مفاوضات واشنطن وطهران تدخل مرحلة كسر الإرادة... معادلة ردع معقدة تحكم المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران في ظل تصعيد مستمر دون مواجهة مباشرة
الأربعاء، 15 أبريل 2026 02:40 م
هانم التمساح
بين إصرار واشنطن على "تفكيك" الطموحات النووية الإيرانية، وتمسك طهران بـ "شرعية المقاومة" ورفع العقوبات، تبقى المفاوضات معلقة على حبال التهديد العسكري. ويجمع المراقبون على أن الأسابيع المقبلة ستحدد ما إذا كان الطرفان سيتجهان نحو "تسوية كبرى" تعيد رسم خارطة الشرق الأوسط، أم نحو انفجار شامل يخرج عن حدود السيطرة
وتعتمد المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران على نقاط قوة وأوراق ضغط متباينة يسعى كل طرف لاستغلالها لتحقيق أهدافه الاستراتيجية
أوراق الضغط الأمريكية
ويأتي التفوق العسكري والضربات الجراحية الأمريكية الدقيقة كأحد اهم نقاط الضغط حيث أثبتت العمليات العسكرية التي قادتها واشنطن بالتعاون مع إسرائيل في فبراير 2026 قدرتها على استهداف منشآت نووية وبنية تحتية دفاعية حساسة، مما وضع النظام الإيراني تحت ضغط عسكري مباشر .
ويعد الحصار البحري والاقتصادي ثانى أقوى أوراق الضغط الأمريكية ،حيث تفرض الولايات المتحدة حالياً حصاراً على الموانئ الإيرانية، مما خنق قدرة طهران على تصدير النفط وزاد من تدهور الاقتصاد الإيراني المنهك بالفعل
سلاح "سناباك"
سلاح "سناباك"
كما استخدمت واشنطن آلية إعادة فرض العقوبات الأممية في أواخر عام 2025، مما حرم إيران من مكاسب رفع العقوبات التي كانت تنتظرها بعد انتهاء مفعول بعض بنود الاتفاق النووي السابق
وتستغل واشنطن الأزمات الداخلية في إيران، بما في ذلك الاحتجاجات الواسعة وضعف الهياكل القيادية بعد خسارة عدد من كبار القادة، كعنصر لإضعاف موقف طهران التفاوضي ...وقد جربت واشنطن كل نقاط الضغط المذكورة لكن النظام الإيراني لايزال مستمرا في الصمود .
أوراق الضغط الإيرانية
أوراق الضغط الإيرانية
ويظل مضيق هرمز ورقة إيران الذهبية؛ حيث هددت طهران بإغلاقه أمام الملاحة الدولية، مما يرفع أسعار الطاقة العالمية ويضغط على الإدارة الأمريكية سياسياً واقتصادياً
كما ان صمود النظام ووحدة القيادة الإيرانية رغم الضربات المتتالية والموجعة يعد احد اهم نقاط الصمود والثبات على الموقف الرافض للاستسلام ،و نجحت طهران في الحفاظ على وحدة الإمرة والقيادة تحت قيادة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، مما يعطي رسالة بأن الضغط العسكري لم يؤدِ إلى الانهيار المنشود .
وتستخدم إيران قدرتها على رفع مستويات تخصيب اليورانيوم كأداة للمساومة، حيث تقترح خفض التخصيب مقابل الحصول على الأموال المجمدة ورفع العقوبات
ورغم إضعاف بعض أذرعها، لا تزال إيران تملك القدرة على تصعيد النزاعات الإقليمية عبر حلفائها في المنطقة"حركتى حماس والجهاد الاسلامى في فلسطين ،وحزب الله اللبناني ،وحركة الحشد الشعبى في العراق ،وجماعة انصار الله الحوثى
واستثمرت واشنطن نتائج عمليات فبراير 2026 التي استهدفت العمق النووي والدفاعي الإيراني لفرض واقع جديد، مفاده أن الخيار العسكري لم يعد مجرد تهديد نظري بل حقيقة واقعة
ولم ترفع طهران الراية البيضاء رغم مقتل الصفوف الأولى والمؤثرة في قيادتها ؛ بل أعادت ترتيب أوراقها تحت قيادة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، مستخدمةً أوراق قوة تهدف إلى هز استقرار الأسواق العالمية
و يمثل إغلاق مضيق هرمز كابوساً اقتصادياً لواشنطن وحلفائها مع احتمال قفز أسعار النفط إلى مستويات قياسية
و يُعد مخطط الحصار البحري لإيران من قبل الأسطول الأمريكي، مقارنةً بدعوى الحرب السريعة والسهلة التي طُرحت في بداية العدوان الأمريكي-الصهيوني، خطوة إلى الوراء، وأكثر تعقيداً، وتتطلب صبراً أطول، وهي بلا شك أطول أمداً.
وبينما تدعي القيادة المركزية الأمريكية فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، فقد أثبتت إيران قوتها في مضيق هرمز خلال الحرب المفروضة الثالثة. في ظل هذه الظروف، كما أن قيام البحرية الأمريكية بحصار الموانئ الإيرانية، يعني بالضرورة مزيداً من إغلاق مضيق هرمز.
عنصر الوقت في استراتيجية الحصار
ويلعب عنصر الوقت دوراً حاسماً. إذ لا بد من الانتظار حتى تظهر آثار الحصار، التي تشبه إلى حد كبير العقوبات التي فرضت سابقا على طهران .
وبالنظر إلى آلاف الكيلومترات من الحدود المشتركة بين إيران وجيرانها، و خبرتها في الصمود والحصار الاقتصادى خلال سنوات العقوبات، فإن خطة الحصار البحري لإيران تحتاج إلى قدر هائل من الصبر،ومن صعبٌ أن يُقبل الأمريكيون على هذا الصبر، في ظل ارتفاع أسعار البنزين والتضخم المتصاعد لبعض السلع في بلادهم.
ترامب الذى كان يسعى حرب سريعة وسهلة ضد إيران، قد سئم، وفقاً لما نشرته صحف أمريكية وغربية ، من إطالة أمد الحرب مع إيرا ن ، فقبل أسبوعين تقريباً من وقف إطلاق النار، أفادت شبكة "MS Now" نقلاً عن مسؤول في البيت الأبيض بأن ترامب قد سئم الحرب مع إيران،و ذكرت صحيفة "التلجراف" بعد طرح مسألة وقف إطلاق النار أن "جميع الدلائل تشير إلى أن البيت الأبيض يريد إنهاء الصراع مع إيران في أسرع وقت ممكن والانتقال إلى شؤون أخرى"
وتعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي في نوفمبر القادم أحد أسباب عجلة الإدارة الأمريكية لإنهاء الوضع المتأزم في الحرب مع إيران بأسرع وقت، لذا فإن خطة الحصار البحري التي تتطلب صبراً أطول لتحقيق نتائج، ستكون أسوأ خيار ممكن
وقد فعل الرئيس الأمريكي خلال أربعين يوماً من القتال كل ما في وسعه لفتح مضيق هرمز، واضطر في النهاية، كآخر ورقة رابحة، إلى طلب وقف إطلاق النار من إيران
وإذا تم مراجعة تصريحات ترامب بشأن مضيق هرمز نرى كثير من التضارب أوأنه ليس لديه استراتيجية صحيحة لهذه القضية، وأن الحصار الذي يحتاج إلى مزيد من الصبر ليس هو الحل الأمثل له في هذه المسألة
ففي بداية الحرب، طلب ترامب من إيران عدم إغلاق مضيق هرمز. ثم ادعى أن أمريكا قادرة على فتحه. وفي الخطوة التالية، جرّ الناتو وأوروبا إلى الخط، ولما لم يصل إلى نتيجة، قال: "هذا المضيق ليس مهماً لأمريكا بقدر أهميته لأوروبا"، وفي نهاية الحرب، وجه الشتائم المباشرة للإيرانيين قائلاً: " افتحوا المضيق أيها المجانين !"، حتى انه فقد صوابه مهددا بضرب إيران ونسف حضارتها عن بكرة أبيها
وفي المقابل لجأت إيران للوعيد والتهديد بمزيد بخلق المزيد من الازمات الاقتصادية حول العالم إذا ما تم الاستمرار فى حصار مضيق هرمز ،و قال اللواء محسن رضائي (القائد الاسبق للحرس الثوري) إن أمريكا لن تنجح في حصار مضيق هرمز كما فشلت في فتحه. لأن إيران ليست مكاناً يمكن إغلاقه بالتغريدات والخطط الوهمية .
وفى الوقت الذى ينزف فيه الاقتصاد الإيرانى جراء الحصار ،وجّه محمد باقر قاليباف خطابه إلى الشعب الأمريكي، مذكّراً بالسعر الحالي للبنزين في بلادهم، وكتب: "استمتعوا بالسعر الحالي للبنزين. فبما يسمى بـ"الحصار"، ستحنّون قريباً إلى بنزين الأربعة أو الخمسة دولارات"، لتظل سياسة عض الأصابع المتبادلة بين الطرفين مستمرة إلى ان يستسلم أحد الطرفين ويتنازل عن شروطه لوقف الإقتتال الذى يستمر ويتجدد لعقود من الزمان ،فما تلبث ان تهدأ أصوات دوى الإنفجارات حتى تعود مجددا.
ووفقا لوكالة انباء رويترز ،فقد أظهرت بيانات ملاحية، الثلاثاء، عبور ناقلة نفط خاضعة للعقوبات الأميركية “مضيق هرمز”، في أول تحرك من نوعه منذ بدء الحصار الأميركي على هذا الممر البحري الحيوي، وأفادت الوكالة بأنه؛ وفقًا لبيانات صادرة عن “مجموعة بورصات لندن” و(مارين ترافيك) و(كبلر)، فإن الناقلة (ريتش ستاري) غادرت الخليج بعد عبورها المضيق، لتكون أول ناقلة تقوم بذلك منذ فرض القيود.
وأشارت (رويترز) إلى أن الناقلة ومالكها، شركة (شنغهاي شوانرون للشحن المحدودة)، يخضعان لعقوبات أميركية بسبب تعاملات مرتبطة بـ”إيران”، فيما لم يصدر أي تعليق فوري من الشركة،وبحسّب البيانات؛ تحمل الناقلة نحو (250) ألف برميل من “الميثانول”، تم تحميلها في “ميناء الحمرية” بدولة “الإمارات”، وهي مملوكة لجهات صينية ويعمل على متنها طاقم صيني.
وفي المقابل؛ دخلت ناقلة أخرى (مورليكيشان) خاضعة للعقوبات الأميركية، “مضيق هرمز”، حيث تُشير التقديرات إلى أنها ستتجه لتحميل زيت الوقود من “العراق” في الـ 16 إبريل ،وتُعرف هذه الناقلة سابقًا باسم (إم. كيه. إيه)، وسبق أن شاركت في نقل شحنات نفط من “روسيا وإيران”
وفي تحذير شديد اللهجة؛ أعلن مقر (خاتم الأنبياء) المركزي الإيراني أنّ أمن الموانيء في الخليج و”بحر عُمان”: “إما أن يكون للجميع أو لن يكون لأحد”، مؤكدًا أنّه في حال تعرّض أمن الموانيء الإيرانية لأيّ تهديد، فلن يكون أيّ ميناء في المنطقة في مأمن" ،وكل ذلك سوف يكون له تأثير أكبر على ارتفاع أسعار النفط، خاصة وأن النفط قد شهد بالفعل ارتفاعاً بنسبة 8% مع تصاعد التوترات مجدداً.