن الإيرانيون صناعتها وأنتجوا منها الآلاف، حتى إنهم باعوا لجمهورية روسيا الاتحادية أكثر من 15 ألف طائرة مسيرة، عُدِّلت فيها محركاتها لتقليل الصوت أثناء استخدامها في ضرب أوكرانيا، كما يُقال إن الصين حصلت على نحو 13 ألف طائرة من نوع "شاهد 136"، التي تتقن إيران صناعتها وتُنتج في مصانع خاصة بمدينة أصفهان.
كيف كان حجم الضربات الأمريكية والإسرائيلية داخل إيران؟ وما طبيعة الأهداف؟
وصل عدد الأهداف الأمريكية الإسرائيلية على إيران مع مرور نحو الشهر إلى أكثر من 15 ألف استهداف من قبل القوات الأمريكية، ونحو 4000 إلى 5000 استهداف من قبل إسرائيل، ولم تُبقِ هذه الضربات على مصنع أو قوة أو مركز تابع للحرس الثوري أو الجيش أو المعاهد العلمية، حيث طالت قاعدة "بارشين" الخاصة بالتجارب النووية، ومركز "طالقان" المخصص لتجريب الصواريخ والقنابل.
كما استهدفت جميع المناطق في أصفهان التي تُستخدم في تصنيع أجزاء الصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى المواقع التي تُجهّز "الكعكة الصفراء" للتخصيب، ولا ننسى أن أصفهان تضم المفاعل النووي الخطير "نطنز"، إذ يُقال إن منشآت نطنز وأراك وفوردو تعرضت لضربات متفاوتة؛ حيث أُغلق مفاعل أراك أو غُطّي بالخرسانة ولم يعد يعمل، بينما تعرّض نطنز لتدمير، إلا أنه ما زال — وفق تقديرات — يحتوي على مئات أو آلاف من أجهزة الطرد المركزي المتطورة.
أما مفاعل فوردو، الواقع على عمق 80 مترا، فيقال إنه تضرر لكنه لا يزال يعمل، إلى جانب منشآت أخرى في أصفهان وكرج ومواقع متعددة، كما تشير تقديرات إلى أن 450 كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصب قد نقلت إلى جبل في الشمال الغربي من أصفهان يعرف باسم "جبل الفأس".
كيف تأثرت دول الخليج بهذه الضربات؟
بعد هذه الضربات، عانت دول مجلس التعاون الخليجي من استمرار القصف بالصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة، وتضررت منها إلى حدٍّ بعيد، وشهدت الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والكويت، وقطر رمايات كثيفة ومؤثرة للغاية.
أما سلطنة عُمان، فلم يصلها سوى عدد محدود من الهجمات، قيل إنها نحو 22 طائرة مسيّرة أو أقل أو أكثر بقليل، وقد قدم لها اعتذار، في حين استمرت معاناة بقية دول مجلس التعاون الخليجي من هذه الهجمات.
ماذا عن التحرك الخليجي؟
دول مجلس التعاون الخليجي أظهرت تضامناً قوياً فيما بينها في مجالات الإنذار المبكر والتهديد الجوي والدعم المتبادل، تم تحويل عدة مطارات سعودية لخدمة الدول الخليجية، منها مطار الملك فهد في الدمام، مطار الملك خالد في الرياض، مطار الملك عبد العزيز في جدة، مطار القيصومة في حفر الباطن، ومطار عرعر.
كما قام ميناء جدة الإسلامي بدوره الحيوي في استقبال جميع السفن ونقل ما تحتاجه دول المجلس من بضائع ومؤن وحاويات، بما يعزز استقرار الإمدادات الحيوية خلال الأزمة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الخط الدولي النفطي "بترولاين" (شرق-غرب) من ميناء ينبع والذي كان قد أمر بإنشائه الملك فهد رحمه الله، بطاقة تصل إلى 7 ملايين برميل يومياً، هو قادر على تخفيف الأزمة الاقتصادية الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران، ولكن رغم كل هذه الإجراءات، شهدت أسعار النفط ارتفاعاً كبيراً، كما تأثرت صادرات الغاز، الكبريت، الحديد، الألمنيوم، والغاز المسال، بالإضافة إلى غاز الهيليوم القادم من قطر، والذي يعتبر ضرورياً للمراكز الطبية والصناعية في المنطقة.
كيف تقيم الدور المصري في هذه الأزمة؟ وكيف ترى العلاقات العربية؟
الدور العربي الذي قام به الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل الحرب، وتشاوره مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وكذلك المشاركات الإيجابية من وزير الخارجية بدر عبد العاطي، تشكل تعاوناً وتضامناً بين قطبي الدول العربية والإسلامية، مصر والسعودية.
بالتأكيد الجانب العربي؛ المملكة ومصر مترابطان، ولا مجال لمشكك أو مرجف، علاقات المملكة العربية السعودية ومصر قوية وإلى حد بعيد، ومصر دائماً في كل مواقفها، ونحن لا نبالي ببرلماني سابق أو صحفي أو مشكك أو مرجف، وإن تحدث البعض بعبارات لا تليق.
العلاقات السعودية المصرية قوية، والخليجية المصرية قوية، ومصر دائماً في المشهد، والرئيس عبد الفتاح السيسي دائماً مع أخيه الأمير محمد بن سلمان ومع مختلف قادة دول مجلس التعاون.
ما الأبعاد الاقتصادية الدولية المرتبطة بالصراع؟
أمريكا شنت هجومها على إيران بدافع السيطرة على النفط الإيراني، بعد أن سيطرت سابقاً على النفط الفنزويلي، والذي يحتاج إلى معالجة معقدة وطويلة ليصبح صالحاً للتصدير، النفط الإيراني ليس أفضل حالاً من النفط الفنزويلي، لكنه قابل للتصدير بشكل أسرع، وأنا أرى أن الأزمة الاقتصادية الناتجة عن الصراع كبيرة جداً، وتعد من أكبر الأزمات بعد الحرب العالمية الثانية، حيث يواجه العالم نقصاً في النفط والغاز، إضافة إلى الكبريت، الألمنيوم، الحديد، الهيليوم، والغاز المسال.
أكثر المستفيدين من النفط الفنزويلي والإيراني هي الصين، التي تستورد من فنزويلا حوالي 600 ألف برميل، ومن إيران بين 600 ألف إلى 1.2 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل 13% من احتياجاتها، ما يشكل ضغطاً على الاقتصاد الأمريكي.
كيف يرتبط ما تشهده إيران بالتنافس الأمريكي الصيني؟
نعلم أن الناتج المحلي الأمريكي قد كان 24 تريليون ونزل إلى قرابة الـ23 أو 22 تريليون دولار، وأن الصين كانت 14 تريليون وقفزت من جراء استثماراتها الاقتصادية إلى فوق الـ20، ليُقال 21 أو أكثر تريليون دولار، بالتأكيد الخصومة الأمريكية الصينية في مجال التجارة والاقتصاد كبيرة وإلى حد بعيد، وتود أمريكا أن تحرمها من الاستفادة من النفط الإيراني والنفط الفنزويلي، لذلك فإن الولايات المتحدة تحاول أن تزعزع أمن هذه الدول من أجل حصار الاقتصاد الصيني أو على الأقل شل عجلة الصناعة والتجارة لديه بوقف إمدادات الطاقة إليه.