اليسار كمدخل.. كيف استغلت جماعة الإخوان الإرهابية خطاب المعارضة لاختراق المجال المدني؟
الثلاثاء، 14 أبريل 2026 04:13 م
محمد الشرقاوي
لم تكن تحركات الإخوان داخل المجال السياسي المصري يومًا عشوائية أو مجرد رد فعل على ضغوط السلطة، بل قامت على استراتيجية ثابتة: التسلل عبر الخصوم، لا مواجهتهم فقط.
وفي هذا السياق، لم يكن تيار اليسار بالنسبة للجماعة مجرد تيار مناوئ، بل بوابة جاهزة للاختراق، بحكم حضوره داخل النقابات، والجامعات، ودوائر العمل المدني في الشارع المصري، وبالتالي كان فرصة للجماعة أن تتوسع من خلاله، وإدارة علاقاتها باعتبار أنهما في كفة واحدة، وإصباغ مظلوميتها عليه، ليصبح استثماراً للتقاطعات بين الطرفين بدلاً من صراع صفري.
ومنذ نشأتها في عشرينات القرن الماضي، أدركت الجماعة الإرهابية أن المواجهة المباشرة مع التيارات ذات الحضور الشعبي أو النقابي ليست دائمًا الخيار الأكثر فاعلية، فاختارت مسارًا أكثر براغماتية: التواجد داخل نفس المساحات، ثم إعادة تشكيلها تدريجيًا.
ففي مرحلة ما قبل 1952، وبينما كان اليسار يتحرك عبر الخطاب الطبقي والنقابي، نجحت الجماعة في بناء نفوذ موازٍ داخل البنية الاجتماعية التقليدية، ما منحها قدرة مزدوجة على الحضور في الشارع دون الاصطدام الكامل بخصومها.
ومع قيام ثورة 1952 ودخول مصر عهد جمال عبد الناصر، بدا أن المجال السياسي أُعيد تشكيله بالكامل، لكن الجماعة لم تختفِ، بل أعادت تموضعها، ففي حين انخرطت بعض التيارات اليسارية في المشروع الناصري، فضّلت الجماعة العمل خارج الإطار الرسمي، ما دفعها إلى تطوير أدوات أكثر مرونة، تقوم على الانتظار وإعادة التغلغل بدلًا من المواجهة المباشرة.
وجاءت لحظة الرئيس الأسبق أنور السادات لتكشف بوضوح عن هذه الاستراتيجية، فبينما استخدم النظام الإخوان لموازنة النفوذ اليساري، استخدمت الجماعة هذه المساحة لاختراق نفس البيئات التي كان يسيطر عليها اليسار، خاصة في الجامعات والنقابات، وهنا لم يكن الهدف مجرد الحضور، بل الإزاحة التدريجية، عبر بناء شبكات تنظيمية داخل المجال المدني نفسه.
لتأتي حقبة الرئيس الأسبق الراحل محمد حسني مبارك، تطورت هذه الآلية إلى شكل أكثر نعومة، فمع تراجع اليسار، قدمت الجماعة نفسها كقوة معارضة رئيسية، مستفيدة من قضايا الحريات والفساد، وهي نفس القضايا التي شكّلت تقاطعات مع بعض الخطابات اليسارية، غير أن هذا التقاطع لم يكن سوى أداة لاكتساب شرعية داخل المجال المدني، تمهيدًا لتوسيع النفوذ لا لمشاركته.
وبلغت هذه الاستراتيجية ذروتها بعد ثورة 25 يناير، حيث التقى الطرفان في لحظة واحدة، لكن بنوايا مختلفة، فبينما نظر اليسار إلى التقاطع باعتباره فرصة لبناء مسار ديمقراطي، تعاملت الجماعة معه كنافذة للتمكين السياسي، وما إن سقط النظام، حتى تحركت بسرعة للسيطرة على المؤسسات، وصولًا إلى الحكم عبر محمد مرسي، قبل أن تنكشف حدود هذا "التقاطع" مع تصاعد الصدام الذي انتهى بأحداث 30 يونيو 2013.
ورغم سقوط الجماعة من الحكم، لم يتغير جوهر الاستراتيجية، فمع عودة بعض الأصوات اليسارية إلى انتقاد السياسات الحكومية، سارعت الجماعة إلى استثمار هذا الخطاب، ومحاولة إدماجه ضمن سرديتها، في إعادة إنتاج واضحة لنفس معادلة "التقاطع المؤقت"، وهنا لا يظهر الإخوان كطرف معارض تقليدي، بل كفاعل يسعى إلى إعادة اختراق المجال المدني من بوابة النقد المشروع.
ولعل ما أُثير مؤخرًا بشأن تواصل بعض العناصر المحسوبة على اليسار مع الجماعة، لا يمكن فصله عن هذا السياق، فالمسألة لا تتعلق بتقارب فكري، بل باستمرار آلية قديمة: استغلال مساحات المعارضة، ثم محاولة احتوائها وإعادة توجيهها، وهي نفس الحلقة التي تكررت تاريخيًا: دخول من باب التقاطع، ثم توظيف، ثم سعي للسيطرة.
وعليه، فإن اليسار لم يكن في تجربة الإخوان مجرد خصم أيديولوجي، بل كان دائمًا مدخلًا، مدخلًا لاختراق المجال المدني، وإعادة تشكيله من الداخل، وطالما استمرت الجماعة في التعامل مع السياسة كمساحة للتمكين لا الشراكة، ستظل كل تقاطعاتها - خاصة مع اليسار - مجرد أدوات مرحلية في مشروع أكبر، لا تعترف إلا بالسيطرة الكاملة.