الأحوال الشخصية.. حين يطغى انتقام الكبار على مستقبل الصغار

الثلاثاء، 14 أبريل 2026 02:49 م
الأحوال الشخصية.. حين يطغى انتقام الكبار على مستقبل الصغار
ولاء عزيز

بين أروقة محاكم الأسرة، لا تكمن الأزمة فقط في "ثغرة قانونية" أو "تأخر حكم نفقة"، بل تكمن في تحول الانفصال من قرار لإنهاء علاقة زوجية إلى حرب استنزاف شعواء. السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل نعدل القانون أم نعدل السلوك؟.. الحقيقة أننا أمام تشابك معقد؛ فقانون بلا أخلاق هو سيف مسلط، وأخلاق بلا قانون يحميها هي حق ضائع.
 
حين يصبح الطفل رهينة
في كثير من الحالات، يتحول الأطفال من ثمرة حب إلى أدوات ضغط، ففى سلاح "الرؤية" نجد بعض الأمهات يستخدمن الحضانة كوسيلة لتصفية الحسابات، فيتم اختلاق الأعذار لمنع الأب من رؤية أبنائه، مما يحرم الطفل من توازنه النفسي ويحول الأب إلى "غريب" يدفع المال فقط.
 
وهناك سلاح الإفقار، فعلى الجانب الآخر، نرى رجالاً يتفننون في إخفاء ثرواتهم وتحويل أموالهم بأسماء آخرين لمجرد تقليل مبلغ النفقة، غير مبالين بأن هذا المال هو حق أصيل لأطفالهم لضمان حياة كريمة، وكأن التنصل من المسؤولية المادية هو انتصار على الطليقة.
 
ولا يمكن إغفال دور مطبخ القضايا، فبينما يسعى محامون شرفاء للإصلاح، يتبنى البعض سياسة الأرض المحروقة؛ حيث يتم توجيه الموكل لاستخدام أقصى درجات الكيد القانوني، من خلال بلاغات كاذبة، وقضايا فرعية لا تنتهي، بهدف إنهاك الطرف الآخر نفسياً ومادياً. وهنا يتحول المحامي من رجل قانون إلى مخطط حربي، والضحية دائماً هم الصغار الذين يشاهدون ذويهم يتراشقون بالاتهامات.

"الشرطة الأسرية" المتخصصة
ومن أكبر الثغرات في واقعنا هو تنفيذ الأحكام. حالياً، يضطر الطفل أحياناً لدخول أقسام الشرطة أو الوقوف في أماكن غير مؤهلة لتنفيذ حكم رؤية أو نفقة، مما يترك ندبة لا تندمل في ذاكرته.
 
والسؤال الآن، لماذا نحتاج شرطة أسرية؟.. هي ليست شرطة تقليدية، بل قوة مدربة تتكون من عناصر أمنية بزي مدني، مدعومين بمتخصصين نفسيين واجتماعيين، ومن مهامها الإشراف على تنفيذ أحكام الرؤية والاستضافة في بيئة آمنة، التدخل السريع في حالات انتزاع الأطفال، وضمان تنفيذ أحكام النفقة بجدية دون تسويف، مع الحفاظ على خصوصية وكرامة الأسرة بعيداً عن أجواء الجريمة والمجرمين.
 
جيل الخوف والارتباك
الواقع النفسي الذي يفرضه هذا الصراع على الجيل الناشئ مخيف؛ فالطفل الذي ينشأ في بيئة ترى فيها الأب صرافاً آلياً أو الأم سجّانة، يخرج للمجتمع محملًا باهتزاز الثقة في مؤسسة الزواج، وهؤلاء الشباب مستقبلاً سيخشون الارتباط لأنهم رأوا فيه فخاً يؤدي للمحاكم، الازدواجية السلوكية، ويتعلم الطفل مبكراً كيف يمثل الولاء لكل طرف على حدة ليتجنب غضبهما، مما يخلق شخصية غير سوية اجتماعياً.

دعوة لثورة ثقافية
إن تعديل قانون الأحوال الشخصية ليصبح أكثر توازناً وسرعة مثل إقرار الاستضافة العادلة والنفقة العاجلة هو نصف الحل. أما النصف الآخر فيقع على عاتقنا نحن كوعي جمعي. يجب أن نعي أن "الرجولة" ليست في التخلي عن الإنفاق، وأن "الأمومة" ليست في حرمان الطفل من أبيه. نحن بحاجة إلى ثقافة "الانفصال الراقي" التي تجعل مصلحة الطفل فوق أي انتقام شخصي، فالقانون قد يحكم لك بالحق، لكن ضميرك هو الذي يحدد هل استعملت هذا الحق بإنصاف أم بظلم؟

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق