الإخوان وغدر التحالفات.. اليسار يلدغ من جحر الإرهابية على الدوام

الثلاثاء، 14 أبريل 2026 03:45 م
الإخوان وغدر التحالفات.. اليسار يلدغ من جحر الإرهابية على الدوام
محمد الشرقاوي

لم تكن علاقة جماعة الإخوان الإرهابية بتيارات اليسار في مصر علاقة صراع عابر أو سوء تقدير سياسي لحظي، بل نمطًا متكررًا من التوظيف ثم الإقصاء؛ فالجماعة بحكم بنيتها التنظيمية المغلقة ورؤيتها العقائدية، لم تنظر يومًا إلى "اليسار" كشريك محتمل، بل كقوة يمكن الاستفادة منها مرحليًا، ثم التخلص منها عند أول اختبار حقيقي للسلطة.
 
ولم يبدأ هذا النمط مع ثورة 25 يناير، بل يمتد إلى ما قبل ذلك بسنوات، حيث شهدت السبعينيات والثمانينيات أشكالًا من التماس غير المباشر بين التيارات الإسلامية واليسارية داخل الجامعات والنقابات، انتهت في معظمها إلى صدامات حادة، بعدما تمكنت الجماعة من إعادة بناء حضورها التنظيمي على حساب خصومها. 
 
ففي كل مرة كانت المساحة تُفتح، كانت الجماعة الإرهابية تتحرك بسرعة لملء الفراغ، ثم تعمل على إقصاء المنافسين، وعلى رأسهم اليسار، من المجال العام.
وتاريخياً بلغ هذا النمط ذروته بعد يناير 2011، حين التقى الطرفان في الميادين تحت هدف مشترك هو إسقاط النظام؛ غير أن الإخوان تعاملوا مع هذا التقارب باعتباره غطاءً مرحليًا لتوسيع حضورهم السياسي، وليس تأسيسًا لشراكة وطنية. 
 
وما إن سقط النظام، حتى بدأت الجماعة في إعادة ترتيب المشهد بما يخدم مشروعها الخاص، فاستحوذت على البرلمان، ثم دفعت بمرشحها إلى الرئاسة ممثلًا في محمد مرسي، وفي هذه المرحلة، لم يكن اليسار مجرد خصم سياسي، بل أصبح هدفًا مباشرًا لسياسات الإقصاء، سواء عبر تهميشه داخل المؤسسات، أو تجاهل مطالبه في صياغة التوازن السياسي، وحتى استهداف عناصره.
 
وبرز خطاب "التمكين" كإطار حاكم لسلوك الجماعة، ما جعل أي شراكة سابقة مجرد ذكرى مرحلية سرعان ما انتهت، وهنا لم يكن "الغدر" استثناءً، بل نتيجة طبيعية لمنهج يرى في التحالفات أدوات مؤقتة لا التزامات دائمة.
 
ومع تصاعد الاحتجاجات التي انتهت بأحداث 30 يونيو 2013، عاد اليسار ليجد نفسه في مواجهة مباشرة مع الجماعة الإرهابية، بعدما كان جزءً من مشهد مشترك قبل عامين فقط، وهي مفارقة تكشف بوضوح أن العلاقة لم تكن يومًا قائمة على ثقة متبادلة، بل على استخدام مرحلي انتهى بمجرد تغير موازين القوى.
 
ومن زاوية أعمق، فإن سلوك الإخوان تجاه اليسار يعكس معضلة بنيوية في علاقة الحركات الأيديولوجية المغلقة بالقوى المدنية، فهذه الحركات لا تعترف فعليًا بالتعددية بقدر ما تتعامل معها كمرحلة انتقالية، وبالتالي، فإن أي قوة مدنية - خصوصًا اليسار الذي يحمل مشروعًا اجتماعيًا مغايرًا - تتحول في نظرها إلى تهديد مؤجل يجب تحجيمه أو احتواؤه، لا شريك يمكن التعايش معه.
 
حتى بعد 2013، ورغم سقوط جماعة الإخوان الإرهابية من الحكم، لم يتغير نمط الخطاب بشكل جذري، فمع عودة بعض الأصوات اليسارية لانتقاد السياسات الحكومية، سعت الجماعة إلى استثمار هذا النقد ودمجه ضمن سرديتها، في محاولة لإعادة إنتاج نفس معادلة "التقاطع المؤقت"، دون تقديم أي مراجعة حقيقية لسلوكها السابق تجاه حلفائها.
 
بل إن الأخطر يتمثل في إعادة تدوير أدوات الاختراق السياسي ذاتها، عبر استقطاب خطاب حقوقي أو معارض وتقديمه كمساحة مشتركة، بينما يظل الهدف الحقيقي هو إعادة التموضع لا بناء تحالف حقيقي، وهكذا تتكرر الحلقة نفسها: تقاطع مؤقت، ثم توظيف، ثم إقصاء.
 
ومن هذا المنطلق، لا يبدو مستغربًا ما أُثير بشأن تورط بعض العناصر المحسوبة على اليسار في التواصل أو التنسيق مع الجماعة؛ غير أن هذه الوقائع لا تعكس تحولًا فكريًا بقدر ما تؤكد استمرار نفس آلية الاختراق التي اعتمدتها الجماعة تاريخيًا، فالإخوان لا يسعون إلى بناء تحالفات قائمة على التوافق، بل إلى استثمار أي مساحة معارضة قائمة ومحاولة إدماجها ضمن خطابهم السياسي.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق