"الإخوان لا يقبلون شريكا يريدون فقط تابعا". "مهادنة الإخوان خطأ فادح وانتحار سياسي لليسار".."الجماعة تستخدم الديموقراطية سلما للسلطة ثم تنقلب عليه ..قراءة فى أدبيات المفكر الماركسي الراحل رفعت السعيد

الجمعة، 17 أبريل 2026 10:50 ص
"الإخوان لا يقبلون شريكا يريدون فقط تابعا". "مهادنة الإخوان خطأ فادح وانتحار سياسي لليسار".."الجماعة تستخدم الديموقراطية سلما للسلطة ثم تنقلب عليه ..قراءة فى أدبيات المفكر الماركسي الراحل  رفعت السعيد
​هانم التمساح

يُعد الدكتور رفعت السعيد الذى عاش فى الفترة من 1932 إلى 2017 أحد أبرز المؤرخين والسياسيين اليساريين الذين تخصصوا في تشريح تاريخ الجماعات الإسلامية، وتحديداً جماعة الإخوان المسلمين. وفى  مؤلفاته الكثيرة مثل "حسن البنا: متى وكيف ولماذا؟" و"الإرهاب المتأسلم" ،  رسم السعيد ملامح علاقة معقدة اتسمت بالعداء الأيديولوجي والصدام التاريخي، مع فترات نادرة من "التحالف الضروري".
 
وكان رفعت السعيد يرى أن الماركسيين هم الحائط الأخير في مواجهة ما وصفه بـ "الظلامية". وفي قراءته، فإن العلاقة بين الطرفين ليست مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل هي صراع بين "الدولة المدنية" التي ينشدها اليسار، و"دولة الخلافة" التي تسعى إليها الجماعة، معتبراً أن التاريخ أثبت استحالة التعايش الأيديولوجي بينهما.
 
وتكشف جملة  ​"إن الإخوان لا يقبلون شريكاً، بل يقبلون تابعاً، والماركسية بطبيعتها لا يمكن أن تكون تابعاً لمشروع غيبي" فى كتاب السعيد ،عن استحالة التوافق بين الطرفين فى نظره ،فينما يرى البعض أن العلاقة بين الماركسيين والإخوان هي مجرد تنافس سياسي، ذهب الدكتور رفعت السعيد في مجمل أعماله إلى أبعد من ذلك، واصفاً إياها بأنها صراع وجودي بين مشروعين لا يلتقيان. 
 
ومن خلال قراءة في تراث السعيد، يمكن تلخيص هذه العلاقة في عدة نقاط أولها التناقض الأيديولوجي والتى لخصها فى مصطلح (المادية مقابل الثيوقراطية)
​ويرى السعيد في كتبه أن الخلاف بدأ من "النقطة صفر". فالماركسية تقوم على تحليل مادي للتاريخ وصراع الطبقات، بينما أسس حسن البنا جماعته على رؤية شمولية دينية ترفض "الحزبية" وتعتبرها تفتيتاً للأمة.
​وكان  السعيد يؤكد دائماً أن الإخوان استخدموا "الدين" كغطاء لتمرير أجندة سياسية محافظة تخدم الطبقات البرجوازية، مما جعلهم في صدام طبيعي مع الطليعة اليسارية التي تتبنى حقوق العمال والفلاحين.

​ بداية  الصدام: "الكتلة الوفدية" واللجنة الوطنية للعمال والطلبة
 
​ويرصد السعيد في تأريخه للحركة السياسية المصرية في الأربعينيات، كيف بدأ التوتر الفعلي بين التيارين. ففي عام 1946، تشكلت "اللجنة الوطنية للعمال والطلبة" التي قادها اليساريون، وحاول الإخوان الانضمام إليها ثم الانشقاق عنها.
​واتهم السعيد فى رؤيته الإخوان بمحاولة "اختطاف" الحراك الشعبي وتوجيهه بعيداً عن المطالب الاجتماعية الصارمة، مشيراً إلى أن الجماعة كانت تخشى من تنامي النفوذ الشيوعي في أوساط الشباب المصري.
 
 علاقة "القط والفأر" مع السلطة
 
​ولعل أحد أهم النقاط التي ركز عليها السعيد هي علاقة الإخوان والماركسيين بـ "النظام". ففي العهد الملكي يرى السعيد أن القصر استخدم الإخوان أحياناً لضرب المد الشيوعي.
​وفي عهد عبد الناصر  يؤرخ السعيد لفترة السجن التي جمعت الطرفين، ورغم ما وصفه ب" المعاناة المشتركة".، إلا أنه يشير إلى "الشك المتبادل" داخل الأسوار، حيث كان كل طرف يرى في الآخر خطراً على مستقبل الدولة المصرية بعد الخروج؛ وصولا إلى  "التحالفات الهشة"و لقاء الضرورة لا المبدأ.
ويتوقف السعيد طويلاً عند فترات "التنسيق" (مثل التحالفات الانتخابية في الثمانينيات)، معتبراً إياها سقطات تكتيكية من بعض القوى اليسارية.
​و كان يرى أن أي تقارب يساري مع الإخوان هو "انتحار سياسي"، لأن الجماعة في نظره تستخدم الديمقراطية كـ "سلم" للصعود ثم تنقلب عليها، وهو ما سماه في أدبياته بـ "الفاشية الدينية".
​ومن أهم مؤلفات رفعت السعيد التي تناولت هذه  العلاقة  المضطربة بين الإخوان واليسار  والتى لا يمكن أن تكون علاقة توافق  (وكانت هذه المؤلفات  مثيرة للجدل أحياناً) في تأريخ فكر وحركة اليسار المصري، وخاصة في رصده للعلاقة الشائكة والمتوترة غالباً بين الفصائل الماركسية وجماعة الإخوان ؛كتاب "حسن البنا: متى.. كيف.. ولماذا؟" ويعتبر هذا الكتاب من أهم الدراسات النقدية التي قدمها السعيد حول نشأة جماعة الإخوان. يتناول فيه الجذور الفكرية والسياسية للجماعة، ويحلل من وجهة نظر ماركسية كيف صعدت الجماعة كقوة منافسة لليسار وللقوى الوطنية الأخرى في ذلك الوقت، موضحاً نقاط التصادم الأيديولوجي المبكر.
ومن أهم مؤلفاته فى هذا السياق أيضا كتاب "ضد الطائفية"؛وفي هذا الكتاب، يستعرض السعيد مخاطر تسييس الدين، ويتطرق بشكل مباشر إلى كيفية رؤية الماركسيين المصريين لمفهوم الدولة المدنية في مواجهة مشروع "الدولة الإسلامية" الذي يطرحه الإخوان، موضحاً أن الصراع بين الطرفين ليس مجرد صراع سياسي، بل هو صراع حول هوية الدولة.
وعلى الرغم من كون سلسلة كتب "تاريخ الحركة الاشتراكية في مصر" لرفعت السعيد  تؤرخ لليسار، إلا أن الإخوان المسلمين حاضرون بقوة في كل مجلداتها كـ "نقيض" أو "منافس" على الشارع المصري. ويرصد السعيد في هذه الأجزاء (خاصة ما يتعلق بفترة الأربعينيات والخمسينيات) وكيف تقاطعت المسارات، وكيف حدثت الصدامات الدامية أو التحالفات التكتيكية القصيرة بين الطرفين.
​ويركز كتاب "الإرهاب.. المتأسلمون واليسار " لرفعت السعيد أيضا  على العلاقة في فترات لاحقة (السبعينيات وما بعدها)، محللاً كيف تعامل اليسار المصري مع صعود تيار الإسلام السياسي، ومنتقداً محاولات بعض القوى اليسارية "مهادنة" الإخوان أو التحالف معهم تحت شعارات وطنية، وهو ما كان يراه السعيد خطأً استراتيجياً فادحاً؛ففكر الإخوان شمولي بطبعه ولا يلتقي مع الديمقراطية الاجتماعية أو الفكر العلمي الذي ينشده اليسار.
 
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق