جامعة الدول العربية تعيد تعريف الهوية: التنوع من تحدٍ إلى رافعة للتكامل العربي
الثلاثاء، 14 أبريل 2026 09:38 م
محمد الشرقاوي
في لحظة إقليمية تتشابك فيها التحولات السياسية والاجتماعية مع ثورة رقمية متسارعة، تعود قضية الهوية العربية إلى واجهة النقاش الاستراتيجي، ليس بوصفها سؤالًا ثقافيًا مجردًا، بل باعتبارها ركيزة للاستقرار والتكامل في عالم يتجه نحو مزيد من التشظي، وفي هذا السياق، تكثّف جامعة الدول العربية جهودها لإعادة صياغة مقاربة جديدة للهوية، تقوم على استيعاب التنوع وتحويله من تحدٍ إلى فرصة.
واليوم الثلاثاء، نظّمت جامعة الدول العربية ندوة فكرية رفيعة المستوى بعنوان «انعكاسات التنوع على الهوية العربية: نحو مقاربة تكاملية» - تواصل فعالياتها يوم الأربعاء 15 أبريل - بمقر الأمانة العامة في القاهرة، بمشاركة واسعة من الخبراء وصنّاع القرار وممثلي مراكز الفكر العربية، في إطار جهودها لتعزيز الحوار الفكري واستشراف مستقبل المنطقة.
وشكّلت الندوة، التي نظّمتها إدارة البحوث والدراسات الاستراتيجية، منصة حوارية متميزة جمعت أكثر من 187 مشاركًا، من بينهم 29 متحدثًا رئيسيًا وخبيرًا متخصصًا، يمثلون 29 مركز فكر عربي، في محاولة لصياغة رؤية مشتركة لمستقبل الهوية العربية في ظل التحديات والتحولات المتسارعة.
وفي هذا السياق، أوضح الوزير المفوض الدكتور علاء التميمي أن الندوة امتدت على مدار يومين من النقاشات المكثفة والحوار البنّاء، وأسهمت في توحيد الرؤى بين قادة الفكر وصنّاع السياسات ورواد الأعمال، مؤكدًا أنها هدفت إلى بناء لغة مشتركة بين مراكز الفكر العربية، تمهيدًا لبلورة تصور متكامل للهوية العربية الجامعة.

وأشار التميمي إلى أن انعقاد هذه الندوة يأتي ضمن الخطة العلمية السنوية للإدارة لعام 2026، وبالتعاون مع الشبكة العربية لمراكز الفكر، موضحًا أن الحدث ركّز على استكشاف انعكاسات التنوع الثقافي والاجتماعي على الهوية العربية، وتسليط الضوء على الفرص والتحديات المرتبطة به، إلى جانب تشجيع تبادل الخبرات وطرح حلول مبتكرة تعزز من مفهوم الهوية الجامعة المرنة والشاملة.
وتضمّنت فعاليات الندوة أربع جلسات حوارية رئيسية تناولت أبعاد التنوع العربي وإمكانيات تحويله إلى عنصر قوة يدعم التكامل بدلًا من التفكك، إضافة إلى استشراف السيناريوهات المستقبلية لتطور الهوية العربية خلال العقود المقبلة، بما يعزز من دور الجامعة كمنصة إقليمية للحوار حول القضايا المصيرية.
وأضاف التميمي أن المناقشات أسفرت عن مجموعة من المبادرات والنتائج العملية، أبرزها إطلاق برنامج لإدارة التنوع والحوار الهوياتي العربي، وتشكيل فريق بحثي متخصص يضم مفكرين وخبراء في علم الاجتماع السياسي والدراسات الحضارية، بهدف إعداد إطار مفاهيمي شامل لقضايا الهوية والتنوع.
كما تم الاتفاق على إنشاء قاعدة معرفية متكاملة عبر مشروع «خريطة التنوع العربي»، لرصد وتحليل أنماط التنوع وتفاعلاتها وتقييم فرص التكامل بينها. وفي خطوة لتعزيز الحوار المستدام، تقرر إطلاق منتدى عربي سنوي للحوار الهوياتي، يجمع المفكرين ومراكز الأبحاث والمؤسسات الثقافية لمناقشة مستقبل الهوية في ظل المتغيرات العالمية.

ومن بين مخرجات الندوة كذلك، الإعلان عن إصدار تقرير سنوي بعنوان «مستقبل الهوية العربية»، يتناول الاتجاهات الثقافية والفكرية والتحديات والفرص، إلى جانب تقديم توصيات عملية لصنّاع القرار، بهدف نقل النقاشات الفكرية إلى مستوى السياسات العامة.
وفي ختام أعمال الندوة، جدّد التميمي تأكيده على التزام الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بمواصلة دعم البحث العلمي وتعزيز الشراكات مع مراكز الفكر العربية، مشددًا على أهمية تبنّي نهج قائم على الابتكار والتكامل المعرفي، وصولًا إلى مستقبل عربي أكثر تماسكًا وإنسانية.
وفي سياق النقاشات، أكد الدكتور خالد عكاشة أن التنوع الثقافي والعرقي والديني في المنطقة العربية لا يمثل تهديدًا لوحدة الهوية، بل يشكل رصيدًا حضاريًا عميقًا يعزز من قدرتها على التماسك والاستمرار، مشددًا على أن الهوية العربية الكبرى بطبيعتها تتسع لمختلف روافدها دون أن تفقد جوهرها.
وأوضح أن المرحلة الراهنة تفرض تبني مقاربة استراتيجية تتجاوز الخطابات التقليدية، عبر البحث عن نقاط التكامل بين مكونات المجتمعات العربية بدلًا من تضخيم الاختلافات، معتبرًا أن بناء «هوية منفتحة» قادرة على استيعاب التعدد يمثل المدخل الحقيقي لتعزيز الاستقرار الإقليمي.

وأشار عكاشة إلى أن إدارة التنوع لم تعد مسألة ثقافية فقط، بل أصبحت قضية سياسية وأمنية تستوجب دورًا فاعلًا لمؤسسات الدولة، خاصة في ما يتعلق بترسيخ مفهوم المواطنة، وضمان تكافؤ الفرص، ومنع استغلال الهويات الفرعية في الصراعات.
كما شدد على أهمية الدور المتنامي للإعلام، خصوصًا في الفضاء الرقمي، في إعادة تشكيل الوعي الهوياتي، داعيًا إلى تطوير خطاب إعلامي عربي قادر على تحويل التنوع إلى عنصر قوة، بدلًا من تركه عرضة لخطابات الاستقطاب والتفتيت.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور أبوالفضل الإسناوي المدير الأكاديمي لمركز رع للدراسات الاستراتيجية، أن مصطلح “سيولة الهوية” الذي طُرح في بعض النقاشات الفكرية لا يعبر بدقة عن طبيعة ما يحدث في المجتمعات العربية، موضحًا أن ما نشهده في الواقع ليس ذوبانًا للهوية أو فقدانًا لها، وإنما صراع واضح بين أنماط مختلفة من الانتماء، في مقدمتها الهوية الدينية من جهة، والهوية الوطنية والقومية من جهة أخرى.
وأوضح الإسناوي، في تعقيبه أثناء الندوة، أن الجدل الدائر حول الهوية العربية اليوم ليس جديدًا، بل يمتد جذوره إلى بدايات القرن العشرين، حين ظهرت مشاريع فكرية وتنظيمية حاولت إعادة تعريف مفهوم الانتماء على أساس ديني أممي يتجاوز الدولة الوطنية، مشيرًا إلى أن إحدى أبرز الوثائق التي عكست هذا التوجه كانت “المؤتمر الخامس” لجماعة الإخوان المسلمين في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، والذي قدم تصورًا فكريًا وسياسيًا اعتبر أن الأمة الدينية تمثل الإطار الأعلى للولاء، وأن الدولة الوطنية تمثل مرحلة في طريق تحقيق وحدة أوسع.

وأضاف أن قراءة تلك الوثائق التاريخية تكشف بوضوح أن التحدي الذي تواجهه الهوية العربية لا يتعلق فقط بالتنوع الثقافي أو الديني، بل يرتبط بمحاولات إعادة تشكيل مفهوم الانتماء ذاته، وهو ما يفرض على المؤسسات الفكرية والبحثية مسؤولية مضاعفة في توضيح طبيعة هذا الصراع الفكري وإدارته بطريقة علمية متوازنة، تحافظ على الهوية العربية باعتبارها إطارًا جامعًا يضم مكونات متعددة دون أن يسمح بتحول الاختلاف إلى صراع أو تنازع على المرجعية.
من جانبها، أوضحت الدكتورة مها علام أن التحولات الرقمية العميقة خلال العقدين الأخيرين أدت إلى إعادة تشكيل جذري في طريقة بناء الهوية لدى الشباب العربي، حيث انتقل مركز التأثير من المؤسسات التقليدية إلى فضاء رقمي مفتوح تتحكم فيه منصات التواصل والخوارزميات.
وأكدت أن الهوية لم تعد نتاج خطاب مركزي واحد، بل أصبحت عملية ديناميكية تتشكل عبر التفاعل المستمر داخل الشبكات الرقمية، ما أفرز ما يُعرف بـ«الهويات الشبكية» التي تتجاوز الحدود الجغرافية وتعتمد على الانتماءات العابرة للقوميات.
وأشارت إلى أن هذه التحولات تفرض تحديات معقدة، أبرزها تصاعد الخطابات الاستقطابية، وتعاظم دور «المؤثرين» في تشكيل الرأي العام، فضلًا عن تأثير الخوارزميات في توجيه النقاشات العامة وتضخيم بعض الاتجاهات على حساب أخرى.
وفي المقابل، رأت أن البيئة الرقمية تمثل فرصة مهمة لتعزيز الهوية العربية إذا ما تم استثمارها بشكل استراتيجي، من خلال إنتاج محتوى عربي قادر على المنافسة، وتعزيز مهارات التفكير النقدي لدى الشباب، وبناء ما وصفته بـ«المناعة الرقمية» في مواجهة التضليل والانقسام.
وتعززت هذه الطروحات بنتائج أوراق بحثية قدمها باحثون من المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، أظهرت أن وسائل التواصل الاجتماعي باتت لاعبًا رئيسيًا في تشكيل وعي الشباب، حيث ساهمت في توسيع دوائر الانتماء وتعزيز الانفتاح الثقافي، مع بروز أنماط جديدة من «الهويات المركبة».
وكشفت النتائج أن غالبية الشباب لا يرون تعارضًا بين الهوية الوطنية والعربية، بل يتعاملون معهما ضمن إطار تكاملي متعدد المستويات، في حين تلعب المنصات الرقمية دورًا متزايدًا في إعادة تشكيل القيم والتصورات والانتماءات.
كما أظهرت البيانات أن التأثير الرقمي لا يقتصر على تغيير أنماط الاستهلاك الإعلامي، بل يمتد إلى إعادة تعريف الذات والانتماء، في ظل تزايد الاعتماد على الفضاء الافتراضي كمجال رئيسي للتفاعل الاجتماعي والثقافي.
وتخلص مجمل هذه النقاشات إلى أن مستقبل الهوية العربية لن يكون ثابتًا أو أحاديًا، بل سيظل نتاج توازن ديناميكي بين مستويات متعددة من الانتماء، وهو ما يتطلب سياسات واعية قادرة على إدارة هذا التنوع وتحويله إلى قوة دافعة نحو التكامل والاستقرار.
