25 أبريل.. يوم استرداد الكرامة قبل الأرض
الاحتلال الإسرائيلي لسيناء.. حين احتُلّت الأرض ولم تنكسر الإرادة من 1967 حتى 1973
الثلاثاء، 21 أبريل 2026 09:08 ص
أحمد سامي
شكّلت هزيمة يونيو 1967 صدمة قاسية للدولة المصرية بعد حرب يونيو 1967، إذ احتُلّت شبه جزيرة سيناء وتراجعت القوات إلى غرب قناة السويس، لكن هذه اللحظة لم تُقرأ في القاهرة باعتبارها نهاية المعركة، بل بداية مرحلة تاريخية لإعادة بناء الجيش والدولة معًا، سادت قناعة راسخة بأن استرداد الأرض لن يأتي بردّات الفعل، وإنما بإعداد طويل النفس، قائم على العلم والتخطيط والانضباط وإعادة صياغة العقيدة القتالية.

بدأت القيادة المصرية عملية مراجعة شاملة لأسباب الهزيمة، وإعادة تنظيم صفوف القوات المسلحة، ورفع كفاءة القيادات والجنود، وتحديث نظم التدريب والتسليح، ومع الوقت، تبلورت رؤية استراتيجية تُدرك أن المواجهة المباشرة الشاملة قبل الاستعداد الكامل ستكون مكلفة، فكان القرار بخوض معركة إعداد ممتدة على خطوط التماس.
من هنا اندلعت حرب الاستنزاف على ضفتي القناة، لتتحول الجبهة إلى ساحة اشتباك يومي، نفّذت القوات المصرية عمليات قصف وكمائن وعبور محدود واشتباكات مدروسة، أرهقت العدو وأعادت الثقة للمقاتل المصري، كانت هذه الحرب مدرسة ميدانية حقيقية، جرى فيها اختبار الرجال والسلاح والخطط تحت ضغط النار، وتراكمت خبرات قتالية ثمينة ستظهر آثارها لاحقًا في معركة العبور.

بالتوازي، انطلقت عملية بناء منظومة دفاع جوي متكاملة حدّت من التفوق الجوي الإسرائيلي، وأسست لما عُرف لاحقًا بـ"حائط الصواريخ"، ومع كل خطوة، كانت الخطط تتبلور لعبور القناة وتحطيم التحصينات الإسرائيلية الهائلة المعروفة باسم خط بارليف، والتي سوّق لها العدو كمانعٍ يستحيل اقتحامه، اعتمد المخطط المصري على الابتكار، فظهرت حلول غير تقليدية للتغلب على الساتر الترابي وفتح الثغرات بسرعة وكفاءة.
لم تكن المعركة عسكرية فقط؛ ففي الداخل، تماسك المجتمع خلف هدف واضح. تحمّل المواطنون أعباء اقتصادية ومعيشية صعبة، وساندوا القوات المسلحة معنويًا وماديًا، أصبحت استعادة سيناء قضية وطنية جامعة، وتحوّلت سنوات ما بعد النكسة إلى حالة عامة من الصبر والعمل والانضباط، غذّتها ثقة متزايدة بأن الإعداد الجاد سيقود إلى النصر.
سياسيًا ودبلوماسيًا، تحرّكت الدولة المصرية على مسارات متعددة لتأمين الدعم، وكسب الوقت اللازم لإتمام الاستعدادات، وإدارة الصراع بحسابات دقيقة، كان الهدف واضحًا: الوصول إلى لحظة حاسمة تُدار فيها المعركة بشروط أفضل، بعد استكمال عناصر القوة.
وجاءت هذه اللحظة في السادس من أكتوبر 1973، حين بدأت حرب أكتوبر 1973 بعبور القوات المصرية القناة، وتحطيم خط بارليف خلال ساعات، ورفع العلم على الضفة الشرقية، بدا المشهد تتويجًا لست سنوات من الإعداد الصامت، أثبتت أن الإرادة حين تُترجم إلى خطط عملية وتدريب منضبط تتحول إلى قوة حاسمة على الأرض.
.jpg)
هكذا، لم تكن الفترة من 1967 إلى 1973 مجرد سنوات بين هزيمة ونصر، بل كانت ملحمة بناء شامل: بناء جيش، وبناء ثقة، وبناء رؤية، تحوّل الألم إلى دافع، والانكسار إلى صلابة، والانتظار إلى عمل دؤوب، حتى جاءت لحظة استرداد الكرامة وفتح الطريق لاستعادة الأرض، إنها تجربة تاريخية تُظهر أن الأمم تُقاس بقدرتها على النهوض بعد السقوط، وصناعة مستقبلها بإرادتها.