دينا الحسيني تكتب: فخ الإخوان.. إلى متى يظل اليسار فريسة لأطماع الإرهابية؟
الأربعاء، 15 أبريل 2026 02:44 م
في السياسة، لا تُقاس النوايا بصفائها، بل بنتائجها، وهذه قاعدة لو تمسك بها اليسار قليلًا، لوفر على نفسه سنوات من الخسارة المتكررة في معارك لم يخرج منها إلا بجرح جديد ودرس قديم يُنسى سريعًا.
فالعلاقة جماعة الإخوان الإرهابية وتيار اليسار لم تكن يومًا شراكة نضال، بل كانت دائماً رحلة "صيد" طرفها الأقوى تنظيمياً (الإخوان) يقتنص الدوافع الطرف الآخر لإيجاد أرضية مشتركة يمكن استغلالها والبناء عليها لترويج فكرة "المركب الواحد" لاستكمال مشروعه الخاص، وهي أقرب إلى علاقة استخدام مؤقت، ينتهي دائمًا بالطريقة نفسها: الإخوان يربحون مساحة واليسار يدفع الثمن.
المفارقة هنا، أن هذه القصة لا تُروى مرة واحدة، بل تتكرر مراراً دون تعلم، ودائمًا ما يقع اليسار في الفخ الإخواني دون أي حيطة أو حذر، كأن الذاكرة السياسية تُمحى مع كل جيل منذ عشرينات القرن الماضي.
التاريخ لا يكذب، لكن البعض اختار أن يقرأه بعين واحدة، حيث لم يكن الصراع داخل الجامعات المصرية بين الإخوان وتيار اليسار في السبيعينات مجرد "اختلاف وجهات نظر"، بل كان تجسيدًا لصراع سياسي حاد، انكشفت فيه طبيعة الأدوار بوضوح.
فبينما كان شباب اليسار يخوضون معاركهم من أجل تحقيق مطالبهم الاجتماعية والسياسية، كان الإخوان يبرمون "صفقات الغرف المغلقة" ليكونوا المخالب التي تنهش جسد الحركة الطلابية والعمالية، ولم يكتفوا بالإزاحة، بل مارسوا "الإبادة السياسية" لكل ما هو تقدمي، ممهدين الطريق لتصفية هوية الدولة، فكيف يتحول "الجلاد" فجأة في مخيلة البعض إلى "رفيق درب"؟
أما مأساة "حزب العمل"، فهي الدرس الأبشع في كيفية "سرقة القلاع من الداخل"، لم يكن الأمر تحالفاً، بل كان عملية "تأميم إخواني" لحزب اشتراكي عريق، بدأت الجماعة بالتسلل كحليف، وانتهت وهي تفرض لغتها وأولوياتها، حتى استيقظ الرفاق ليجدوا أنفسهم يتحدثون بلسان "المرشد" وهم يظنون أنهم يمارسون السياسة، لقد أثبت الإخوان أنهم لا يدخلون بيتاً إلا ويغيرون ملامحه، ولا يشاركون تياراً إلا ويحولونه إلى "تابع" فاقد للهوية والقرار.
جاءت لحظة يناير 2011، وظن البعض بـ "طيبة قلب" سياسية أن الميدان غسل خطايا الماضي، لكن وبمجرد أن شمّت الجماعة رائحة الكرسي في 2012، ظهر الوجه الحقيقي، لم يكن اليسار في عهد محمد مرسي شريكاً، بل كان مجرد "مُحلل شرعي" يُستدعى لالتقاط الصور وتجميل وجه "التمكين" أمام الغرب.
وحين جاء وقت اتخاذ القرار وتوزيع المغانم، كان "مكتب الإرشاد" هو الآمر والناهي، بينما تُرك الرفاق على رصيف التهميش، ليُكتشف لاحقاً أنهم كانوا مجرد "ستار مدني" لمشروع إقصائي لا يعترف بغير الأهل والعشيرة.
هنا يتكشف النمط بوضوح: الإخوان لا يحتاجون اليسار كشريك، بل كأداة مرحلية، يحتاجونه ليقولوا إنهم ليسوا وحدهم، ليقدموا أنفسهم كجزء من مشهد أوسع، ليكتسبوا شرعية لا يمنحها لهم خطابهم وحده؛ لكن بمجرد تثبيت الأقدام، يصبح هذا "الحليف المؤقت" عبئًا، فيُهمش أو يُستبعد أو يُترك لمصير.
ليست هذه قراءة نوايا، بل قراءة نتائج، في كل مرة يحدث فيها هذا التقاطع، يخرج الإخوان وقد وسعوا نفوذهم أو حسنوا صورتهم، بينما يخرج اليسار وقد خسر جزءً من رصيده، أو على الأقل لم يحقق ما دخل من أجله، ليس لأن أحدًا خدعه بالمعنى المباشر، بل لأن المعادلة من البداية لم تكن عادلة.
المشكلة الحقيقية ليست في الإخوان وحدها، بل في استعداد بعض اليسار لتكرار التجربة دون تعلم من الماضي، ففكرة "عدو عدوي صديقي" قد تصلح كشعار مؤقت، لكنها تتحول سريعًا إلى فخ، والتحالف الذي لا يقوم على قوة متكافئة لا ينتج شراكة، بل ينتج تبعية مؤقتة تنتهي دائمًا بسيطرة الطرف الأقوى وإزاحة الأضعف وهو ما ينطبق على حالة الإرهابية واليسار.
وفي الأخير، التاريخ لا يعاقب على الخطأ، بل على تكراره، وأخطر ما في هذه العلاقات المشبوهة، أنها لم تكن يومًا لغزًا معقدًا، بل درسًا واضحًا: من يتحول إلى جسر لغيره، لا يجب أن يتفاجأ إذا احترق بعد العبور؛ لذلك، قبل أي تقارب جديد، وقبل أي حديث عن "جبهة" أو "تنسيق"، ربما يكون السؤال الأهم: إلى متى سيظل اليسار صيدًا سهلاً لأطماع جماعة الإخوان الإرهابية؟