صراع الجائزة الكبرى.. الجانب المظلم من القمر منافسة شرسة بين بكين وواشنطن لبناء مفاعلات نووية فضائية واستخراج الماء المتجمد والهيدروجين والهيليوم

السبت، 11 أبريل 2026 09:52 م
صراع الجائزة الكبرى.. الجانب المظلم من القمر منافسة شرسة بين بكين وواشنطن لبناء مفاعلات نووية فضائية واستخراج الماء المتجمد والهيدروجين والهيليوم
هانم التمساح

ناسا تعلن نجاح مهمة "أرتميس 2" التاريخية وتوجه رسالة قوية للصين: من يضع قواعد اللعبة في الجانب البعيد من القمر سيضع قواعد النظام العالمي الجديد على الأرض

 

في صمت الفضاء البارد، بعيدًا عن صخب الأرض وصراعاتها التقليدية، يتشكل صراع من نوع جديد، صراع لا تُسمع فيه أصوات المدافع، لكنه قد يُعيد رسم خريطة القوة العالمية. إنها المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين على الجانب البعيد من القمر، أو ما يُعرف إعلاميًا بـ "الجزء المظلم"، فلم يعد القمر مجرد هدف علمي، بل تحول إلى ساحة تنافس استراتيجي، تختلط فيها الطموحات العلمية بالمصالح الاقتصادية والنفوذ السياسي .

 ويحتدم هذا السباق الجديد بشكل يُعيد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة، ويتميز الجانب البعيد من القمر بكونه معزولًا عن تشويش الأرض، ما يجعله موقعًا مثاليًا لمراصد الفضاء العميق، كما يحتوي على تكوينات جيولوجية وموارد لم تُستكشف بعد، هذا العزل الطبيعي جعله هدفًا مغريًا للقوى الكبرى، التي ترى فيه منصة مثالية للهيمنة العلمية والعسكرية مستقبلًا .

ولأول مرة منذ 54 عاماً، أطلقت وكالة الطيران والفضاء الأمريكية "ناسا"، الأسبوع الماضى، مهمة أرتميس2 المأهولة لاستكشاف القمر، فاتحة أبواب المنافسة المحمومة بين الولايات المتحدة والصين سعياً إلى الهيمنة على الفضاء السحيق، وبدأ 4 رواد فضاء؛ هم 3 أمريكيين ريد وايزمان وكريستينا كوك وفيكتور جلوفر، إلى جانب الكندي جيريمي هانسن، مهمة للدوران حول القمر؛ لمدة 10 أيام، هي الأولى من نوعها منذ مهمة المركبة «أبولو17» للدوران حول القمر، وبعد سنوات من الجهود الاستثنائية التي تبذلها الصين في صناعاتها الفضائية تمهيداً للنزول على سطحه وبناء قاعدة بشرية هناك.

وتُظهر مهمة «أرتميس2» حدة التنافس الفضائي بين الولايات المتحدة، والصين، التي حددت هدفاً بالهبوط على سطح القمر بحلول عام 2030 تحت شعار «الريادة الفضائية»، من خلال مشروع «تشانج إي» الذي تروج له بكين منذ عام 2004. وحقق هذا البرنامج إنجازات بارزة، بدءاً من الهبوط غير المأهول لمركبة صينية على سطح القمر عام 2013، مروراً بالهبوط على الجانب المظلم منه عام 2018، وصولاً إلى استصلاح التربة هناك عام 2024.

والصين هي الدولة الوحيدة التي هبطت على الجانب البعيد من القمر، «وهو النصف الذي يُواجه الأرض دائماً»، واستخرجت منه عينات. وهذا الصيف، ستستكشف مهمة «تشانج إي7» الروبوتية، وهي المهمة السابعة للصين، القطب الجنوبي للقمر، حيث تسعى كل من الولايات المتحدة والصين إلى بناء قواعد حول القطب الجنوبي للقمر، وتأملان استخراج الماء المتجمد والهيدروجين والهيليوم منه. كما تخطط الدولتان لبناء مفاعلات نووية لتزويد قواعدهما القمرية بالطاقة، التي يمكن عبرها إطلاق مهام إلى الفضاء السحيق.

ويمثل الجانب المظلم، بصمته اللاسلكي وموارده البكر وأسراره المدفونة، الجائزة الكبرى لهذا الصراع، وكما قال أحد مسؤولي ناسا مؤخراً: "إن من يضع قواعد اللعبة في الجانب البعيد من القمر، سيضع قواعد النظام العالمي الجديد على الأرض".

والثلاثاء الماضى، اختتم روّاد الفضاء ضمن مهمّة "أرتيميس 2" رحلتهم حول القمر، وبدءوا العودة إلى الأرض، حاملين معهم ملاحظات فلكية غنية عن فوهات قمرية لا يُعرف عنها الكثير وكسوف الشمس وارتطام النيازك يأمل العلماء أن تفتح آفاقا جديدة في مجال الاستكشاف.

وبعد أكثر من 57 عامًا على التقاط أول صورة لشروق الأرض Earthrise على يد أحد رواد الفضاء في مهمة "أبولو 8"، نجح طاقم مهمة "أرتيميس 2" في تسجيل صورة جديدة نشرتها وكالة "ناسا" يوم الثلاثاء، تُظهر الأرض وهي تغيب أسفل الأفق القمري.

ورأى الروّاد الأربعة الذين تركّزت أنظارهم على نوافذ المركبة الفضائية لما يقارب سبع ساعات مشاهد غير مسبوقة للقمر بعدما أمضوا يومهم في تحطيم الأرقام القياسية وصناعة التاريخ، وقال فيكتور جلوفر: ربما لم يتطوّر البشر ليروا ما نراه الآن، إنه أمر يصعب وصفه حقّا. إنه مذهل".

وسجّل الفريق بدقّة معالم سطح القمر وشاهدوا لاحقا كسوفا للشمس عندما مرّ القمر من أمام الشمس، وتحدّثوا عن ومضات ضوئية نتيجة اصطدام نيازك بسطح القمر، وقالت كبيرة العلماء في مهمة "أرتيميس 2" كيلسي يانج للروّاد الأربعة: "تخونني الكلمات للتعبير عن حجم ما اكتسبناه من المعرفة العلمية، قرّبتم القمر إلينا حقا اليوم وما من كلمات كافية لشكركم".

وحتى بعدما وصلوا إلى أبعد نقطة عن الأرض يبلغها البشر على الإطلاق، لم ينته يومهم إذ تلقى الروّاد اتصالا خلال الليل من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وقال لهم "كنتم بالفعل مصدر إلهام للعالم بأسره"، واصفا إياهم بـ"روّاد العصر الحديث"، وأضاف: ستبقى أمريكا في الصدارة بلا منازع في مجال الفضاء وفي كل ما نقوم به، وسنواصل قيادة المسيرة نحو النجوم في هذه الرحلة المذهلة".

اختتمت الرحلة الاثنين الماضى، وتخللتها العديد من الإنجازات، بما في ذلك عندما حطّم فريق أرتيميس 2 الرقم القياسي لأبعد مسافة عن الأرض الذي سجّلته مهمة أبولو 13 عام 1970، إذ تجاوزه بأكثر من 6000 كيلومتر عندما وصل الطاقم إلى أبعد نقطة عن الأرض أثناء الرحلة بلغت 406771 كيلومترا، وقال رائد الفضاء جيريمي هانسن إنه ينبغي أن تشكّل هذه اللحظة "تحديا لهذا الجيل والجيل المقبل لضمان عدم بقاء هذا الرقم القياسي على حاله مدة طويلة".

وتشمل مهمّة أرتيميس 2 سلسلة من الإنجازات التاريخية، فهى المرة الأولى التي يصل فيها شخص من أصول إفريقية هو جلوفر وشخص غير أمريكي هو هانسن وامرأة هي كوك، إلى مدار القمر.

وفى المقابل حققت الصين إنجازات غير مسبوقة بالهبوط على الجانب المظلم للقمر، وتستعد لإطلاق مهمة "تشانج إي 7" الروبوتية لاستكشاف القطب الجنوبي، مع هدف معلن بإنزال بشر وبناء قاعدة بحلول 2030 أيضا ،ويخطط الطرفان لتأسيس مفاعلات نووية قمرية لتوفير الطاقة اللازمة للبعثات طويلة الأمد ومنطلقاً نحو المريخ.

ولم تقتصر أهمية "أرتيميس 2" على المسافة فحسب، بل تمثل تحولاً جذرياً في فلسفة الاستكشاف؛ فهي المهمة الأولى التي تضم بين طاقمها امرأة (كريستينا كوك)، ورائداً من أصحاب البشرة السمراء (فيكتور غلوفر)، ورائداً غير أميركي (جيريمي هانسن)، وهو ما لم تشهده مهمات "أبولو" بين عامي 1968 و1972.

 ويراهن المشككون على أن البعثات الصينية "تشانج إي 7" في 2026  والهندية "تشاندرايان 4" في 2028 قد تكشف حقائق أخفتها القوى التقليدية الممثلة فى أمريكا وروسيا منذ الحرب الباردة عبر البث المباشر، وترفض "ناسا" هذه الادعاءات جملة وتفصيلاً، مؤكدة أن التكوينات المرصودة هي ظواهر طبيعية وجيولوجية وليست آثاراً لحضارات سابقة.

والجانب البعيد من القمر هو المكان الوحيد في النظام الشمسي القريب المحمي تماماً من الضوضاء اللاسلكية للأرض، لذا تسعى القوى العظمى لوضع رادارات وتلسكوبات راديوية هناك، ومن يسيطر على هذا الجانب يمكنه رصد تحركات الأقمار الصناعية المعادية في مدار الأرض دون أن يتم رصده، وتطوير أنظمة اتصالات مشفرة لا يمكن اختراقها من كوكبنا، ونظراً لأن هذا الجانب لا يواجه الأرض أبداً، فإن الاتصال بالمركبات هناك يتطلب "أقمار تقوية" مثل القمر الصيني "كويكيو"، وهو ما يمنح الصين حالياً أسبقية ميدانية في إدارة العمليات هناك.

ويحتوي الجانب البعيد من القمر، وبشكل مكثف في فوهاته العميقة، على تركيزات عالية من الهيليوم-3، وهذا النظير النادر يمكن استخدامه كوقود للمفاعلات الاندماجية النووية النظيفة، ويقدر الخلاء أن 25 طناً منه كافية لإمداد الولايات المتحدة أو أوروبا بالكهرباء لمدة عام كامل .

وأعلنت الصين بوضوح عبر برنامج "تشانج إي" أن هدفها هو "استغلال الموارد القمرية"، مما دفع واشنطن لتسريع برنامج أرتميس لضمان عدم احتكار بكين لمصادر طاقة القرن الحادي والعشرين.

ولم يعد القمر مجرد هدف للعلم؛ بل تحول إلى "منطقة اقتصادية" مرتقبة. فالجليد المائي في القطب الجنوبي للقمر يمثل "الذهب الجديد" لإنتاج الوقود والأكسجين. وبينما تركز "ناسا" على الهيبة البشرية والهبوط المأهول، تركز الصين على البنية التحتية الروبوتية واستخراج الموارد، مما يعزز نفوذها في أي مفاوضات دولية مستقبلية حول "قانون الفضاء"، وينقسم المشهد الفضائي اليوم الى منطقة  غربٌ أمريكى يقوده الطموح الأمريكي لاستعادة "زمن العمالقة" بأرقام قياسية جديدة، وشرقٌ صيني يزحف بصمت ودقة نحو تضاريس لم تطأها قدم بشر، ليحول "الجانب المظلم" إلى نقطة انطلاق نحو الهيمنة على اقتصاد الفضاء السحيق.

وكشف تقارير استخباراتية أن كلاً من واشنطن وبكين تخططان لوضع مفاعلات نووية صغيرة في هذه المنطقة لتشغيل القواعد الدائمة، مما يحول القمر إلى "ثكنة طاقة" متقدمة.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة