«غدر الأفاعي»| التاريخ لا يكذب.. لماذا لا يتعلم تيار اليسار من الأعيب جماعة الإخوان الإرهابية؟

السبت، 18 أبريل 2026 04:08 م
«غدر الأفاعي»| التاريخ لا يكذب.. لماذا لا يتعلم تيار اليسار من الأعيب جماعة الإخوان الإرهابية؟
محمد الشرقاوي

اللعبة الإخوانية واحدة لم تتغير.. استخدام قيادات يسارية كواجهة مدنية لتحركات الجماعة وتسويق خطاب "المظلومية"
"ركوب الموجة" المبدأ الذى تستخدمه الجماعة منذ 1928 وحتى اليوم في استخدام التيارات اليسارية ثم الإطاحة بهم

 
 
تتسم علاقة جماعة الإخوان الإرهابية بتيارات اليسار في مصر بنمط متغاير، حيث يتقاطعان في مراحل زمنية، ويفترقان في أخرى، وفقًا لتغير المصالح، وهي علاقة لا يمكن فهمها في إطار التحالفات السياسية التقليدية، حيث تخرج لنمط أكثر تعقيدًا وثباتًا: تقاطع مؤقت، يعقبه توظيف، ثم ينتهي غالبًا إلى إقصاء الطرف الآخر من المشهد.
 
وخلال حقب متفاوتة في تاريخ السياسة المصرية، اقترب اليسار من الإخوان درجة تجعلك تراهم في معسكر واحد، سواء بدافع مواجهة خصم مشترك أو استغلال لحظة سياسية فارقة، لكن – كالعادة  - تظل النتيجة واحدة: تتحول لحظة التقاطع إلى مدخل تستخدمه الجماعة لتوسيع نفوذها، ثم تعيد تعريف شركائها باعتبارهم عائقًا يجب تجاوزه، وهو ما يمكن أن نَصِفه بـ"الغدر"، وهو ليس سلوكًا طارئًا أو انحرافًا عن القاعدة بموجب الحال، بل جزءً أصيلًا من طريقة إدارة الجماعة الإرهابية لعلاقاتها السياسية على الدوام.
 
وهنا المشكلة لا تكمن فقط في "غدر الإخوان"، بقدر ما تكمن في تكرار نفس النمط من التقدير لدى بعض التيارات اليسارية، التي تعاملت مع الإرهابية باعتبارها فاعلًا سياسيًا يمكن إدماجه في معادلات التوازن، دون الانتباه إلى الفارق الجوهري في طبيعة المشروع، فبينما ينطلق اليسار من تصور تعددي - في لحظات الصراع - تتحرك الجماعة وفق منطق تنظيمي مغلق، يرى في السياسة مسارًا للتمكين لا ساحة للتشارك.
 
وعبر ما يقرب من قرن من الزمن، من الملكية إلى ما بعد 2013، تكررت هذه المعادلة بأشكال مختلفة، لكن بنتيجة واحدة: اليسار يتقاطع، والإخوان يتمددون، ثم ينتهي الأمر بإعادة رسم المشهد على حساب هذا التقاطع نفسه، وهو ما يطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا من مجرد توصيف الماضي: إذا كان النمط واضحًا إلى هذا الحد، فلماذا يستمر الوقوع في الفخ ذاته؟
وهنا في هذه القراءة لا نستعيد محطات العلاقة بين الإخوان واليسار، بل نحاول إيجاد تفسير لهذا النمط المتكرر، وقراءة كيف تحولت التحالفات من أدوات للعمل السياسي إلى أدوات لإعادة تشكيل المجال المدني، حيث لا يكون الشريك سوى مرحلة، ولا يكون التقاطع سوى بداية لمسار ينتهي دائمًا بنفس النتيجة: الاستخدام، ثم الإقصاء.

صراع مبكر.. كيف تشكّل التنافس؟
نشأت جماعة الإخوان الإرهابية عام 1928 على يد حسن البنا في سياق اجتماعي وسياسي مضطرب، اتسم بتراجع النفوذ العثماني، وتصاعد الهيمنة البريطانية، وبداية تشكل حركات احتجاجية ذات طابع طبقي وفكري، كان اليسار أحد أبرز تعبيراتها، وفي هذا السياق لم يكن ظهور الجماعة مجرد إضافة إلى المجال السياسي، بل إعادة تعريف لطبيعة الصراع داخله، عبر إدخال الدين كأداة تعبئة مركزية في مواجهة الخطابات الطبقية والعلمانية.
 
خلال الثلاثينيات والأربعينيات القرن الماضي، توسع الإخوان بشكل ملحوظ، حيث قُدّر عدد أعضائها ومؤيديها بعشرات الآلاف، مع انتشار واسع في المدن والأقاليم، مدعومًا بشبكة من الجمعيات الخيرية، والمدارس، والأنشطة الدعوية، بينما في المقابل، ظل اليسار المصري - رغم حضوره المؤثر في النقابات والحركة العمالية- أكثر تركّزًا في قطاعات محددة، خاصة بين العمال والمثقفين، وهو ما حدّ من قدرته على الانتشار المجتمعي بنفس الاتساع.
 
ولم يكن هذا الفارق في "قاعدة الانتشار" تفصيلًا ثانويًا، بل عنصرًا حاسمًا في تشكيل ميزان القوة، فبينما اعتمد اليسار على أدوات تنظيمية ذات طابع نخبوي نسبيًا، نجح الإخوان في بناء نموذج مزدوج: خطاب ديني تعبوي + حضور خدمي مباشر داخل المجتمع؛ ما منحهم قدرة على النفاذ إلى قطاعات لم تكن منخرطة في الصراع السياسي التقليدي، خصوصًا في الريف والطبقات الوسطى المحافظة.
 
على المستوى الأيديولوجي، كان الصدام واضحًا ومباشرًا، فقد روّجت الجماعة الإرهابية لفكرة أن الشيوعية تمثل تهديدًا للهوية الدينية، وربطوها بالإلحاد والتفكك الاجتماعي، في حين اعتبر اليسار أن الجماعة تمثل امتدادًا لتيار محافظ يسعى إلى عرقلة التحديث وإعادة إنتاج البنية التقليدية للمجتمع، وهو تناقض لم يظل في إطار الخطاب، بل انعكس في التنافس داخل النقابات والجامعات والفضاء العام.
 
لكن الأهم من هذا الصراع المعلن، هو ما كشفته تلك المرحلة من اختلاف عميق في "طريقة إدارة النفوذ"، فالإخوان لم يكتفوا بمواجهة اليسار فكريًا، بل تحركوا لبناء نفوذ موازٍ داخل نفس المساحات التي يسعى اليسار للسيطرة عليها، مع قدرة أكبر على التكيف مع البنية الاجتماعية المحافظة، وفي كثير من الأحيان، لم يكن الهدف إقصاء اليسار مباشرة، بل تجاوزه تدريجيًا عبر سحب قواعده الاجتماعية أو محاصرته داخل نطاق محدود.
 
وأظهرت الجماعة منذ وقت مبكر قدرًا من البراجماتية السياسية، حيث لم تدخل في صدام شامل مع كل مكونات النظام القائم، بل حافظت على قدر من المرونة في علاقتها ببعض دوائر السلطة أو القوى التقليدية، وهو ما أتاح لها مساحة حركة أوسع مقارنة باليسار، الذي كان أكثر عرضة للملاحقة بسبب طابعه الراديكالي وارتباطه بأفكار ثورية عابرة للحدود.
وبالتالي، فإن المرحلة الملكية لم تكن مجرد بداية لصراع أيديولوجي بين طرفين، بل كانت لحظة تأسيس لنمط سيستمر لاحقًا: اليسار يتحرك داخل أطر تنظيمية محددة، بينما يتحرك الإخوان داخل المجتمع ككل، مع قدرة مستمرة على التغلغل وإعادة التموضع، وهو ما مهّد لاحقًا لتحول هذا التنافس من مجرد صراع على النفوذ، إلى محاولات اختراق واستثمار لمساحات الخصم نفسه.
 
وبهذا المعنى، فإن ما بدا في تلك المرحلة كـ"تنافس تقليدي"، كان في جوهره بداية لمسار أكثر تعقيدًا، ستتضح ملامحه لاحقًا، حين لا يكتفي الإخوان بمنافسة اليسار، بل يسعون إلى استخدامه كمدخل لإعادة تشكيل المجال السياسي بالكامل.

من التحالف المؤقت إلى الاختراق
مع قيام ثورة 1952 ودخول مصر عهد جمال عبد الناصر، أعادت الدولة تشكيل المجال السياسي سريعًا، فاستهدفت التنظيمات الشيوعية مبكرًا، بينما اتسمت علاقتها بالإخوان في البداية بتقارب حذر، باعتبارهم قوة يمكن استخدامها لموازنة نفوذ اليسار، غير أن هذا التوازن لم يدم، إذ تحولت العلاقة إلى صدام في 1954، لكن اللافت كان ظهور تقاطعات مؤقتة بين الإخوان وبعض الشيوعيين ضد السلطة، دون أن تعكس أي تقارب حقيقي، بل توظيفًا ظرفيًا فرضته لحظة الصراع.
 
داخل السجون، تجلى هذا النمط بوضوح أكبر، حيث سعت الجماعة إلى استثمار صمود اليساريين في مواجهة التعذيب لتسويق خطاب "المظلومية المشتركة"، بينما تعاملت معهم كأدوات مرحلية، كما ظهرت محاولات لاختراق التنظيمات الطلابية والعمالية، عبر دفعها لمواجهات مباشرة مع الدولة، ما ساهم في إنهاكها.
 
وفي الوقت نفسه، احتفظت الجماعة بمرونة تنظيمية عالية، مكنتها من إعادة التموضع، بل ومدّت قنوات تواصل خارجية مع قوى معادية للشيوعية، في ازدواجية تعكس طبيعة إدارتها للتحالفات، وهو ما كشف عن فارق جوهري في طريقة التفكير السياسي بين الطرفين؛ فبينما تعامل اليسار مع لحظة القمع باعتبارها معركة وجودية مباشرة مع الدولة، تعاملت الجماعة معها كمرحلة يمكن إدارتها وإعادة البناء بعدها.
 
ولذلك لم يكن هدف الإخوان تحقيق انتصار لحظي بقدر ما كان الحفاظ على التنظيم واستغلال أي مساحة متاحة، حتى لو جاءت عبر خصوم مؤقتين، وهو ما منحهم ميزة "الاستمرارية"، مقابل حالة إنهاك تدريجي أصابت تيار اليسار.
 
ومع وصول أنور السادات إلى الحكم عام 1970، انتقلت هذه المعادلة إلى مستوى أكثر وضوحًا، فقد فتح المجال أمام التيار الإسلامي لمواجهة اليسار داخل الجامعات والنقابات، لكن الجماعة لم تتعامل مع ذلك كدور وظيفي، بل كفرصة لإعادة بناء نفوذها، وبدلًا من المواجهة المباشرة، عملت الإرهابية على التغلغل داخل نفس المساحات التي كان يسيطر عليها اليسار، وتحويلها تدريجيًا إلى مناطق نفوذ لها، مستفيدة من خطاب الهوية في مواجهة خطاب العدالة الاجتماعية.
 
وشهدت 2005 تعاونًا بين الإخوان وقوى يسارية ضمن حركات احتجاجية مثل حركة كفاية. شارك الطرفان في مظاهرات مشتركة ضد سياسات النظام، لكن هذا التقارب ظل تكتيكيًا، حيث سعى كل طرف لتعزيز موقعه السياسي، لكن جماعة الاخوان التي اعتادت على سلك نهجا برجماتيا تنكرت لحلفائها وقامت بمحاولة "ركوب الموجة" وتوسيع شعبيتهم.

ثورة 25 يناير وما بعدها
لقد مثّلت ثورة 25 يناير 2011 لحظة كاشفة في العلاقة بين جماعة الإخوان الإرهابية وتيار اليسار؛ ليس لأنها جمعت الطرفين، بل لأنها كشفت الفارق بين من يرى الثورة أفقًا للتعدد، ومن يتعامل معها كبوابة للتمكين، فقد جاء التقاطع في الميدان تكتيكيًا، قائمًا على وحدة الخصم لا وحدة المشروع، وسرعان ما ظهرت أسئلة ما بعد إسقاط النظام: من يحكم؟ وبأي تصور؟..
 
وفي هذه اللحظة، تحركت الجماعة بسرعة لملء الفراغ، مستفيدة من تفوقها التنظيمي في الانتخابات، وصولًا إلى السلطة عبر الرئيس الأسبق محمد مرسي، وهنا انكشفت المعضلة؛ فالإخوان تعاملوا مع الثورة كفرصة لإعادة تشكيل الدولة، لا كعملية انتقال تشاركي، ما فجّر التوتر مع القوى اليسارية، خاصة مع تصاعد اتهامات "أخونة الدولة" وتهميش القوى المدنية.
 
لم يكن الخلاف سياسيًا فقط، بل صدامًا على تعريف المجال العام، فبينما سعت الجماعة الإرهابية إلى احتكار القرار وإعادة ترتيب موازين القوة لصالحها، وجد تيار اليسار نفسه خارج التأثير، رغم كونه أحد روافع اللحظة الثورية، ومع تصاعد الاحتجاجات التي انتهت بأحداث 30 يونيو 2013، انهار هذا التقاطع سريعًا، وتحول إلى قطيعة حادة، أكدت أن العلاقة لم تقم يومًا على شراكة حقيقية.
 
وما تكشفه هذه اللحظة ليس فقط فشل تجربة حكم، بل حدود الرهان على التقاطعات التكتيكية مع فاعل لا يرى في السياسة مساحة مشتركة، فجماعة الإخوان، بحكم بنيتها التنظيمية، تتعامل مع اللحظات الانتقالية باعتبارها فرصًا لإعادة ترتيب المشهد لصالحهم، لا لإدارته بشكل توافقي؛ لذلك، فإن كل تقاطع معهم يظل مؤقتًا بطبيعته، لأنه لا يقوم على مشروع مشترك، بل على حسابات مرحلية سرعان ما تنتهي بمجرد تغير موازين القوة.
 
غير أن ما تغير في السنوات الأخيرة هو عودة شكل جديد من التقاطع، ولكن هذه المرة عبر الخطاب لا الميدان، فقد بدأت بعض الأصوات اليسارية تتبنى سرديات تتقاطع مع تلك التي تروج لها الجماعة في نقد الدولة، مدفوعة بعدة عوامل، أبرزها العداء المشترك للسلطة، والبحث عن منصات إعلامية بديلة، والتأثر بالبروباجندا الرقمية، وهو ما يعكس تداخلًا في أدوات المعارضة، حيث تُستخدم نفس اللغة رغم اختلاف المشاريع.
 
كما تلعب الانقسامات داخل التيار اليساري دورًا مهمًا في هذا التداخل؛ فبينما يرفض قطاع واسع أي تقارب مع الإخوان باعتبارهم مشروعًا سلطويًا دينيًا، ترى بعض الأصوات الراديكالية أن أي قوة معارضة يمكن توظيفها مرحليًا لإضعاف السلطة.
 
وهنا تتكرر نفس الإشكالية التاريخية: التقاطع التكتيكي يتحول تدريجيًا إلى مساحة توظيف، ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول استقلالية الخطاب اليساري، وقدرته على مقاومة إعادة تدويره داخل سرديات لا تعبر عن مشروعه الحقيقي.
 
في النهاية، لا يمكن قراءة هذا المسار الطويل إلا باعتباره دليلًا واضحًا على نمط متكرر لدى جماعة الإخوان الإرهابية: تحالفات تُبنى للتوظيف لا للشراكة، وتقاطعات تُستخدم كمدخل للتمكين لا كمساحة للعمل المشترك؛ فالجماعة لم تُخفِ يومًا طبيعة تعاملها مع القوى الأخرى، بل كررت نفس السلوك في كل تجربة: الاقتراب حين الحاجة، ثم الإقصاء عند امتلاك النفوذ.
 
لكن المفارقة الأكثر وضوحًا لا تكمن فقط في هذا النمط، بل في استمرار الوقوع فيه، فالتيار اليساري، رغم ما يمتلكه من أدوات تحليل ونقد، يجد نفسه يعيد نفس الرهان في كل مرة، وكأن التجربة لا تُنتج درسًا، أو أن الدرس لا يُترجم إلى موقف سياسي واضح.
 
وهنا لا يعود السؤال: لماذا يغدر الإخوان؟ بل: لماذا لا يتوقف البعض عن منحهم الفرصة لفعل ذلك؟ فالمشكلة في تكرار التعامل معها وكأنها فاعل يمكن الوثوق به مرحليًا، رغم أن كل الوقائع تقول العكس.
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة